لم يكن الأمر سهلا. فجأة، ومن دون سابق إنذار، تلقى أحد جيراننا في حي الزيتون اتصالا من ضابط في المخابرات الإسرائيلية يقول فيه: "أخلوا المربع فورا، سيتم شن هجوم قوي على المنطقة بأكملها".
لم تمر سوى دقائق، كنا خلالها نستعد أنا وزوجي وابنتي للذهاب إلى العمل في وقت مبكر، حتى سمعنا صراخ أبناء الحي يعلو في الشارع: "اخرجوا بسرعة… القصف الجوي سيبدأ!".
خرجنا بأرواحنا فقط، وبحقيبة صغيرة جمعت فيها على عجل ما استطعت من ملابس لابنتي حبيبة، التي لم تتجاوز السادسة من عمرها. هرعنا مع سكان الحي نركض في ذعر، وقبل أن نبلغ نهاية الشارع دوى في آذاننا انفجار هائل.. كان القصف قد طال البيت الملاصق لمنزلنا.
بدأ الهجوم الوحشي دون أن يمنحنا حتى عشر دقائق للنجاة. تركنا بيوتنا، أماننا، وذكرياتنا، خرجنا فقط بما يمكن حمله لنستطيع الجري، وحملنا طفلتنا التي لم تستطع مجاراة سرعة الصاروخ الذي باغتنا، موجها صوب من تبقى من حياة قريبة منا.
تركنا خلفنا طعامنا الذي كنا نقتصده بعناية في ظل شح المواد الغذائية وغلاء أسعارها، وسط ندرة السيولة المالية في السوق الغزي وارتفاع العمولة إلى ما يزيد عن خمسين بالمئة.
لم نكن نواجه حربا واحدة، بل حروبا متعددة انهالت علينا دفعة واحدة: حرب الصواريخ، وحرب الجوع، وحرب العملة المهترئة، وحرب تجار الأزمات الذين رفعوا الأسعار بجنون. تركنا كل شيء.. كل ما نملك، لأن أرواحنا وحدها كانت الأثمن، وكانت النجاة بها أولويتنا الوحيدة.
لم نكن وحدنا. كان معنا صغار الحي ونساؤه وشيوخه ورجاله، الجميع يركض مذعورا، يركض بلا وجهة واضحة، لا يعرف أين يذهب، سوى أنه يهرب من موت وشيك. نحن سكان المنطقة الشرقية من قطاع غزة، كنا نسمع دبابات الاحتلال تدوس تراب أرضنا دون هوادة، فيما تتساقط القذائف على البيوت المجاورة، في محاولة ممنهجة لترحيل من تبقى من سكان الحي.
النزوح ليس مجرد كلمة تقال، ولا وصفا يمكن أن يحتمل كل ما تحمله من وجع ومعاناة. النزوح يعني أن تترك بيتك وأمانك، أن تخلع قلبك من بين أضلاعك وتمضي إلى المجهول
لم يتوقف القصف الجوي، لا نهارا ولا ليلا، كنا نرتعب من أصواته، لكننا ـ رغم الرعب ـ آثرنا البقاء في بيوتنا على مواجهة قهر النزوح. حتى طائرات "الكواد كابتر" لم تتركنا، كانت تطلق رصاصاتها على جدران غرفتنا التي كنا ننام فيها، فاضطررنا إلى التراجع والنوم في ممر البيت الضيق تجنبا لمرماها، لكنها لم تتوقف عن التحليق والإزعاج، وكأنها تصر أن تخرجنا من بيوتنا قسرا، مهما كلف الأمر.
لكن سكان المنطقة أبوا أن يرضخوا لذل النزوح، وتمسكنا جميعا بالبقاء، نعيش أنس الجوار ونقاسم بعضنا الخوف والصمود.
كنت كلما ارتجفت لسماع صوت الطائرات، أطل من نافذة بيتنا نحو شرفات الجيران، أبحث بعيني عن (غسيلهم) المعلق؛ كان بالنسبة لي علامة حياة، ودليلا على أنهم ما زالوا هنا، ما زالوا يقاومون الرحيل. كنت أطمئن إذا رأيته يتمايل في الهواء، فأقول في قلبي: نحن ما زلنا معا، وما داموا لم يرحلوا، لن نرحل.
لكن هذا الأمان المؤقت لم يدم، جاء الاتصال المشؤوم، تلاه قصف هائل دمر المنطقة بالكامل، ولم يبقَ خيار لأحد. خرج الجميع على عجل، يفرون بأرواحهم، دون أن يحملوا معهم شيئا من بيوتهم سوى الحسرة والذهول.
دعوني هنا أخبركم عن النزوح، فهو ليس مجرد كلمة تقال، ولا وصفا يمكن أن يحتمل كل ما تحمله من وجع ومعاناة. النزوح هنا يعني أن تترك بيتك وأمانك، أن تخلع قلبك من بين أضلاعك وتمضي، لا إلى مكان آخر، بل إلى المجهول.
هو ليس انتقالا عاديا، بل اقتلاعا للروح من جذورها، وتمزيقا قسريا لمسار حياة كاملة.
في غزة، لم يكن النزوح يوما خيارا، بل كان طوق نجاة مغمسا بالنار، هروبا من موت محقق إلى موت مؤجل، الوجع الأكبر حين تضطر لترك بيتك؛ لا تترك جدرانا وأسقفا، بل تترك عمرك خلفك، زوايا ضحكك، ليالي رمضان الدافئة، وزيارات العيد التي كانت تنثر الفرح في قلبك.
تغلق بابك، وقد لا تعود لفتحه أبدا، تودع فراشك وكأنك تودع الراحة للأبد، ويبدأ النزوح؛ تنزح حاملا رضيعا، ومقعدا، وقطعة خبز مبللة بالحزن، تخرج ولا تعلم هل تعود، أم تمحى دارك من الوجود؟
تمشي بلا مأوى، تتلفت حولك بحثا عن ستر، عن ظل جدار، عن زاوية صغيرة تسترك من نظرات الناس وتخفي دموعك، فالنزوح في غزة ليس مشهدا مؤقتا، بل حالة وجود، تتكرر كلما ضاقت الحياة، واتسعت الغارات.
النزوح في غزة ليس رحلة هروب أو نزهة، بل هو قهر ينهش الأجساد الجائعة بلا رحمة، هو طوابير لا تنتهي أمام المراحيض العامة، حيث تزداد معاناة النازحين يوما بعد يوم، هو جوع يتسلل إلى بطون الأطفال كخنجر بارد، يعصف بحياتهم الصغيرة من الداخل، هو ندرة الأدوية التي تغيب الأمل عن المرضى، بينما الأم تصارع الحمى بكمادات ماء باردة، محاولة أن تخفف عن طفلها العذاب.
في النزوح، يمرض الأطفال بلا دواء، ويحمل كبار السن على الأكتاف إلى ما تبقى من مستشفيات خربتها الحرب، حيث تتلاشى أحيانا معها فرص النجاة.
في الصيف، كانت الحياة داخل الخيمة قطعة من جهنم؛ قماش مهترئ لا يقاوم لهيب الشمس الحارقة التي لفحت وجوهنا وتركت آثارها. وفي الشتاء، كنا نغرق مع فراشنا وملابسنا
في النزوح يهان عزيز القوم في طابور المساعدات، والعامل الذي كان يطعم عشرات، بات يبحث عن فتات، ويلبس الأطفال ما تيسر من تبرعات، بينما يستر الكبار وجعهم بصمت، ومحظوظ من وجد بيتا لأقاربه يستطيعون استقبالهم فيه بترحاب يليق بوجعهم ونزوحهم، لكن الغالبية العظمى يقطنون خياما لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء، هكذا يكون النزوح في غزة: قطعة من جهنم على الأرض.
لم يكن هذا النزوح أول تجربة قاسية نعيشها، فقد سبقه نزوح إجباري قبل إعلان الهدنة التي اخترقها الاحتلال.
في ذلك اليوم، مشينا بلا عنوان، حيث تحيرت أرواحنا وقلوبنا في معرفة المسير، وأنا أرافق طفلتي التي عاشت النزوح القسري لمدة عام ونصف بعيدا عن والدها، حينما طلب المحتل التوجه إلى الجنوب باعتباره الملجأ الآمن. خرجنا بلا شيء، لا نعلم إلى أين نتجه، لكنه كان المكان الذي زعم الاحتلال أنه آمن.
بدأ فصل جديد من حياة النزوح في الجنوب، حيث كنا نشتري أساسيات الحياة ونبحث عن مأوى لنا، كما حال الكثير من أهالي غزة. اضطررنا للعيش في خيمة طوال عام ونصف، تعاقبت علينا فيها فصول السنة صيفا وشتاء.
في الصيف، كانت الحياة داخل الخيمة قطعة من جهنم؛ قماش مهترئ لا يقاوم لهيب الشمس الحارقة التي لفحت وجوهنا وتركت آثارها. وفي الشتاء، كنا نغرق مع فراشنا وملابسنا، نحاول بجهود متواضعة تهيئة الخيمة كي نتمكن من العيش دون أن تغمرنا المياه، وكي نحمي أطفالنا من الغرق في برك الماء البارد.
هذه هي حياة النازحين في الجنوب، الذين ظنوا أن مكانهم الجديد آمن، لكن القصف المتكرر كان يفاجئنا، ويحرق الخيام ومن فيها بلا هوادة.
حتى جاءت الهدنة وتم الاتفاق، وعاد النازحون من الجنوب إلى مناطق سكناهم، فوجدوا غزة مدمرة، لكن أهلها لم يستسلموا. صنعوا من الدمار حياة، وحاولوا السكن في بيوتهم المتضررة، مغلقين ما تهدم منها بأقمشة البلاستيك "الشوادر"، ليحاولوا خلق مأوى وسط الأنقاض، يعيشون فيه بصبر وصمود رغم كل الظروف القاسية، حيث كشفت تقارير أممية أن أكثر من 70% من مباني قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ووفقا لصور الأقمار الصناعية، فإن ما يزيد عن 190 ألف مبنى سوي بالأرض أو لحقت به أضرار جسيمة، بما يشمل منازل ومدارس ومساجد ومستشفيات ومرافق عامة. ولم يقتصر الدمار على الحجر فقط، بل هدم حياة مئات آلاف الأسر، وحول أحياء بأكملها إلى "مدن أشباح" بعدما كانت تضج بالحياة.
وتلك الكارثة العمرانية تتيح لك تخيل مدى صعوبة توفر بيوت للإيجار لمن يزال يمتلك ثمن إيجار بيت، الأمر الذي يدفع النازح إلى خيار الخيمة (الشر الذي لابد منه) في وقتنا الحالي .
شريط من ذكريات النزوح السابقة، التي لم تفارق ذاكرتي يوما، قطعه صراخ النساء والأطفال من حولي، يرددون الكلمة التي باتت الأكثر وجعا في كل مشهد نزوح: "وين نروح؟"
يقف قطاع غزة اليوم على أنقاض أكثر من نصف عمرانه، بينما لا يزال القصف مستمرا، ومشاهد الركام تطبع في ذاكرة أجيال لن تنسى، ورغم ذلك رضي الغزيون وحاولوا بكل ما أوتوا من صبر وإمكانات العودة لشيء ما من حياتهم السابقة، لكن سرعان ما أخل الاحتلال بالاتفاق وشن هجوما جديدا على قطاع غزة بعد شهرَي الهدنة، وعاد القصف والنزوح من شمال قطاع غزة لأقصى جنوبها.
وفي ظل أزمة حبلى بالمجاعة تطال كل بيت في غزة، تقترب حصيلة الشهداء من 60 ألفا، وفق آخر إحصاء رسمي صادر عن وزارة الصحة في القطاع. بلغ عدد القتلى 58 ألفًا و26 شخصا، بينهم 18 ألف طفل و12 ألفا و400 امرأة، إضافة إلى أكثر من ألف مسن ومسنة، فيما سقط 3.853 شهيدا آخرون في الضفة الغربية.
هذه المأساة تمثل واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ النزاعات الحديثة، حيث طالت آثارها النساء والأطفال وكبار السن بلا هوادة.
شريط من ذكريات النزوح السابقة، التي لم تفارق ذاكرتي يوما، قطعه صراخ النساء والأطفال من حولي، يرددون الكلمة التي باتت الأكثر وجعا في كل مشهد نزوح: "وين نروح؟".
هذا الصراخ أعادني إلى اللحظة التي وقفت فيها، أودع بيتي وحارتي من بعيد، قلبي معلق لا يعرف أين المفر، ولا عقلي يستوعب حجم الفقد.
حرفيا، لم يعد لدينا مكان نلجأ إليه. فقد أعلن الاحتلال أن شمال وشرق قطاع غزة مناطق حدودية ومناطق قتال خطيرة، وأطلق عليها ما يسمونه "المنطقة الحمراء"، وكأنهم يسلخون غزة شريحة بعد أخرى، ليضيقوا الخناق على ما تبقى من حياة فيها.
وفي ظل المجاعة الخانقة التي تعصف بسكان غزة، إلى جانب شبح النزوح الجماعي، تتكشف أبعاد كارثة إنسانية غير مسبوقة، إذ يحرم أكثر من 50 ألف طفل رضيع من الرضاعة الطبيعية بسبب نقص التغذية وانعدام الأمن الغذائي
تكدس السكان جميعا في وسط وغرب قطاع غزة، في مشهد يعكس ضيق الجغرافيا واتساع الكارثة. فشمال القطاع بات منطقة مواجهة مستمرة، بينما جرّد جنوبه تماما من الحياة، إذ تحولت مدينة رفح إلى "مدينة أشباح" بعد إفراغها القسري.
أما شرق خان يونس، فقد فصل عن غربها بفعل الاجتياح البري، مما دفع الآلاف إلى التكدس في المنطقة الوسطى من القطاع، والتي تشمل دير البلح، والبريج، والمغازي، والنصيرات. وحتى هذه المناطق لم تنجُ من العدوان، إذ تعرض جنوب دير البلح لهجوم جوي وبري عنيف استمر ليومين، حوّل حياة سكانها إلى جحيم، وخلف دمارا واسعا في الأبنية والبنية التحتية.
وفي ظل المجاعة الخانقة التي تعصف بسكان غزة، إلى جانب شبح النزوح الجماعي، تتكشف أبعاد كارثة إنسانية غير مسبوقة، إذ يحرم أكثر من 50 ألف طفل رضيع من الرضاعة الطبيعية بسبب نقص التغذية وانعدام الأمن الغذائي، في وقت يتعمد فيه الاحتلال الإسرائيلي تشديد الحصار ليشمل التجويع والتعطيش، فيما وصفه رئيس شبكة المنظمات الأهلية بأنه "الوضع الأسوأ في العالم".
وتتصاعد التحذيرات من دخول القطاع مرحلة الخطر من المجاعة، وسط توقعات بحدوث "موت جماعي" يطال بشكل خاص النساء والأطفال، في ظل تزايد مقلق لأعداد حالات سوء التغذية في المراكز الصحية، حيث تقدر أعداد النساء الحوامل اللواتي يعانين من الجوع الحاد وسوء التغذية بنحو 60 ألف امرأة.
بينما توفي 19 شخصا نتيجة الجوع خلال الـ 24 ساعة الماضية، وفي تطور مأساوي يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع ارتفعت حصيلة ضحايا مراكز توزيع المساعدات إلى 1017 شهيدا و6400 مصاب، في دلالة صارخة على حجم الاستهداف المباشر والممنهج للمدنيين الجائعين أثناء محاولاتهم الحصول على الغذاء والنجاة من شبح المجاعة. حسب المدير العام لوزارة الصحة في غزة .
هذه هي حياتنا، نكافح بكل ما فينا من إرادة لنصمد فيها يوما آخر. خرجت ومن بقي حيا من تلك المنطقة تحت نيران القصف الجوي والمدفعي، كل منا سلك طريقا يظن فيه بعض الأمان، رغم أن غزة كلها باتت تحت القصف، تحترق بنيران إبادة جماعية لا مثيل لها.
تعبَت أصواتنا من الصراخ، نناشد من يتغنون بحقوق الحيوان أن يلتفتوا لمن يسحق هنا بجسد عار وأمعاء خاوية، لكنه لا يزال مكللا بالكرامة، مشبعا بحب أرضه. يموت على ترابها ولا يقبل التهجير عنها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

