نظم مهرجان "خنت" البلجيكي فعالية استثنائية تحت عنوان "J accuse" (أنا أتهم)؛ لكسر الصمت الأوروبي حول ما وصفه المشاركون بالإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، في خطوة تهدف إلى مساءلة الحكومات الأوروبية عن تواطئها في الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
واستلهمت الفعالية عنوانها من رواية الكاتب الفرنسي إميل زولا الشهيرة 1898، التي دافع فيها عن العدالة، ودعا إلى كسر حاجز الصمت لتحقيق الإنصاف.
هذا، وكانت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة قد أعلنت، يوم الاثنين 21 يوليو/ تموز، استشهاد ما لا يقل عن ألف شخص، وإصابة 6 آلاف و500 آخرين، أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات في غزة، وذلك منذ أواخر مايو/ أيار الماضي.
لا خلاف أن "التجويع المتعمد"، بات سياسة إسرائيلية، تهدف إلى فرض المزيد من الضغط على حماس للذهاب نحو استسلام. هذا ما أفصح عنه رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال شرطه لوقف حربه
ووفقا للأمم المتحدة، فإن معظم الإصابات وقعت أثناء توجه الفلسطينيين إلى مواقع التوزيع التي تديرها مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) المثيرة للجدل، والمدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة، والتي بدأت عملها في 27 من الشهر نفسه.
كشفت حرب التجويع التي تقودها إسرائيل على قطاع غزة عن حالة الانفصام التي يعيشها المجتمع الأوروبي بين حكوماته ورأيه العام؛ حيث باتت تترسخ "هوة" كبيرة في الممارسات.
ففي حين لم تزل الحكومات تلعب دور الشاهد الصامت، وأحيانا المساعد لإسرائيل في استكمال عدوانها على القطاع، تشهد شوارعها تحركات شعبية منددة، تمارس طرقا إبداعية في التعبير عن حالة رفض الخنوع لإسرائيل، والتعامي عن تلك المجاعة التي تعتبر الأسوأ في عصرنا الحالي، آخذين بنصيحة الكاتب زولا.
لا خلاف أن "التجويع المتعمد"، بات سياسة إسرائيلية، تهدف إلى فرض المزيد من الضغط على حركة حماس للذهاب نحو استسلام. هذا ما أفصح عنه رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال شرطه لوقف حربه.. تسليم حركة حماس السلاح، ومغادرة القطاع.
يدرك نتنياهو أن هذا المطلب بعيد المنال، لا سيما أن حماس هي حركة مقاومة منبثقة من إرادة شعب يسعى إلى التحرير، والتحرر من ممارسة العدو الذي لم يكتفِ باحتلال أرضه، بل ها هو اليوم يعمل على تجويعه حتى الموت.
في الشكل، هو مطلب استسلام، ولكنه في المضمون يتخطى قطاع غزة، ليشمل المشروع الأكبر الهادف إلى تهجير قسري لسكان غزة، للاستيلاء عليها وتحويلها إلى "ريفييرا الشرق"، كما صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مرة.
إسرائيل ماضية قدما نحو تحقيق هذه المدينة، حيث جدد الجيش الإسرائيلي، يوم الثلاثاء 15 يوليو/ تموز، إنذاره للفلسطينيين بالإخلاء الفوري لأحياء بمحافظتي غزة والشمال، وسط مواصلته حرب الإبادة الجماعية ومخططات التهجير
لا يبدو أن الأحداث في غزة تسير عن طريق الصدفة، بقدر ما تحمل في الخبايا مشروعا مرسومة خطواته، وما حذر منه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود أولمرت، يصبّ في هذه الخانة.
ففي حديث لصحيفة "غارديان" البريطانية، الأحد 13 يوليو/ تموز الجاري، اعتبر أولمرت أن "المدينة الإنسانية" المخطط إنشاؤها داخل غزة، والتي تهدف إلى استيعاب مئات الآلاف من الفلسطينيين، ستكون "معسكر اعتقال".
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد قال في 12 يوليو/ تموز الجاري، إنه كلف الجيش بالمضي قدما في خطط بشأن تلك المنطقة، التي ستضم جميع سكان غزة، وبمجرد دخول الفلسطينيين إليها، لن يسمح لهم بمغادرتها.. عندها يبدأ العمل بتنفيذ خطة لتهجير الفلسطينيين من القطاع.
