الحرب وأخلاقيات العفو والعدالة!

الجوع في جنوب السودان
الكاتب: وجدت مجتمعات عديدة طريقها نحو السلم المجتمعي، والانطلاق لما فيه مصلحة الجميع في عملية بناء هرمي (برنامج الأغذية العالمي)

يظل سؤال العدالة والتعافي المجتمعي من أكبر التحديات في خاطرة الأمم التي ابتُليت بالحروب والعنف، وبدأت تتلمس طريقها نحو طي صفحة الماضي.

وهذا طريق مليء بالدموع والألم بقدر ما فيه من الأمل، ويرى كثيرون أنه لا بد أن يمر بتضحية مجتمعية تضع حدًا لجرحٍ غائر ما له من سبيل للتعافي بدونها.

وهذه في أغلب الأحيان عملية شائكة وشاقة، ومن الصعب إخضاعها لمعايير الخطأ والصواب؛ لاختلاف الناس حول هذه المعايير ابتداءً، وللقدر العالي من الشحن العاطفي ذي الطبيعة المركبة الذي يحيط بها، سواء من الضحايا وذويهم من جهة، ومن مرتكبي الجرائم من جهة أخرى.

لذا، فإن من المألوف عودة هذه القضايا إلى السطح بعد مضي عشرات السنين على ما اعتُبر في حينه نقطة وسطية، تحقق مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتأخذ للضحية حقه (أو جزءًا منه)، وتتيح في نفس الوقت إعادة بناء اللحمة الوطنية والمجتمعية.

ولا شك أن العفو قيمة إنسانية لها جوانبها الإيجابية في كثير من الأحوال، فهو يتيح التعلم من الأخطاء بصورة بنّاءة، والمضي إلى الأمام من خلال تحقيق السلم بين مكونات المجتمع، ولكن يبرز السؤال عما إن كان العفو عن الجرائم الخطيرة المتعلقة بالمظالم الفردية أو المجتمعية لا مكان له مقابل الفظاعات المرتكبة، وربما يمثل فعلًا غير أخلاقي في حد ذاته؛ لما يرتبط به من قفز فوق القيم التي تحقق التوازن والتمدن المجتمعي، وهي قيم تقوم في الأساس على ربط وثيق بين ارتكاب الجرم والفظائع، وبين ما يترتب على ذلك من الشعور باللوم والعار، والرهبة من تحقيق العدالة، والخوف من رغبة الضحية أو المجتمع في الانتقام.

مفهوم العدالة لا يعني بالضرورة العفو أو العقاب والقصاص وفق ما تفصله القوانين، ولكن قد يكون مزيجًا بين العقاب المناسب وإعادة التأهيل

الضحايا والجناة بين مفهوم متحرك للعدالة

يمثل اختلاف مفهوم العدالة عند الأطراف ذات الصلة: (الضحايا، مرتكبي الجرائم، ناشطي المجتمع المدني والسلطتين السياسية والقانونية) أحد التعقيدات الملحوظة في ملفات المجتمعات التي خرجت لتوها من أتون النزاعات والحروب؛ ما يحتم وجود حوار بنّاء بين هذه الأطراف، والاتفاق على التعريفات المطلوبة، قبل انطلاق أي فعل يدخل في نطاق تحقيق العدالة والمصالحة.

إعلان

هذا المفهوم للعدالة لا يعني بالضرورة العفو أو العقاب والقصاص وفق ما تفصله القوانين، ولكن قد يكون مزيجًا بين العقاب المناسب وإعادة التأهيل. وبغض النظر عن تعريف العدالة في هذه الظروف الخاصة، يتفق كثيرون أن السلام لا بد أن يمر من بوابة تحقيقها، وإيجاد تعريفات لها تتكيف مع الحالة المعينة، وتتفاعل إيجابيًا مع الجذور التاريخية التي أدت إلى اندلاع العنف.

وهذا جهد معرفي وفكري مطلوب، يتيح للجميع الخروج من سجن كبير بلا جدران، تمثل فيه الكراهية والغضب وحب الانتقام أرضيات تبدو بلا حدود، ولا سبيل للخروج منها سوى الاستعداد لتنفس مشاعر مختلفة، تمثل مزيجًا من الاعتراف بالظلم وتقبل العقاب والتأهيل من جانب، والاستعداد لإعلاء فضيلة العفو والعفو المشروط من الجانب الآخر.

من غير المعقول تقبل فكرة العفو المطلق والمضي إلى الأمام بدون الاعتراف بالمظالم، واستعداد مرتكبيها لصِيَغ متفق عليها من العقاب

الحوار الصعب وضرورته في تحقيق السلم

تحتم ضروريات تحقيق السلم عدم النظر إلى تحقيق العدالة والعفو على أنهما طرفان في معادلة صفرية، بل مفهومان متكاملان؛ وربما يتفق كثيرون على أنهما يتطلبان حوارًا مكشوفًا بين الضحايا ومن ساهم في إيقاع الأذى بهم.

عند كثيرين، خاصة من مروا بتجارب مشابهة، تتيح هذه الحوارات رؤية الجوانب الخفيَّة لكل طرف، أي رؤية المعاناة والألم من جانب، ورؤية ذلك الجانب المظلم الذي طغى على الخير الإنساني من الجانب الآخر، وهذا بدوره يتيح الإتيان بمعالجات ناجحة، تكون من أصل المشكلة وليست استنساخًا شائهًا من نزاعات أخرى لا تحمل نفس الخلفيات والمآلات.

ومن الأهمية بمكان تعريف هذا الفعل بالعبارات المطلوبة، فهو قطعًا ليس بعملية تنطلق فيها نبرات التشفي غير المحدود، أو غسولًا من الجرائم بلا ثمن، أو عفوًا من جانب الضحايا (وإن كانت قلة منهم قد تختار ذلك)! ولكن ربما يُفضَّل النظر إليه كمحاولة وجهد دؤوبين لتجنب الوقوع في مصيدة التشفّي والانتقام، والعمل على إيجاد الأرضيات المشتركة (كالوطن الواحد) واللغة الحوارية المناسبة، التي تمكن من إنجاز نوع من العدالة التصالحية والعقاب المناسب مع الجرم. وفي الوقت نفسه، يستشرق هذا الجهد مستقبلًا مختلفًا، يطوي صفحة الكراهية والإقصاء وتسفيه الآخر والتعالي عليه.

وهذه جراحة مجتمعية تتجاوز الأفراد المعنيين إلى كونها طريقًا يتقطر دمعًا وألمًا، ولا يتأتّى بدون مكاشفة مجتمعية بإشراف مؤسسات السلطة والمجتمع المدني، سواء في سبيل لحمة وطنية ومجتمعية تتيح المضي إلى الأمام، وتعطي إضاءة للمجتمع وقيادته عن الأسباب التي تقود بعض المجموعات والأفراد لارتكاب أنواعٍ غير مسبوقة من العنف، لا يمكن تفسيرها دون الاستماع لمرتكبيها، ما يشكل ضمانة لديمومة أي مقاربات للحلول.

جانب آخر من تشابكات العفو وتحقيق العدالة يتمحور حول المؤسسات المنوط بها منع حدوث الجرائم، وهي دائمًا مؤسسات ذات طبيعة أمنية وعسكرية وقانونية، من صميم مهامها منع حدوث الجرائم وحماية المجتمعات

نقطة التوازن بين شأن الفرد والمجتمع والدولة

بما أنه ليس بالضرورة أن تكون العدالة والعفو قيمتين تلغي إحداهما الأخرى، بل إن الاثنتين معًا ضروريتان لتحقيق السلم، لذا يبدو من غير المعقول تقبل فكرة العفو المطلق والمضي إلى الأمام بدون الاعتراف بالمظالم، واستعداد مرتكبيها لصِيَغ متفق عليها من العقاب.

إعلان

وأيضًا يبدو من المناسب اعتبار العفو فضيلة فردية قد تناسب البعض باعتبارها مخرجًا أخلاقيًا يأخذ في الاعتبار الحالة النفسية للضحية، ويعلي من أهمية عدم الارتهان سايكولوجيًا لقيم الكراهية وحب الانتقام. وفي المقابل، فإن تحقيق العدالة هو من شأن الدولة والمجتمع.

جانب آخر من تشابكات العفو وتحقيق العدالة يتمحور حول المؤسسات المنوط بها منع حدوث الجرائم، وهي دائمًا مؤسسات ذات طبيعة أمنية وعسكرية وقانونية، من صميم مهامها منع حدوث الجرائم وحماية المجتمعات. من المفيد أن تقوم هذه المؤسسات بالمراجعات اللازمة التي تتيح المحاسبة الداخلية وتحديد المسؤوليات، الفردي منها والمؤسسي.

هناك نزاعات كثيرة تركت أثرًا غائرًا على مجتمعات بكاملها، وفي بعضها امتد ذلك الأثر لأكثر من جيل. هذه المجتمعات دائمًا تجد صعوبة في تقبل أي مقاربات وسطية في سبيل المضي قدمًا إلى الأمام وعدم النظر إلى الماضي وذكرياته الأليمة.

تحتج هذه المجتمعات دائمًا بأن المقاربات الوسطية لا تحقق السلم والتعافي، ودائمًا ما تترك أثرًا في غاية السلبية، خاصة إذا كانت مجتمعات الضحايا ومرتكبي الجرائم ما زالت تعيش بعضها إلى جانب بعض. وهو ما يتطلب تدخلًا على مستوى السلطة؛ لإيجاد مقاربات تتيح إعادة هندسة هذه المجتمعات حتى لا تعيد الأزمة إنتاج نفسها، لا في الأجل القريب ولا في الأجل البعيد.

بالرغم من الفظاعات المرتكبة خلال هذه النزاعات، وجدت مجتمعات عديدة طريقها نحو السلم المجتمعي، والانطلاق لما فيه مصلحة الجميع في عملية بناء هرمي، تتحسس الخير الإنساني كقاسم مشترك عند الجميع، وتهدف إلى إعادة بناء المجتمع

ختامًا..

تتمظهر شعوريًا ولاشعوريًا حالة تمثل مزيجًا من الأحاسيس في مجتمعات ما بعد الحروب والعنف، وتتبدَّى كطيف من الحزن والأسى والآلام النفسية والغضب والبحث عن العدالة والرغبة في الانتقام، ولربما عجزت مخيلة البعض عن الإتيان بأحرف تصف ما وراء تعابير الأوجه المثقلة بالألم والأعين المثخنة بالجراح.

وبالرغم من الفظاعات المرتكبة خلال هذه النزاعات، وجدت مجتمعات عديدة طريقها نحو السلم المجتمعي، والانطلاق لما فيه مصلحة الجميع في عملية بناء هرمي، تتحسس الخير الإنساني كقاسم مشترك عند الجميع، وتهدف إلى إعادة بناء المجتمع، وتقودها معانٍ تمثل وقودها الذاتي، كالاعتراف بالجرائم والاعتذار الشخصي والمؤسسي وتبني مبدأ العقاب من جانب، وتأخذ في ثناياها في الجانب الآخر الرغبة في العدالة والجنوح للعفو وإثبات بشرية الجاني، وربما التعامل معه كضحية يقف على الجانب الآخر من المعادلة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان