في المقهى، أجلس وحدي، أمامي شاشة الحاسوب النقال (اللابتوب)، أحاول تجاهل صداع رأسي الحاد، وأصوات المحللين السياسيين في الطاولة المجاورة لي.
أفترش الأوراق، والأقلام، وكوب الشاي، هذه عدتي لإنجاز ما تبقى لي من واجبات جامعية.. أسافر عبر الزمان بآلة صغيرة أضعها في أذنيّ؛ فتارةً أتمشّى على شاطئ الهوى، وتارةً أخرى أجلس تحت قناديل الياسمين. وما بين الهوى والياسمين، تهتز طاولتي، تُعيدني في أقل من ثانية إلى سقف المقهى المحترق، وإلى العابرين المرهقين من قِلّة الطعام وشدّة الحر.
يرن هاتفي النقال (الجوال).. بعد تحية السلام، تبدأ أختي حديثها متسائلة: "شوفتي الواتساب؟ طلبت منك إشي.."، فأجيبها: "لا". تُعيد تكرار طلبها: "افتحي الواتساب، هو أنتِ ما عندك نت؟"، فأجيبها بسؤالٍ أخير: "ليش؟ شو صار؟".. بدلًا من إجابتي، عادت لتسأل: "هو أنتِ ما بتعرفي؟". في تلك اللحظة، أدركت أختي أنني في غياهب الجب، وأدركت أنا أنني جالسة الآن على طاولة الفقد.
في تلك اللحظة، لم أستطع استيعاب فكرة اقتراب الموت منا مجددًا، وأنا التي بدأت رحلتي مع الفقد منذ الرابعة من عمري. إذًا، سأعود إلى البيت فاقدة هذه المرة أيضًا
"احزري مين استشهد؟"
بدأت يداي ترتجف، أكاد أفقد الرؤية، يشتد صداع الرأس.
أُخرج من حقيبتي آخر قنابلي الذرية.. عذرًا، أقصد: "حبوب الأكامول"، أتناولها رغم كرهي للدواء! أحاول إقناع نفسي بأن الألم شارف على الزوال.. ولكن، هل انتهى حقًّا؟
ثقيلة هي الأحرف، بطيئة هي الساعات! أبحث بين الأسماء، أقول في نفسي: "لربما هي كذبة أخرى؟!"
أوليس هذا العالم "الإنساني" قائمًا على الأكاذيب؟! فلم لا يضيفون الفقد إلى القائمة!
إذًا، هو فقد آخر.. إذًا، هو جرح، وكوب حنظلٍ جديد.. فكم كوبًا من الحنظل سنشرب بعد؟
تنهمر دموعي، أكتب.. أكتب، أسابق الزمان الذي لطالما غلبني.
في تلك اللحظة، لم أستطع استيعاب فكرة اقتراب الموت منا مجددًا، وأنا التي بدأت رحلتي مع الفقد منذ الرابعة من عمري. إذًا، سأعود إلى البيت فاقدة هذه المرة أيضًا.
نزعتُ آلة السفر عبر الزمان من أذنيّ، فانتهت الرحلة على كوكب الأوهام!
أكملت دراستي، أنجزت آخر الواجبات وأنا في صراع مع الحياة.. فما جدوى الركض وراء الأحلام، إن كان الموت ينتظرنا قبل قطع شريط ماراثون النجاة؟!
بعد أربع ساعات، عُدت إلى البيت، على أمل رؤيته يسقي غرسه بيديه.. على أمل رؤيتها تجلس معه تحت شجرة التوت.. على أمل رؤية أبنائهما حولهما.
وصلتُ شارع بيتنا.. يقف أخي مع الجيران لتعزيته، يطير الأطفال على "الترمبولين"، تصرخ ابنة أختي "ساجدة": "خالتو سمية إجت!".
اقتربت منها.. انخفض صوتها، لتُخبرني بسرها الذي يعلمه الجميع: "خالتو احزري مين استشهد؟"… عجزت حينها عن الإجابة! أعلم جيدًا أنني سأبكي مع أول حرف سأنطقه! فتجيب هي عن سؤالها: "بابا استشهد..".
لا أعلم، كيف لي أن أواسي طفلة بفقد أبيها؟ كيف لي أن أقول: "الله يرحمه" في وجهها؟! اعتقدت أني سأكون أكثر جرأة في تعزية أختي "أسماء" بزوجها "كمال": ذاك الشاب المجتهد، الطموح، والزوج الحنون، والأب المعطاء.. ولكن للأسف، كانت الدموع أقرب من الكلمات. فكيف لهم أن يسمحوا بأن يصبح بيتنا "دار الأيتام" على حد تعبير ابن أختي، الذي فقد أباه أيضًا قبل عام ونصف؟
والآن، يتقدم أربعة آخرون للحصول على لقب "اليتيم"، أو كما أخبرتهم صديقة والدتي في العزاء: "بطل ابن بطل".