إسرائيل ماضية قدما نحو تحقيق هذه المدينة، حيث جدد الجيش الإسرائيلي، يوم الثلاثاء 15 يوليو/ تموز، إنذاره للفلسطينيين بالإخلاء الفوري لأحياء بمحافظتي غزة والشمال، وسط مواصلته حرب الإبادة الجماعية ومخططات التهجير منذ أكثر من 21 شهرا.
وها هي تسعى لتسويقه دبلوماسيّا؛ فالتموضع الذي عرضه الوفد الإسرائيلي في المفاوضات الأخيرة على الجانب المصري هو لهذه الغاية، على أن تبقى كل مدينة رفح جنوبي قطاع غزة تحت الاحتلال.
الرفض المصري المخطط الإسرائيلي مطلوب، لكنه لا ينقذ الفلسطيني الذي يموت جوعا داخل بلده؛ حيث لا استسلامَ فلسطينيا، فهذه قضيته، وهو يقاتل لأجل البقاء والوجود
وقد أشار إلى أن الخريطة تمهّد لتطبيق خطة التهجير، بجعل رفح منطقة تركيز للنازحين، لتهجيرهم إلى مصر أو عبر البحر. وبحسب بعض المصادر، فإن الخريطة تأخذ من قطاع غزة مسافة عميقة على طول حدود القطاع، تصل في بعض المناطق إلى 3 كيلومترات، وتضم أجزاء واسعة من مدينة بيت لاهيا، وقرية أم الصر، ومعظم بيت حانون، وكل خزاعة.
أعلنت مصر رسميّا رفضها القاطع الخطة الإسرائيلية، مشددة خلال بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية على رفض أي تغيير ديمغرافي في الأراضي الفلسطينية، وذكرت وزارة الخارجية المصرية أن اتصالا، جرى بين الوزير بدر عبدالعاطي والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، تناول "الجهود المكثفة المبذولة حاليا للتوصل إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والعمل على استدامته، وبما يدفع باتجاه إطلاق سراح مجموعة من المحتجزين الأسرى، مقابل وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات بدون عوائق وبشكل كافٍ، في ظل الأوضاع الكارثية في القطاع.
الرفض المصري المخطط الإسرائيلي مطلوب، لكنه لا ينقذ الفلسطيني الذي يموت جوعا داخل بلده؛ حيث لا استسلامَ فلسطينيا، فهذه قضيته، وهو يقاتل لأجل البقاء والوجود، ويسعى كي لا تتكرر تجربة النكبة التي حصلت 1948، عندما هجّرت عصابات صهيونية- على رأسها "الهاغانا"- السكان الأصليين إلى دول الجوار.
هذا ما يعمل نتنياهو اليوم على تكريسه من أجل فرض أمر واقع في القطاع، وما المدينة الإنسانية التي يتحدث عنها سوى مكان لانتظار الرحيل والتهجير القسري.
لا سبيل أمام الفلسطيني سوى المقاومة، ولكن الداعم لهذه القضية لديه الكثير من الأعمال لإسناد غزة، وإسقاط المشروع الصهيوني للمنطقة، على رأس ذلك تفعيل الاحتجاجات الشعبية
لن يتوقف نتنياهو عن السير في مخطط رسمته الإدارة الأميركية، وها هو ينفذه، إذ لا مجال للتراجع؛ فالمخطط يهدف إلى رسم الممرات التجارية وتغيير في وجه المنطقة.
وإن الحالة الاستغرابية التي تحدث عنها البيت الأبيض، والتي ظهرت على وجه ترامب عندما أُخبر عن الضربات الإسرائيلية في سوريا في ظلّ أحداث السويداء، دليل على أن نتنياهو خرج عما هو مخطط له، وعمل لتنفيذ أجندة ترتبط بمصالح بلاده لتمرير ممر داود.
لا سبيل أمام الفلسطيني سوى المقاومة، ولكن الداعم لهذه القضية لديه الكثير من الأعمال لإسناد غزة، وإسقاط المشروع الصهيوني للمنطقة، على رأس ذلك تفعيل الاحتجاجات الشعبية، ومقاطعة الشركات الداعمة للكيان، والتأثير دبلوماسيّا لإظهار حقيقة الكيان المجرم، ووضع حد لجنون نتنياهو.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

