الركض الصامت في زمن الإنجاز

فترات الراحة المنتظمة ترفع كفاءتك أثناء العمل!
الكاتبة: لن يتذكرك أحد بعدد المهام التي أنجزتها، لكنك أنت، ستتذكر تماما كيف كنت تشعر (وكالة الأنباء الألمانية)

استيقظت يوما، بلا سبب واضح، ووجدتني أركض.  لا موعد ينتظرني، ولا طارئ يستدعي العجلة.
ومع ذلك، كنت أركض.

أفتح هاتفي بيد نصف نائمة، أتنقل بين الرسائل، أجيب عن بعضها، وأتجاهل أخرى.
أشعر بالذنب.. لا لأنني لم أُنجز، بل لأنني لم أستطع أن أكون حاضرة في كل شيء.

أنهي مكالمة، لأبدأ مهمة. أنتهي منها، لأفكر في المهمة التالية. وهكذا يمضي اليوم، كعجلة تدور دون توقف، وأنا في المنتصف، لا أعرف: هل أنا من يقودها، أم أنها من تقودني؟

يمجدون من يعمل تحت الضغط، يُصفقون لمن ينام ساعات أقل، ويتفاخرون بالإرهاق كوسام شرف. لكن قلما يسأل أحد: ما الثمن؟ ومتى نرتاح؟

بمرور الوقت، لم تعد هذه الحالة استثناء.. بل صارت عادة، وصارت العادة نمطا، وصار النمط حياة.

ركضٌ يومي لا يُعلن عن نفسه، لكنه يسرق منا كل شيء: الوقت، السلام، الانتباه، وحتى ملامحنا الحقيقية.

صرنا نعيش كما لو أن هناك من يُراقب أداءنا طوال الوقت، أصبحنا نُقاس بعدد المهام، بعدد الردود، بعدد الإنجازات.

يمجدون من يعمل تحت الضغط، يصفقون لمن ينام ساعات أقل، ويتفاخرون بالإرهاق كوسام شرف. لكن قلما يسأل أحد: ما الثمن؟ ومتى نرتاح؟ وماذا نفعل ببقايا أنفسنا التي تذوب في زحمة كل هذا الركض؟

نحن لا نعيش.. ننفذ، نؤدي أدوارا لا نعرف من كتب نصوصها، نحاول أن نكون كل شيء، لكل الناس، طوال الوقت.
وحين يتسلل التعب إلى أرواحنا، لا نملك حتى الوقت للاعتراف به.

نؤجل كل شيء:
الراحة، الحضور، الاستمتاع بلحظة صمت، نقول لأنفسنا: لاحقا. حين أفرغ. حين يهدأ كل شيء.

لكن الحقيقة؟ لا شيء يهدأ، ولا أحد يفرغ.

هكذا، يتحول "لاحقا" إلى نمط حياة، ونُتقن فن التأجيل، إلا في المهام.

التوازن في حياتنا لحظة صدق، لحظة نعترف فيها أننا بشر، ولسنا آلات، لحظة نسمح فيها لأنفسنا أن نكون حاضرين، لا منتجين فقط

نركض، وننجز، ونخطط، ونراسل، ونرتب، ونُربي، ونبتسم في الصور، ونكتب في دفاترنا "التوازن"، لكننا لا نعيشه.

إعلان

نقرأ عنه في الكتب، نحضره في الدورات، ونخطط له في بداية كل عام.. لكنه يظل حلما مؤجلا، لأننا لم نُعلم أنفسنا كيف نتوقف.

التوازن ليس قائمة مهام جديدة، وليس إنجازا يُضاف إلى السيرة الذاتية، وليس بطلا خارقا يتقن كل شيء دون أن يتألم.

التوازن لحظة.
لحظة صدق، لحظة نعترف فيها أننا بشر، ولسنا آلات، لحظة نسمح فيها لأنفسنا أن نكون حاضرين، لا منتجين فقط.

لا أملك وصفة، ولا أقدم نصيحة جاهزة، أنا فقط أكتب لأتأكد أنني ما زلت أفكر.. ما زلت أحاول ألا أذوب في الزحام

أن نغلق الهاتف دون شعور بالتقصير، أن نتأمل فنجان قهوتنا دون أن نعدل مهمة على المفكرة، أن نرتب يومنا لنعيش فيه، لا لنُرضي أحدا.

في النهاية، لن يتذكرك أحد بعدد المهام التي أنجزتها، لكنك أنت، ستتذكر تماما كيف كنت تشعر.

هل كنت حاضرا في أيامك؟ أم فقط كنت تؤدي الدور؟

أنا لا أملك وصفة، ولا أقدم نصيحة جاهزة، أنا فقط أكتب لأتأكد أنني ما زلت أفكر.. ما زلت أحاول ألا أذوب في الزحام.

الركض مستمر، نعم.
لكنني، كل مساء، أحاول أن أبطئ، أن أتنفس، أن أطفئ هاتفي قبل النوم…
لا لأرتاح، بل لأقنع نفسي أنني توقفت.

ثم أمد يدي إليه من جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان