غزة.. جرح مفتوح على جبين التاريخ

الكاتب: خذلان الأمة لكِ يا غزة أشد من قنابل الطائرات.. الطائرات تقتل الجسد، لكن صمت الأمة يقتل الروح (وكالة الأناضول)

غزة، يا جمرًا متقدًا في خاصرة الكون، يا ندبةً محفورة في جلد الزمن، يا آخر ما تبقّى من صرخة الحق حين يبتلع الظلم كل شيء.. كيف استطعتِ أن تصمدي وكل الأبواب موصدة، وكل العيون متحجّرة، وكل الألسنة ملتصقة بالذل؟

كل صباح تستيقظين على جثث أبنائكِ كما لو أنهم أزهار مقطوعة الجذور، ومع ذلك لا يموت فيكِ الحلم! أنتِ الحلم الذي يتحدى الموت، والدم الذي يكتب على جدران العالم أن هناك شعبًا يرفض أن يُمحى من الذاكرة.

أي مشهد هذا حين يختلط الغبار بدموع الأمهات، حين يصرخ الأطفال من تحت الركام ولا يأتي أحد؟ أي زمان هذا الذي يجعل دمكِ خبرًا عابرًا على شاشة باردة؟ أي قلب هذا الذي يمر أمام مأساتكِ ولا ينفجر؟ لقد صارت غزة مسرحًا لمأساة وجودية تفضحنا جميعًا، نحن الذين ندّعي القوة، بينما نرتجف خوفًا أمام مشهد البطولة الحقيقية.

غزة، يا شجرة الزيتون المغسولة بالدم، يا أغنية العناد، يا جسدًا محاصَرًا بالحديد والنار، كيف لم تنكسري؟ كيف استطعتِ أن تحولي كل بيت مهدّم إلى علم، وكل شهيد إلى صرخة حياة

خذلان الأمة لكِ يا غزة أشد من قنابل الطائرات.. الطائرات تقتل الجسد، لكن صمت الأمة يقتل الروح. كيف يمكن للأمة التي تغنّت بالشرف والبطولة أن تدير ظهرها لأطفالكِ، لأرضكِ، لدمكِ؟ صار الصمت العربي جدارًا أسود يبتلع كل صرخة تصدر منكِ! كأننا جميعًا أصبحنا تبريرات بشرية لجريمة العصر.

أيها العالم، يا من يتباهى بالعدالة، أين عدالتك حين تحترق غزة ولا أحد يطفئ النار؟ يا من يتحدث عن القانون الدولي، كيف تسمح للقانون أن يصير أداة للقتل، أن يغدو وسيلة لمحو شعب كامل من الوجود؟ أيها العالم، أنت لست صامتًا فقط، بل أنت متواطئ، لأنك تعرف كل شيء وترى كل شيء، ومع ذلك تصفّق للقاتل، وتلقي على الضحية محاضرات عن السلام!

غزة، يا شجرة الزيتون المغسولة بالدم، يا أغنية العناد، يا جسدًا محاصَرًا بالحديد والنار، كيف لم تنكسري؟ كيف استطعتِ أن تحولي كل بيت مهدّم إلى علم، وكل شهيد إلى صرخة حياة، وكل دمعة إلى برهان أنكِ ما زلتِ موجودة؟ فيكِ يكمن سر المقاومة، سر أن تكوني أكبر من الموت وأقوى من الفناء.

إعلان

الأطفال فيكِ ليسوا أطفالًا عاديين، إنهم شمس صغيرة تُطلّ من تحت الأنقاض، ينهضون من الموت ليقولوا لنا إن الحياة أكبر من الخوف، وأشد من الرعب، وأكثر عنادًا من القنابل. نساؤكِ، اللواتي يمسحن دموعهن على عجل، ويعُدن ليكفِّنّ أبناءهن، لسن نساء عاديّات، بل أيقونات صبر، جدرانًا من الضوء، أعمدة من نار لا تنحني. ورجالكِ، الذين يقفون بلا سلاح أمام الدبابات، هم ليسوا مجرد رجال، إنهم ذاكرة الأرض، سلالة الصمود، فلاسفة اللحظة الأخيرة الذين يعرفون أن الكرامة تُصنع بالدم، لا بالكلام.

إنكِ اليوم لستِ مجرد مدينة، بل قصيدة من لحم ودم، أنت كتاب مفتوح على فصول الجحيم، وفي كل سطر من دمكِ شهادة على أننا فقدنا معنى الأخوّة، ومعنى الإنسانية

غزة، يا آخر نبض في جسد الأمة، إننا نخذلكِ في كل يوم، نخذلكِ حين نصمت، وحين نكتفي بالبكاء، وحين نحتمي بالكلمات الباردة. نخذلكِ حين نجلس أمام الشاشات نعدّ شهداءكِ ونغمض أعيننا كي لا نرى الحقيقة. لكنكِ، رغم ذلك، لا تستسلمين، تصرخين في وجه موتكِ: "لن أموت كما يشاؤون!"، وتكتبين على حيطانكِ المحروقة: "هنا، مرّ شعب لم ينكسر!".

إنكِ اليوم لستِ مجرد مدينة، بل قصيدة من لحم ودم، أنت كتاب مفتوح على فصول الجحيم، وفي كل سطر من دمكِ شهادة على أننا فقدنا معنى الأخوّة، ومعنى الإنسانية. كيف سنغفر لأنفسنا أننا تركناكِ هكذا؟ كيف سنبرّر لأطفالنا أن أمة كاملة تخلّت عن قلبها النابض؟

في كل ركن منكِ، هناك سؤال وجودي يلاحقنا: أما زلنا أحياء أم إننا صرنا أشباحًا من جبن وخوف؟ أما زال فينا شيء من الإيمان بالكرامة، أم إننا بعنا كل شيء مقابل الصمت والأمان الكاذب؟

ستنتصرين يا غزة، ليس لأننا نستحق، بل لأنكِ أنتِ الحياة نفسها، لأنكِ المعنى الأخير لكل ما هو إنساني في هذا العالم

غزة، لو كان لكِ صوت بحجم الجبال، لصرختِ: "أنتم لا تعرفون معنى الحياة، أنتم أموات تسيرون على الأرض بينما أنا، المحاصرة بالنار، وحدي الحيّة، وحدي التي تصنع الحياة في قلب الموت".

ستنتصرين يا غزة، ليس لأننا نستحق، بل لأنكِ أنتِ الحياة نفسها، لأنكِ المعنى الأخير لكل ما هو إنساني في هذا العالم. أما نحن، فسوف نكتب في هوامش التاريخ: "كنا هناك، كنا شهودًا على المأساة، لكننا لم نفعل شيئًا"! وهذا وحده كافٍ ليحكم علينا بالعار إلى الأبد.

لكنّكِ، رغم كل ذلك، لن تموتي.. سيبقى اسمكِ نارًا تضيء العتمة، سيبقى أطفالكِ الشهداء أيقونات على جبين الإنسانية، ستبقى دماؤكِ رسالة لكل ضمير لم يمت بعد: إن الحياة تبدأ حين تقرر ألا تركع، وإن الحق يُولد من رحم الألم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان