في الجزء الأول من المقال، استعرضنا واقع التحديات التي تواجه ترامب في الغرب (داخل الولايات المتحدة، وفي أوروبا).. لكن، ماذا عن الشرق؟
برزت إسرائيل كحلٍّ مثالي للغرب، وللولايات المتحدة الأميركية التي تبنّتها بالكامل، وليس المجال هنا للخوض في تفاصيل قيامها، فقد وُلدت إسرائيل في محيط جغرافي وديمغرافي معادٍ، ما عزز حاجتها المستمرة للحماية، وقدمت لها واشنطن هذا الغطاء بسخاء
الشرق كمصنع والغرب كمركز قرار
لضمان استمرار تفوقها، دعمت أميركا قيام نمط اقتصادي عالمي جديد، يحتاج إلى طاقة من الشرق الأوسط، وصناعة منخفضة التكلفة من شرقي آسيا. وضمن هذا النظام، احتفظت الولايات المتحدة لنفسها بالموقع التكنولوجي والإداري والمالي، مما أبقى على هيمنتها المركزية.
أدى هذا الترتيب إلى اعتماد عالمي على منظومة تقودها واشنطن، واستخدمت فيه مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية كأذرع ناعمة لترسيخ النفوذ. لاحقًا، لعبت دول كاليابان، وكوريا الجنوبية، دورًا في تحقيق توازن صناعي يخدم الرؤية الأميركية الشاملة، بينما بقي الشرق الأوسط مركزًا للطاقة، وميدانًا دائمًا للصراعات التي تضمن الحاجة إلى الهيمنة الغربية.
الشرق الأوسط مصدر الطاقة
منذ تفكك الإمبراطورية العثمانية، بُنيت الدول الحديثة في الشرق الأوسط على أساس جغرافي هش، ودون خبرة حقيقية في إدارة الدولة الحديثة. لم تكن المنطقة تمثل تهديدًا مباشرًا للغرب في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكنها سرعان ما تحولت إلى رقعة إستراتيجية لا غنى عنها بعد اكتشاف النفط، وأصبح الشرق الأوسط مركزًا حيويًّا للطاقة التي يتطلبها النظام العالمي الجديد.
من هنا، نشأ صراع غير مباشر على النفوذ، لعبت فيه أميركا دور الراعي الذي يوفّر الحماية مقابل الولاء، واتبعت سياسة العصا والجزرة. فقد تبنت دول الخليج الثرية والضعيفة سكانيًّا وعسكريًّا خيار التحالف مع الولايات المتحدة، وتلقّت في المقابل ضمانات أمنية واقتصادية، في ظل حاجتها للحماية من أطراف إقليمية طامعة.
ظهرت في هذه البيئة الحاجة الدائمة لـ"فزاعة" تبرر الوجود العسكري والسياسي الأميركي، سواء كانت هذه الفزاعة مصطنعة أو ناتجة عن طموحات إقليمية حقيقية؛ فبرز صدام حسين ثم النظام الإيراني كخصمين يخدمان هذا التوازن. أما إسرائيل، فكانت العنصر الثابت في هذه المعادلة، فهي الحليف الأوثق والأكثر حاجة للدعم الغربي، وتقوم بدور هندسة الصراع في المنطقة.
ومع الوقت، ومع تراكم ثروات وخبرات بعض دول المنطقة من خلال الاستثمار في الطاقة والاقتصاد العالمي، بدأت هذه الدول- مثل الإمارات والسعودية وتركيا وقطر- تطمح للعب أدوار سياسية تتناسب مع مكانتها الاقتصادية.
هذه الدول تسعى اليوم إلى إعادة صياغة مكانتها في المعادلة الدولية، وهو ما يدفع واشنطن لإعادة تقييم العلاقة معها.. لم تعد هذه الدول راضية بدور الحليف الصامت، بل باتت تمتلك أدوات ضغط وخيارات إستراتيجية قد تبعدها جزئيًّا عن العباءة الأميركية.
وبما أن السياسة لا تعترف بالتنازلات المجانية، فإن واشنطن تحاول توظيف هذه الطموحات لإعادة بناء نفوذها، من خلال تحفيز تنافس محسوب بين القوى الصاعدة في المنطقة، وطرد قوى أخرى منافسة كروسيا، واحتواء إيران بعد أن أصبحت كلفة الاعتماد على فزاعة طهران مرتفعة وغير مجدية في ظل تغيرات توازن القوى.
تحاول أميركا اليوم أن تستبدل بسياسة "الحماية" سياسة "إدارة التنافس" بين هذه الدول، لضمان بقائها فاعلًا محوريًّا في تشكيل الشرق الأوسط، حيث يتم التحكم في ميزان القوى من الداخل بدلًا من فرض السيطرة المباشرة.
تبقى إسرائيل في قلب التخطيط الإستراتيجي الغربي كأداة ضرورية لإخضاع الشرق الأوسط، ليس فقط عبر الردع العسكري، بل كوسيلة هندسة دائمة للصراع، في منطقة هي الأكثر حيوية على الخريطة الجيوسياسية العالمية
إسرائيل: أداة هندسة الصراع
برزت إسرائيل كحلٍّ مثالي للغرب، وللولايات المتحدة الأميركية التي تبنّتها بالكامل، وليس المجال هنا للخوض في تفاصيل قيامها، فقد وُلدت إسرائيل في محيط جغرافي وديمغرافي معادٍ، ما عزز حاجتها المستمرة للحماية، وقدمت لها واشنطن هذا الغطاء بسخاء.
تغذّت هذه الدولة على الخوف، وتحولت إلى قاعدة عسكرية مقنّعة، تلعب أدوارًا إستراتيجية معقدة: استنزافًا دائمًا للمنطقة، منع نشوء أي قوة موازية، وتوفير ذريعة دائمة للوجود العسكري والسياسي الغربي.
ومع تعاظم أهمية الشرق الأوسط في النظام العالمي الجديد، زادت الحاجة إلى أدوات تحكم متقدمة، وكانت إسرائيل هي الأكثر فاعلية.. لم تكن مجرد حليف، بل عنصر ضغط مستمر، ورافعة لإستراتيجيات التفتيت والسيطرة. علاقتها المتوترة مع الشعوب المحيطة بها ساعدت على تعطيل إمكانات الوحدة أو النهوض الذاتي في المنطقة، خاصةً أن معظم سكان المنطقة من المسلمين، الذين ما زالوا يستحضرون تاريخ الهيمنة الغربية المسيحية على العالم الإسلامي.
استثمرت إسرائيل بذكاء في هذا التوتر، لتبقى في موقع القاعدة المتقدمة التي تثير دائمًا ردود فعل شعبية، كما في كل تصعيد ضد الفلسطينيين، مما يؤدي إلى تشتيت الرأي العام والجهد السياسي في المنطقة.
إنها ليست فقط أداة سيطرة، بل أداة استنزاف ذكية تُفرغ المنطقة من فرصتها في التحول إلى قوة اقتصادية أو سياسية كبرى، رغم تدفّق موارد الطاقة فيها.
وهكذا، تبقى إسرائيل في قلب التخطيط الإستراتيجي الغربي كأداة ضرورية لإخضاع الشرق الأوسط، ليس فقط عبر الردع العسكري، بل كوسيلة هندسة دائمة للصراع، في منطقة هي الأكثر حيوية على الخريطة الجيوسياسية العالمية.
عندما اعترفت الولايات المتحدة بجمهورية الصين الشعبية 1979، لم تتخلَّ واشنطن عن تايوان بشكل كامل، رغم التخلي عن الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بجمهورية الصين في تايوان
الصين كنموذج جديد ومنافس إستراتيجي للولايات المتحدة
لقد أثبت النموذج الصيني قدرته على تحقيق التنمية الاقتصادية السريعة والفعالة، دون الحاجة إلى تبني الديمقراطية الغربية. هذا الطرح يُمثل تحديًا جوهريًّا للأسس الفكرية والسياسية التي قامت عليها الهيمنة الغربية، لأنه يُقوّض الثقة بأن الرأسمالية والازدهار مرتبطان حتمًا بالنموذج الديمقراطي الليبرالي. الصين بهذا تُقدم بديلًا مغريًا للعديد من الدول النامية التي تسعى إلى التطور السريع دون الخضوع لتكاليف التحول الديمقراطي.
فببراعتها في استغلال حاجة الرأسمالية العالمية إلى التكاليف المنخفضة، أصبحت الصين اليوم اللاعب الأكثر تهديدًا للمكانة الأميركية؛ فهي لا تنافس الولايات المتحدة من خارج النظام العالمي، كما فعل الاتحاد السوفياتي سابقًا، بل من داخله، مُسخّرة آلياته لتحقيق صعودها الخاص.
والأخطر من ذلك، أن الصين قد تحولت من مجرد "مصنع العالم" إلى منافس جاد في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والابتكار الرقمي، مما يُزعزع التفوق التاريخي للولايات المتحدة في هذه الميادين، وهذا يشكل خطرًا كبيرًا على الهيمنة الغربية الأميركية على العالم ككل، وليس فقط على المجالات الاقتصادية أو التقنية المحددة.
وهي لا تستنزف نفسها في الحروب والصراعات العسكرية المباشرة. بدلاً من ذلك، تُراكم قوتها بهدوء عبر النمو الاقتصادي، ومبادرات مثل "الحزام والطريق"، وبناء شبكة واسعة من الشراكات العالمية التي تمتد إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية، مؤسسة بذلك لنظام عالمي موازٍ ونفوذ متنامٍ.
بما أن الصين تمثل المنافس الحقيقي والأكثر جدية في الصراع العالمي على الهيمنة، فإن الولايات المتحدة تسعى على الأرجح إلى حسم الصراعات في مناطق أخرى قبل خوض هذه المعركة الكبرى في تايوان
تايوان: ورقة إستراتيجية أميركية في صراع الهيمنة
عندما اعترفت الولايات المتحدة بجمهورية الصين الشعبية 1979، لم تتخلَّ واشنطن عن تايوان بشكل كامل، رغم التخلي عن الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بجمهورية الصين في تايوان. على العكس، فقد أسس "قانون العلاقات مع تايوان" أرضيةً لعلاقات غير رسمية قوية، ودعمًا دفاعيًّا مستمرًّا لتايوان.
هذا القرار، الذي جاء في سياق الحرب الباردة، كان يهدف في المقام الأول إلى استغلال الانقسام الصيني- السوفياتي والتقارب مع الصين لمواجهة الاتحاد السوفياتي.
لكن في الوقت نفسه، احتفظت الولايات المتحدة بـ"ورقة تايوان" لخدمة أهداف إستراتيجية مستقبلية. تُدرك واشنطن جيدًا حجم الإمكانات التي تتمتع بها الصين كقوة صاعدة في منطقة حيوية للمصالح الأميركية. هنا، نجد أنفسنا أمام وضع يمكن مقارنته- من حيث المبدأ على الأقل -بوضع إسرائيل في الشرق الأوسط؛ فتايوان- التي تتمتع بنظام يشبه الغرب- تشعر بتهديد مستمر من الصين، وهذا يضعها كـ"ورقة ضغط" أو "كرت إستراتيجي حيوي" بيد الولايات المتحدة.
تسمح هذه الورقة لواشنطن بالحفاظ على نفوذها في منطقة المحيطين؛ الهندي والهادئ، وردع أي عدوان صيني محتمل، والتأثير على سلوك بكين في قضايا أوسع.
كما أنها تمثل نقطة استنزاف محتملة للصين، وبؤرة صراع يمكن جر الجانب الصيني إليها إذا دعت الضرورة؛ فالصين- لا محالة- سوف ترغب في التخلص من "عار" وجود كيان يدعي الاستقلال عن أراضيها. وعند حدوث ذلك، يمكن أن تتحول تايوان إلى "أوكرانيا أخرى"، مما يعني أن معركة تايوان هي معركة مؤجلة يحشد لها الطرفان.
حسابات المعركة الكبرى وتغيير شكل العالم
بما أن الصين تمثل المنافس الحقيقي والأكثر جدية في الصراع العالمي على الهيمنة، فإن الولايات المتحدة تسعى على الأرجح إلى حسم الصراعات في مناطق أخرى قبل خوض هذه المعركة الكبرى في تايوان.
إن المواجهة الشاملة في تايوان- لا محالة- ستغير شكل العالم كله، وهذا ما يدفع الولايات المتحدة إلى إدارة التوترات بحذر، مع الإبقاء على تايوان كأداة إستراتيجية في حرب النفوذ الدائرة.
أيمثل ترامب خاتمة مرحلة تآكل النفوذ الأميركي، أم إنه تعبير عن محاولة شرسة -وربما يائسة- لإعادة تأكيد الهيمنة في زمن تتغيّر فيه موازين القوة؟
ترامب: رجل المرحلة؟
لا يُخفي دونالد ترامب إعجابه بشخصيات قوية ذات طابع دكتاتوري، لأنه يريد أن يصدّر فكرة أن استعادة مجد أميركا تتطلب وجود قائد قوي يتمتع بصلاحيات واسعة، وغير مقيد ببيروقراطية الديمقراطية.
إنه يطرح نفسه كمخلّص مقابل أن يقدّم له الجميع التنازلات، ويخوض حربًا مفتوحة ضد الليبراليين، مستندًا إلى قاعدته المحافظة داخل أمريكا. هذه القاعدة ترى في الليبراليين تهديدًا ثقافيًّا حقيقيًّا، خاصة في قضايا مثل زواج المثليين والجندر، وهو ما يجعلهم خصمًا سهلًا أمام ترامب يمكن مهاجمتهم بالتعميم. بهذا الخطاب، يعزز صورته كقائد منضبط يريد فرض النظام داخليًّا وإعادة الهيبة خارجيًّا.
خارجيًّا، يرى ترامب أن هذه التهديدات تتطلب ردًّا حازمًا، قائمًا على استخدام القوة العسكرية عند الضرورة، والإرهاب النفسي قدر الإمكان، والتدخل الذكي بتكلفة منخفضة. كل ذلك يجب أن يتم مع تعبئة الحلفاء للمشاركة في المعركة، واستغلال قوة الداخل الأميركي لتحقيق النهوض الصناعي والاقتصادي.
لكن هذه الرؤية تتطلب حسمًا داخليًّا أيضًا في مواجهة الديمقراطيين ووسائل الإعلام والمؤسسات العميقة؛ وهذه معركة لا تقل شراسة عن المعركة الجيوسياسية، وقد تكون نقطة ضعفه الكبرى. فالحشد الداخلي يتطلب استقطابًا عنيفًا، وتحميل بعض الطبقات عبء التحول، وهو ما يولّد مقاومة قد تستغلها المعارضة.
ويبقى السؤال: أيمثل ترامب خاتمة مرحلة تآكل النفوذ الأميركي، أم إنه تعبير عن محاولة شرسة -وربما يائسة- لإعادة تأكيد الهيمنة في زمن تتغيّر فيه موازين القوة؟
مثل ترامب، بسياساته الحادة وخطابه الصدامي، محاولة لإعادة تعريف الهيمنة الأميركية عبر الواقعية القومية، وتقليص أعباء التحالفات القديمة، والتركيز على الداخل الأميركي كبوابة لاستعادة المجد
إن دونالد ترامب ليس مجرد رئيس مثير للجدل، بل هو انعكاس حاد لتحولات أعمق تشهدها الولايات المتحدة والعالم من حولها؛ فظهوره السياسي، وعودته إلى الحكم، لا يمكن قراءتهما بمعزل عن السياقات الدولية المعقدة، التي تواجه فيها واشنطن تحديات داخلية وخارجية، تهدد بإعادة تشكيل ملامح النظام العالمي الذي قادته منذ الحرب العالمية الثانية.
إن ما نراه من انقسام داخلي أميركي حاد، وصراعات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، ليس سوى أحد أوجه أزمة القيادة والنموذج، في وقت باتت فيه قوى دولية كالصين وروسيا، ودول إقليمية صاعدة في الشرق الأوسط وآسيا، تسعى لانتزاع موقع في منظومة النفوذ العالمي، عبر أدوات سياسية واقتصادية وتكنولوجية وإستراتيجية متجددة.
لقد مثل ترامب، بسياساته الحادة وخطابه الصدامي، محاولة لإعادة تعريف الهيمنة الأميركية عبر الواقعية القومية، وتقليص أعباء التحالفات القديمة، والتركيز على الداخل الأميركي كبوابة لاستعادة المجد. وهو في ذلك لا يواجه فقط القوى الخارجية الصاعدة، بل يخوض صراعًا داخليًّا شرسًا مع مؤسسات، وأفكار، وتيارات، ترى مستقبلًا مختلفًا لأميركا.
يظهر أن معركة ترامب ليست فقط حول رئاسة أو حزب، بل حول هوية دولة ودور عالمي.. إننا أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تكون هذه اللحظة بداية نهاية الحقبة الأميركية بصورتها القديمة، أو بداية إعادة تموضع عنيف تحاول فيه واشنطن، عبر شخصية ترامب أو غيره، إعادة رسم قواعد اللعبة الدولية على أسس جديدة أكثر قسوة وأقل تسامحًا.
أفتكون رئاسته رقصة النهاية لإمبراطورية آيلة للسقوط، أم بداية لحقبة جديدة من السيطرة، بأدوات أكثر خشونة وأقل نفاقًا؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