نحاول التمسك بآخر ما تبقّى من ملامح العزاء؛ بمدّ فناجين القهوة إلى المعزّين.. وبالطبع، لن تكون كالسابق؛ فالقهوة هذه الأيام من حبوب الحمص!
صدى الغياب في كل مكان
فُتح باب المواساة، وبدأ كل مواسٍ يبكي ذكراه، يبكي حبيبًا قد غاب.
في العزاء، تُنبش الآلام التي لطالما حاول الإنسان دفنها.. تحاول كل امرأة مواساة غيرها بقصتها، بتجربتها مع الفقد، بعدم إنكار شعور القهر والشوق، باليأس، بالصبر.. يحاولن المواساة، ودموعهن لم تجف بعد!
أي زمان هذا الذي يكون فيه جميع الحاضرين فاقدين أيضًا؟!
لم أكن أتخيل يومًا أن نجلس جميعنا فاقدين.. بعضنا يمتلك شهادة تثبت فقده، وآخرون يملكون شهادة مفقود.. بعضنا حالفه الحظ لوداع حبيبه، وآخرون لم يعرفوا قبرًا له!
في العزاء، نحاول المحافظة على ما تبقّى من أصول الضيافة؛ فالغداء مما يتوفر في البيت. ولكن، ماذا لو كان الميت لا يملك قوت يومه؟!
نحاول التمسك بآخر ما تبقّى من ملامح العزاء؛ بمدّ فناجين القهوة إلى المعزّين.. وبالطبع، لن تكون كالسابق؛ فالقهوة هذه الأيام من حبوب الحمص! نحمّصها في البيت، ثم ننتظر قليلًا إلى حين برودها لنرسلها للطحن.. يُضاف إليها الهيل المطحون، والزنجبيل، والقرنفل.. أي إننا نعاملها كحبوب القهوة تمامًا! فأي ثري هذا الذي ما زال يمتلك حبوبًا من القهوة؟
وبالطبع، سيكون صحن التمر فارغًا!
تتوالى الأحاديث، وتتوالى الأحزان، وتتوالى الذكريات.. من يغلق صندوق الذكريات؟ من يوقف رائحتهم وصدى أصواتهم؟! ما زال طيفهم في كل زاوية من زوايا المنزل؛ فأي عقل يستطيع استيعاب أن الراحل الذي ودعناه على الباب لن يعود، وأنه الآن… بكفنٍ تحت الثرى!
نجلس سويًّا على الطاولة، ولا نعلم: من فينا سيتجرع كوب الفقد؟ ومن سيكون مقعده فارغًا؟ ومن سيبكي أو يُبكى عليه اليوم أو بعد غد؟!
ضيوف من عالم البرزخ
في الليلة الأولى لكمال في عالم البرزخ، لم تستطع أسماء النوم.. جاءها زائرًا، ولكن!
"نصيبكَ في حياتكَ من حبيبٍ.. نصيبكَ في منامكَ من خيالِ"..
أتساءل: ماذا إذا ما عادت الروح إلى الأجساد؟
عن آخر اللحظات قبيل الرحيل، عن آخر الضحكات، وآخر ذكرى تسكن المكان.
أتساءل: ماذا لو خُيّر الأموات بين عالمنا، أو البقاء هناك.. في عالم البرزخ؟!
في عالم لا تُسمع فيه أصوات المدافع أو الطائرات، في عالم لا خوف فيه من الفقد، في عالم لا يُحمَل فيه همُّ البطون الفارغة، أو همُّ مستقبل مكتظ بالألغام.
أتساءل: ماذا إذا ما عادت الروح إلى جسد جدتي "حليمة" المدفون في مقبرة المخيم (مقبرة الفالوجا)، ورأت ما رأيناه؟!
تدق طاولة الفقد باب كل بيت في غزة، تدخله قبل أن يسمح أهل البيت لها بالدخول.. تدخله رغمًا عنهم؛ فمنهم من يسجد شاكرًا لله راضيًا بهذا الضيف، ومنهم من يجزع!
نجلس سويًّا على الطاولة، ولا نعلم: من فينا سيتجرع كوب الفقد؟ ومن سيكون مقعده فارغًا؟ ومن سيبكي أو يُبكى عليه اليوم أو بعد غد؟!
على طاولة الفقد قلوب ممتلئة بحكاياتٍ، جميع أبطالها أو جُلّهم في عالم البرزخ، وكوب شايّ بارد.
على هذه الطاولة، يجلس الحزن بيننا بصمت، ويتجدد الفقد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

