ميثاق الأمم المتحدة وفلسطين في ظل الاحتلال الإسرائيلي

العلم الفلسطيني أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
  • انتهاك المواثيق الدولية من قبل دولة الاحتلال

جاء تأسيس الكيان المحتل عام 1948 كأول تمرد صريح على النظام العالمي الجديد، الذي سعت اتفاقية "بريتون وودز" (1945) لتكريسه عبر إنشاء ميثاق الأمم المتحدة، وإعادة تنظيم العلاقات الدولية بقيادة الولايات المتحدة.

دعمت فرنسا هذا التوجه، بعد أن أوفت بريطانيا بوعدها في "إعلان بلفور"، الذي مكّن الحركة الصهيونية من إقامة وطن قومي لليهود على الأراضي الفلسطينية.

وكان من أوائل ما تم انتهاكه بوضوح المادة الأولى، والفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنص على احترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وحتى إن اعتُبر أن فلسطين كانت تحت الانتداب البريطاني، فإن ذلك لا ينفي حق شعبها في تقرير مصيره، وهو الحق الذي أُجهض بالقوة.

كما خالفت إسرائيل اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والتي تحظر نقل السكان المدنيين قسرًا من الأراضي المحتلة، حيث ما زالت تمارس سياسة الاستيطان والتهجير القسري للفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم أن الاتفاقية موقعة من 196 دولة.

وفي العام نفسه، تم توقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي تضمن حق الإنسان في التنقل والتملك، والحق في مستوى معيشي مناسب (المادة 25)، لكن الواقع في غزة يبيّن حصارًا وتجويعًا وإبادة جماعية لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلًا.

كما تنتهك إسرائيل اتفاقية حقوق الطفل عبر الاعتقالات العشوائية، والتجويع، والاستهداف المباشر للأطفال.

مع تغير موازين القوى، أصبحت الولايات المتحدة الحامي الرئيسي للكيان المحتل، للحفاظ على نفوذها الجيوسياسي، ولتحقيق توازن في مواجهة تحالفات مثل روسيا- إيران- الصين

الدعم الغربي لإسرائيل.. الخلفيات والأسباب

  • الخلفية التاريخية والدينية:

بعد الهولوكوست، تشكّل شعور غربي جماعي بالذنب، استغلته الحركة الصهيونية سياسيًّا وإعلاميًّا لتحقيق مكاسب إستراتيجية. كان وعد بلفور (1917) نواة الدعم البريطاني الرسمي للمشروع الصهيوني، مدعومًا بإيمان ديني بين تيارات من المسيحية الغربية ترى أن عودة اليهود إلى "أرض الميعاد" هي مقدمة ضرورية لتحقيق نبوءات دينية، مثل معركة "هرمجدون" وعودة المسيح، وهو ما جعل الدعم لإسرائيل غير مشروط في نظر بعض التيارات الإنجيلية المتشددة.

إعلان
  • الخلفية الإستراتيجية:

رأت بريطانيا -ثم أميركا لاحقًا- في فلسطين موقعًا إستراتيجيًّا حساسًا يتحكم في قلب العالم الإسلامي؛ فزرع كيان وظيفي في هذا الموقع يهدف لمنع توحد شعوب المنطقة، وتعطيل التواصل بين آسيا وأفريقيا الإسلامية، وقطع الطريق على مشروع النهضة الإسلامي أو العربي.

ومع تغير موازين القوى، أصبحت الولايات المتحدة الحامي الرئيسي للكيان المحتل، للحفاظ على نفوذها الجيوسياسي، ولتحقيق توازن في مواجهة تحالفات مثل روسيا- إيران- الصين. وقد ساعد هذا التوجه على تثبيت إسرائيل كحليف دائم وفاعل في المنطقة، يخدم مصالح الغرب الاقتصادية والسياسية.

  • تأثير اللوبي الصهيوني:

لعبت منظمة "AIPAC" (لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية) دورًا كبيرًا في توجيه السياسة الخارجية الأميركية لصالح إسرائيل، من خلال تمويل الحملات الانتخابية، والتأثير على المشرّعين، والسيطرة على قطاعات الإعلام والاقتصاد، ما جعل قرارات الإدارة الأميركية في الغالب خاضعة للرؤية الصهيونية.

أبرز مظاهر الدعم والانتهاك الغربي

تجلّى الدعم الغربي لإسرائيل في عدة محطات بارزة، منها:

  • نقل السفارة الأميركية إلى القدس عام 2018، في تجاهل صارخ للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن.
  • العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة (2021–2024)، والذي تميز باستخدام مفرط للقوة ضد المدنيين، تحت غطاء "الدفاع عن النفس"، وسط صمت غربي مريب.
  • استخدام الفيتو الأميركي أكثر من 40 مرة في مجلس الأمن؛ لمنع صدور قرارات تدين إسرائيل أو تطالب بوقف العدوان.
  • مخالفة قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2334 (2016)، الذي يؤكد عدم شرعية المستوطنات في الأراضي المحتلة.

يمثل واقع فلسطين اليوم فشلًا واضحًا للمجتمع الدولي في تطبيق مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة؛ كما يكشف عن ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع قضايا الاحتلال والعدالة

الموقف العربي.. الواقع والتقصير

شهد الموقف العربي الرسمي تراجعًا واضحًا بسبب:

  • الانقسام السياسي، والصراعات الإقليمية التي أنهكت الإرادة العربية الموحدة، وتركت فلسطين دون دعم فعّال.
  • التحالفات الفردية والاتفاقيات التطبيعية، وعلى رأسها "اتفاقيات أبراهام"، التي عمّقت الانقسام وأضفت شرعية على وجود الكيان المحتل.
  • الضعف في التحرك الدولي، حيث اقتصرت بعض المبادرات على اللجوء لمحكمة العدل الدولية، دون ضغط سياسي أو قانوني حقيقي.
  • الهوة بين الموقف الشعبي والموقف الرسمي، حيث يظل الشارع العربي داعمًا لفلسطين، بينما تتسم التصريحات الرسمية بالجمود أو التواطؤ أحيانًا.

يمثل واقع فلسطين اليوم فشلًا واضحًا للمجتمع الدولي في تطبيق مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة؛ كما يكشف عن ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع قضايا الاحتلال والعدالة.

وبينما يتم قمع الشعوب باسم الأمن و"مكافحة الإرهاب"، يستمر دعم كيان يمارس الاستيطان والقتل الجماعي، في وقت يغيب فيه الموقف العربي الفعّال، ويُترك الشعب الفلسطيني وحيدًا في مواجهة منظومة استعمارية مدعومة من الغرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان