عاد ممر زنغزور في محافظة سيونيك الأرمينية إلى صدارة سباق إعادة رسم طرق التجارة في القوقاز؛ فقد أعلن رئيس الوزراء نيكول باشينيان أن يريفان «تدرس رسميا» عرضا أميركيا يقضي بإسناد إدارة البنية التحتية للممر إلى شركة أجنبية، بينما أكد الاتحاد الأوروبي استعداده للدخول في الصيغة نفسها.
وبالتوازي، تحدّث الرئيس الأذري إلهام علييف في منتدى شوشا الإعلامي بنبرة حاسمة قائلا إن باكو «ستنفّذ الممر من دون أي تردد» مقدرا طاقته السنوية بخمسة عشر مليون طن.
هذان الموقفان يكشفان أن المسألة تجاوزت مجرد فتح الطرق؛ إذ بات النقاش يدور حول شكل السيادة المستقبلية في القوقاز، وإعادة توزيع النفوذ الإقليمي على طول الحدود الإيرانية- الأرمينية.
باشينيان، الذي يدير بلدا يقلّ عدد سكانه عن ثلاثة ملايين، ويبلغ ناتجه المحلي أقل من 15 مليار دولار، مقتنع بأن استمرار الحصار البري مع تركيا وأذربيجان يحوّل أرمينيا إلى «جزيرة يابسة» لا منفذ لها إلا إيران
باشينيان يستند إلى سوابق يرى أنها لم تمس السيادة: مطار زفارتنوتس الدولي، وسكة حديد القوقاز الجنوبي، وشبكة مياه يريفان، تُدار منذ سنوات بعقود تشغيل أجنبية مع بقاء الملكية للدولة. انطلاقا من ذلك يقترح إنشاء شركة أرمينية خالصة تستقطب رأس المال الغربي، وتشغّل «مفترق السلام» بمهنية، معتبرا أن ربط المشروع بالتمويل الغربي يخفّض المخاطر، ويحرر الموازنة من أعباء ثقيلة، وهو طرح يلقى صدى لدى رأي عام منهك بعد حرب قره باغ 2020.
خصومه الداخليون يذكّرون بأن قانون الأراضي الأرميني يقيّد تأجير الأملاك غير الزراعية للأجانب، وأي تغيير يتطلب تصويت البرلمان، وربما استفتاء شعبيا، وهذا ثمن سياسي باهظ لرئيس الوزراء.
على الضفة الأخرى، يرى علييف أن الممر لا يحقق فقط اتصال أذربيجان بجيب نخجوان وتركيا، بل يمثل أقصر طريق لآسيا الوسطى نحو البحر المتوسط، ويهمش فعليا الدور الإيراني- الروسي في «الممر الأوسط» لمبادرة الحزام والطريق الصينية.
الرئيس الأذري أعلن جاهزية مسوّدة اتفاق سلام، مشترطا حذف مواد دستورية أرمينية تخص «قره باغ» وحلّ مجموعة مينسك نهائيا، وهي شروط تُرغم يريفان على الإقرار الكامل بواقع ما بعد حرب 2020.
باشينيان، الذي يدير بلدا يقلّ عدد سكانه عن ثلاثة ملايين، ويبلغ ناتجه المحلي أقل من 15 مليار دولار، مقتنع بأن استمرار الحصار البري مع تركيا وأذربيجان يحوّل أرمينيا إلى «جزيرة يابسة» لا منفذ لها إلا عبر إيران؛ منفذ يتأثر فورا بأي توتر بين طهران والغرب، فترتفع معه كلفة التأمين والشحن.
بالنسبة إليه، فك العزلة شرط لازم لجذب الاستثمار وخفض هجرة اليد العاملة، حتى لو تطلّب «عملية جراحية مؤلمة» على حد تعبيره. لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الاستجابة لشروط باكو- خاصة تعديل الدستور- قد تفسَّر شعبيا بالاعتراف بهزيمة تاريخية.
هذا الواقع يُغري باكو بتسريع خطواتها، ويمنح واشنطن فرصة تثبيت موطئ قدم، فيما يُبقي الكرملين ورقة التعطيل بيده
دخول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمستثمرين محتملين غيَّر قواعد اللعبة.. واشنطن، الساعية منذ عهد ترامب إلى موطئ قدم في «الممرّ الأوسط» (الخزر- المتوسط)، تعرض امتيازا لمدة مئة عام؛ فيما لا ترغب بروكسل في ترك مشروع بهذا الحجم لشركة أميركية وحدها، فسارعت بعثتها في يريفان إلى إعلان استعداد أوروبي للمشاركة.
هذه الشراكة المزدوجة مغرية ماليا، لكنها ترفع حساسية موسكو وطهران: الكرملين يرى فيها إقصاء سلسا لحرس حدوده، فيما تخشى إيران أن يتحول شريطها الحدودي مع أرمينيا إلى ممر «منزوع السيادة».
طهران حذّرت مرارا من أن أي طريق في سيونيك يجب أن يبقى تحت سيادة يريفان، ورسّخت تحذيرها بمناورات على ضفاف نهر أرس، وإحياء مشروع «ممر أرس» البديل.
وإذا تراءى لها أن زنغزور سيُدار فعليا خارج الرقابة الأرمينية، فلن تتردد في تبنّي سياسة ردع صلبة، ما سيؤخر المشروع ويزيد كلفته. أمّا موسكو المنشغلة بأوكرانيا فتلتزم صمتا حذرا، لكن من غير الوارد أن تتخلى بسهولة عن الرافعة الحدودية الأخيرة لنفوذها في القوقاز.
هذا الواقع يُغري باكو بتسريع خطواتها، ويمنح واشنطن فرصة تثبيت موطئ قدم، فيما يُبقي الكرملين ورقة التعطيل بيده. هكذا يجد باشينيان نفسه بين ثلاثة استحقاقات متعارضة: استقطاب استثمارات ضخمة، والحفاظ على السيادة، وتجنّب استفزاز جارين قويين.
ممر زنغزور ليس مسألة هندسة لوجيستية فحسب، بل هو اختبار لإعادة هندسة القوة في القوقاز الجنوبي؛ سيحدد مستقبل خطوط الأنابيب والسكك الحديدية، وقواعد اللعبة الجيوسياسية بين الشرق والغرب في العقود المقبلة
صيغة «شركة أرمينية بإدارة احترافية غربية» تبدو حلّه الوسط، غير أنها تبقى رهن تعديل تشريعي صعب، وموافقة برلمانية محفوفة بالمخاطر، بينما يستخدم علييف عامل الوقت للضغط عبر التهديد بإجراء أحادي. أي انزلاق ميداني سيستدعي تحركات إيرانية أو روسية، ويدفع المستثمرين الغربيين إلى التراجع، ما يجمّد المشروع حتى توافر ضمانات أمنية مقبولة.
من منظور إيران، الموقف واضح: دعم فتح كل الطرق شرط أن تبقى تحت سيادة الدول، ورفض قاطع لأي ممر خارج سيطرة يريفان، مع تسريع البدائل مثل خط سكة حديد جُلفا- أصلاندوز وربط ممر الشمال- الجنوب بميناء تشابهار.
فممر زنغزور ليس مسألة هندسة لوجيستية فحسب، بل هو اختبار لإعادة هندسة القوة في القوقاز الجنوبي؛ اختبار سيحدد مستقبل خطوط الأنابيب والسكك الحديدية، وقواعد اللعبة الجيوسياسية بين الشرق والغرب في العقود المقبلة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

