اليوم الـ655 على هذه المجزرة متعددة الوجوه والأدوات. لا أعرف متى سينشر هذا المقال؛ لعلّه في اليوم الـ659، أو الـ665، أو ربما بعد ذلك. لكن ما أعرفه جيدًا أن هذه المهلكة لم تتوقّف، وهناك من يريد لها ألا تتوقّف.
فإن كنت تقرأ هذا المقال في يوم المجزرة، أو بعده بأيام حين يُنشر، فإن شيئًا جديدًا لن يفوتك، فالمقتلة مستمرّة، والتجويع مستمر، والتعطيش مستمر، كما أن اللامبالاة مستمرة، والحصار لا يزال مستحكمًا، والأطفال يموتون جوعًا، وآباؤهم يُقتلون بالرصاص حين يتزاحمون من أجل وجبة تُنقذهم.
في غزّة، لا يُقتل الناس فقط بالقنابل، بل يُتركون يموتون ببطء، على مهل، كما تُشوى الروح في جحيمٍ مفتوح
مطالبات ونداءات، وربما فعاليات وتظاهرات ومناشدات، من الشعوب الحرّة، من الإنسان الذي لا يزال يتحسّس إنسانيّته، لوقف المقتلة في غزّة، لوقف سياسة التجويع التي ينتهجها الكيان خلال الـ100 سنة الماضية.
مناشدات أصبحت كنكتةٍ سوداء في القرن الحادي والعشرين. ففي الوقت الذي يعيش فيه الغرب ترف التنوّع، وتحارب فيه أميركا السمنة، تخرج التظاهرات من أجل ألا يموت أطفال غزّة جوعى!
أن يموت طفلٌ جوعًا في القرن الحادي والعشرين.. سخريةٌ سوداء على حال الإنسان، الذي شرّع مواثيق لحفظ السلم والأمن الدوليين، وخطّط برامج أمميّة للقضاء على الفقر، لا على الجوع.
يموت الطفل جوعًا لا لأن الأرض بخلت، بل لأن الإنسان اختار أن يتواطأ مع القتل، لا أن يصدّه، اختار أن يحاصر الحياة، ويدعم الموت.
في غزّة، لا يُقتل الناس فقط بالقنابل، بل يُتركون يموتون ببطء، على مهل، كما تُشوى الروح في جحيمٍ مفتوح.
في غزّة، لا حاجة إلى سيف أو رصاصة، فقد تفتّق ذهنُ مجرمي هذا العصر، في الكيان، عمّا يتلذّذون به في قتل أصحاب الأرض: ساديّة المحتلّ ارتأت أن تقتل النسل بمنع علبة الحليب عمّن يُحتمل أن يحملوا راية المقاومة يومًا.
الجوع في غزّة لا يشبع من الأسف، والطفل في غزّة لا يرتوي من الدموع الباردة في المؤتمرات، ولا على الشاشات، ولا حتى في المظاهرات
في غزّة طفلٌ يُغمى عليه أمام فرنٍ مغلق، وأبٌ يُطلق عليه النار، لا على يد جنديٍّ إسرائيلي، بل على يد شركة أمن توزّع المساعدات بالسلاح!
المفارقة أن من نجا من القصف، هلك على يد حارس المساعدات! ملاك "الرحمة" الذي أرسلته تل أبيب لينقذ الأهالي من "سرقة" المقاومة قوتهم!
وفي ظلّ كلّ ذلك، تعيش غزّة الصامدة حصارًا مطبقًا كظلمات، إذا أخرج يده من السياج الفاصل لم يكد يراها.
فما الحصار إلا سلسلة أبوابٍ موصدة: باب من العدو، وباب من الجار، وباب من الأخ.
لكن الباب العربي، حين يُغلق، يُؤلم أكثر من أيّ سلاح. فالقضية لم تَعُد في يد المحتلّ فقط، بل في يد حكّام العرب الذين أغلقوا المعابر، وأغلقوا من قبلها القلوب.
لقد حاجج الملثّم الدنيا بأسرها، والعربَ والمسلمين، عامّتهم وخاصّتهم، فلا عذر بعد الآن. لا نفع لخطابات "نتعاطف"، ولا نفع لشعارات "التأسّف".
الجوع في غزّة لا يشبع من الأسف، والطفل في غزّة لا يرتوي من الدموع الباردة في المؤتمرات، ولا على الشاشات، ولا حتى في المظاهرات.
- أين شهامة العرب؟ أين نخوتهم؟ أين عروة بن الورد، وعنترة، وسعد بن عبادة؟
- أين من كان يُطعم اللاجئ، ويفكّ الأسير، ويرى النخوة قبل أن يرى الحدود؟!
المواطن في غزّة لا ينتظر الآن فتح القدس، ولا يعلّق آمالًا على قرارات القمم العربيّة. كلّ ما يريده، قبل أن يموت، هو أن يُشبَع.. لا من الخبز، بل من شهامة العرب
لو لم تتعلموا من أجدادكم، فتعلّموا من الغرب
حين صرخت إسرائيل بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، هرعت أميركا، وفتحت مخازنها قبل خزائنها، وسيرت سفنها بعد طائراتها، وانفطرت قلوب أوروبا على الكيان!
جريمة التجويع لا ترتكبها إسرائيل وحدها، بل يشترك فيها كلّ من يرى ويسكت، كل من يملك ويبخل، كل من يقدر ويتكاسل، كل من يملك معبرًا ويُغلق، وكل من يعرف كيف يفتح بابًا ولا يفتحه.
نحن لا نطلب المستحيل، لا نطالب بجيوشٍ تتقدّم، ولا بصواريخ تُطلَق، ولا نطالب بما هو واجب. بل نطالب فقط برغيفٍ يصل قبل أن يموت صاحبُه.
المواطن في غزّة لا ينتظر الآن فتح القدس، ولا يعلّق آمالًا على قرارات القمم العربيّة. كلّ ما يريده، قبل أن يموت، هو أن يُشبَع.. لا من الخبز، بل من شهامة العرب.
يريد أن ينطق قبل أن يقتله الجوع: "كنتُ أتمنّى رغيفًا من كرامتكم، يُشبِعني، قبل أن يبتلعني الجوع".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

