قبل أكثر من 4 أشهر، أغلقت المعابر لِتفتح أبواب المجاعة! لم يكن مجرد إعلان عابر، بل كان حكما بالموت البطيء، حيث أصبح سلاح التجويع هو سيد الموقف، وصوت قرقرة البطون الخاوية هو النشيد الرسمي لهذه المدينة المعذّبة.
وفي كل صباح، تستيقظ في جسدي آلام متجددة في الظهر والبطن والرأس، أكاد أجزم أنها البصمات التي حفرتها المجاعة على جسدي. وربما أضحى الواقع اليومي بسبب الجوع أشد قسوة حين تجتاحني موجات الصداع النصفي العنيفة؛ فتكبّلني عن ممارسة حياتي اليومية، ولعلها جعلتني أسيرة المسكنات. بتّ أراقبها بخوف وهي تتناقص، لأن نفادها يعني حكما عليّ بمواجهة عذابي وحيدة، بلا درع يحميني من هذا الوحش الذي يسكن رأسي.
في حضرة المجاعة، أصبحت أخاف أن أهاتف والدي لأطمئن عليه.. ماذا عساي أقول له؟ وكيف يمكن لكلماتي أن تواسيه، وآهات جوع إخوتي الصغار كالسياط تلهب جسده الهزيل الذي ما زال يصارع الحياة
ومن عمق ألمي هذا، أنظر حولي لأرى أوجاعا أعظم.. كم من المرارة تجرّعت وأنا أراقب طفليّ الصغيرين، وقد تحولت براءتهما إلى صراع على فتات خبز يابس، كانت تلك حصتي التي آثرتهما بها على نفسي! كنت أنظر إليهما، والألم لا يعتصر قلبي فحسب، بل يمزّق روحي، وأنا العاجزة عن توفير أبسط حقوق الحياة لهما؛ فلقد بتنا نقتسم حصصا من الطعام لو جمعت لما أشبعت فردا واحدا في وجبة عادية، نوزعها على أيامنا كأننا نوزع جرعات شحيحة من الحياة.
نعم، لقد تلاشت كل أحلامنا، وبقي حلم واحد، سيد كل الأحلام: رغيف خبز يسد الجوع! لم يكن هذا حلمنا وحدنا، بل هو لحن المدينة الحزين؛ ففي عيادة الأطفال، حيث ينتظر الجميع فرصة نجاة لأبنائهم، همست لي امرأة بنبرة متعبة: "لا أذكر آخر مرة شعرت فيها بالشبع، الجوع يلازمني طوال الوقت". كانت كلماتها مرآة لحالي، أو صرخة مكتومة تعبر عن واقعنا جميعا، فالجوع قد أصبح شبحا يلاحقنا في صحونا ومنامنا.
في حضرة المجاعة، أصبحت أخاف أن أهاتف والدي لأطمئن عليه.. ماذا عساي أقول له؟ وكيف يمكن لكلماتي أن تواسيه، وآهات جوع إخوتي الصغار كالسياط تلهب جسده الهزيل الذي ما زال يصارع الحياة، فلا تسعفني الكلمات للحديث معه، لأني أجد نفسي مكبلة اليدين، عاجزة عن انتشاله أو انتشال إخوتي من بئر المجاعة السحيق، لأني ببساطة.. غارقة معهم في ذات البئر.
في زمن المجاعة تبدلت معايير الفخر، فبعد أن كنت أحتفي بابني لتفوقه في دراسته، أصبحت اليوم أهتف له بطلا حين ينجح في مطاردة "سيارة مياه حلوة" ويملأ لنا وعاء، أو حين يعود بوجبة طعام من إحدى التكايا
وتزيد أختي سمية، الحامل في شهرها السابع، من ثقل المشهد؛ تحدثني عن ثقل الحمل المزدوج: ثقل جنينها في أحشائها، وثقل المجاعة على روحها وجسدها الذي لم يعد يقوى على السير.
وفيما كنت أسير في شوارع المدينة، يجرّني جسدي المثقل، اخترقت مسامعي محادثة بين شابين، قال أحدهما لصاحبه: "هذه الشاحنات تحمل حصتنا، ومن حقنا أن نأخذها ولو بالقوة، هذه ليست سرقة، هذا حقي". فأجابه الآخر بحماس: "إذن، غدا سننتظر الشاحنات، لكن أحضر معك الموسى"؛ كان حديثهما كأنه صك غفران يمنح تحت ضغط الحاجة.
أدركت حينها أنّ التجويع لم يكن يهدف إلى تجويع أجسادنا فقط، بل كان يرمي إلى دفعنا قسرا إلى شريعة الغاب! وبكل تأكيد، ليجعلوا من ادعاءاتهم بأنهم "يحاربون البربرية باسم الحضارة" حقيقة نصنعها بأيدينا.
في زمن المجاعة تبدلت معايير الفخر، فبعد أن كنت أحتفي بابني لتفوقه في دراسته، أصبحت اليوم أهتف له بطلا حين ينجح في مطاردة "سيارة مياه حلوة" ويملأ لنا وعاء، أو حين يعود بوجبة طعام من إحدى التكايا، وآخرون يهللون لابنهم إذا استطاع الهجوم على شاحنة مساعدات وعاد لهم بكيس طحين.
كأن المقاييس المجتمعية تبدلت؛ فالبقاء لم يعد للأصلح، بل لمن يجيد القتال من أجل كسرة خبز أو شربة ماء!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

