مشكلة الفساد في موريتانيا أنه لم يعد مجرد سلوك معزول داخل المؤسسات الإدارية فقط، بل أصبح أقرب إلى عقلية ونمط حياة وظاهرة مجتمعية، يشجعها ويدافع عنها المثقف بقلمه والجاهل بحميته. أما النخب في الفساد ففسطاطان: فرحٌ بغنيمته منه، أو صابرٌ مثابر حتى ينال نصيبه منه يومًا ما.
ثم إن الفساد أصبح، فضلًا عن ذلك، أشبه بسياسة رسمية يُكافَأ ممتهِنوها بالتعيينات والترشيحات الانتخابية والصفقات. وصار خطًا رسميًا للدولة أن تتغاضى عن نهب المليارات، وتوقف بعثات التفتيش، وتمنع نشر تقارير مفتشية الدولة ومحكمة الحسابات، بل إنها تتحفظ على أسماء المتورطين في الفساد. وطبعًا، فإن جزءًا من السياسة الرسمية للدولة يقضي أيضًا بمحاربة من يُتوسَّم فيه البُعد عن الفساد، لأنه يُفسد دوران عجلة المنظومة الفاسدة.
إن الخطاب السياسي التقليدي وطبقته السياسية أصبحا جزءًا من المشكلة وشريكًا فاعلًا للأنظمة المستبدة؛ بل إن بعضهم أصبح ذراعها المدني "المعارض"
الخطير في الأمر أن جزءًا من المؤسسات التعليمية أصبح يُنتج أفرادًا فاسدين، وصارت الشهادات مجرد تذكرة لدخول نادي الفساد؛ وبالتالي لم يعد عيبًا الحصول عليها بطريقة فاسدة.
فقد أوقف الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبدالعزيز تحقيقًا في سلامة شهادات كافة منتسبي الوظيفة العمومية عندما اكتشف أن الأمر سيُطيح بأكثر من نصف الحكومة، وبأهم المديرين العامين للمؤسسات العمومية، وبعشرات "الشخصيات الوازنة".
لم يلاحظ أحد صمت القبور الذي ساد في نقابات أساتذة التعليم العالي حين حاولوا الإضراب ذات مرة، فقال لهم ولد عبدالعزيز: إما أن تُنهوا الإضراب وتسحبوا مطالبكم، أو أنشر للشعب الموريتاني نتائج التحقيق في شهاداتكم!
والأغرب من كل هذا أن بعضًا من خريجي المؤسسات التعليمية الدينية (محاظر ومعاهد) وصل غيّهم وفسادهم إلى حدود الإجرام الخطير (تجارة السموم، وغسل الأموال…)، والسبب في كل ذلك أن الحواضن الاجتماعية القبلية التي أفسدها المال العام وغسل الأموال أصبحت هي المرجع والمرجعية لقيم وأخلاق المشرفين على المدرسين في هذه المؤسسات التعليمية، سواء كانت عصرية أو تقليدية، علمية أو دينية.
لقد أصبح الفساد في البلد صناعةً، وهي بالطبع الصناعة الوحيدة التي نجحت الأنظمة المستبدة الفاسدة في توطينها، وجعلها عقيدة وعقلية وممارسة يومية، لأنها تريد للجميع أن يكون فاسدًا كي لا تكون محرجة أمام الشعب بشعار محاربة الفساد الذي ترفعه عندما تُغيّر واجهتها بعد كل انقلاب عسكري أو انتخابي. وهذا ما نجحت فيه كل الأنظمة التي تلوثت بالفساد وتعاقبت على السلطة في البلد منذ "دمقرطة" الحياة السياسية!
الواقع أن بلدنا قد غرق بالفعل في وحل الفساد والتسيب: لقد بلغ تحلل الدولة أقصاه، ولم يعد جهازها إلا ملاذًا لأبناء الفئة الحاكمة وحواضنها القبلية من عديمي الشهادات والتكوين
إن الخطاب السياسي التقليدي وطبقته السياسية أصبحا جزءًا من المشكلة وشريكًا فاعلًا للأنظمة الفاسدة المستبدة؛ بل إن بعضهم أصبح ذراعها المدني "المعارض".
وبالتالي، فإن الخطاب السياسي التقليدي المعارض لم يعد يحمل حلولًا ناجعة لما نعانيه من فساد في العقلية والسلوك المحدد لنمط الحياة، وذلك لأن الطبقة السياسية بكل أطيافها فاسدة في أغلبها، والقلة التي لم ترد حوض الفساد عاجزة عن إنتاج أفكار ثورية ملهمة وحلول جذرية ناجعة، وذلك لعدة أسباب يضيق المقام عن ذكرها.
الخطاب السياسي الحالي هو خطاب من الماضي لم يُحدَّث منذ عقود؛ بل لا يزال يُجترّ في كل مناسبة حتى أصبح مصدر إزعاج وصوتًا نشازًا ورأيًا غير مقنع لمن يُلقيه، فما بالك بالمتلقي الذي لم يعد يثق فيمن يُلقيه.
هو خطاب فترة كان الفساد فيها سياسيًا وإداريًا فقط، أما اليوم فقد أصبح الفساد ظاهرةً اجتماعية امتزجت بالنفس البشرية وعششت في الوعي الباطن للفرد والجماعة.
وهنا تعمقت وتعقدت الأزمات الوطنية، وجفّت قرائح النخب السياسية، وغابت الحلول الجذرية، وضاق الأفق، وغاب الأمل، وجفّ حبر الفكر، وانكسرت الأقلام الوطنية بسبب حب المال ووعورة دروب النضال.
إذًا البلد يحتاج الآن إلى مثقفين ومفكرين أحرار، متمردين على المجتمع ومتجردين من عقليته وجميع انتماءاته؛ مستعدين لدفع ثمن مواقفهم وأفكارهم، لا لقبض ثمنها كما فعل إخوة لهم من قبل. وذلك للتفكير في كيفية إنقاذ سفينة البلد من الغرق بسبب أمواج الفساد العاتية المنتشرة في كل مكان.
يجب إدخال مفاهيم سياسية واجتماعية تتماشى مع قيم عصرنا؛ مفاهيم تحث على الولاء للدولة والمجتمع وتجريم الولاء للقبيلة والجهة والشريحة، وأن تكون المصلحة العليا للبلد هي المنارة والهدف النبيل
والواقع أن بلدنا قد غرق بالفعل في وحل الفساد والتسيب: لقد بلغ تحلل الدولة أقصاه، ولم يعد جهازها إلا ملاذًا للفاشلين من أبناء الفئة الحاكمة وحواضنها القبلية من عديمي الشهادات والتكوين.
وانسحب ذلك على أداء مختلف مرافق الدولة وأجهزتها ومؤسساتها. ولأنه لا أحد يؤمن لا بالشيء العام ولا بالشأن العام، فقد بدأت أركان الدولة تترنح وتتداعى حتى في مهامها الأساسية: توفير الصحة والتعليم، ضمان الأمن الوطني، الدفاع عن السيادة، السياسة الخارجية، العدل، والاقتصاد..
تحتل مالي أجزاءً من ترابنا بعد أن رحّلت منها مواطنينا، وأغلقت مدارسنا ومستوصفاتنا ومراكزنا الانتخابية، وكأن شيئًا لم يحدث! إذ لا ينبغي إزعاج قادتنا بالأمن الوطني والسيادة الوطنية، فلديهم ما هو أهم: الاستيلاء على الحديد والذهب والسمك والغاز والمحروقات وغيرها.
إن أي طرح إصلاحي أو خطاب سياسي لا يأخذ في أولوياته إرادةً صارمة لتغيير الأفكار والعقليات السائدة في المجتمع هو اجترار لفشل قديم متجدّد.
ولهذا، فإن إصلاح البلد يتطلب إصلاحًا اجتماعيًا أولًا -كما حدث في ثورات التحرر العالمية- وذلك لن يكون إلا بعقد اجتماعي جديد تتفق عليه النخب الوطنية الصادقة والجادة في الإصلاح، يكون جوهره التأسيس لمجتمع حديث يفكر بعقلية الدولة المدنية التي لا سيادة فيها إلا للقانون، وبوصلتها الوحيدة هي المصلحة العليا للمجتمع كوحدة واحدة، والدولة الجامعة التي تحتكر ولاء الفرد والمجموعات.
إننا اليوم نعيش بالفعل في ظل دولة هشة، والخيار واحد من اثنين فقط: النهوض من أجل تفادي الانفجار الكبير بما يتطلبه ذلك من مشقة وتضحيات، أو الانزلاق إلى مهاوي فوضى لم يتوقعها أحد
يجب إدخال مفاهيم سياسية واجتماعية تتماشى مع قيم عصرنا؛ مفاهيم تحث على الولاء للدولة والمجتمع وتجريم الولاء للقبيلة والجهة والشريحة، وأن تكون المصلحة العليا للبلد هي المنارة والهدف النبيل، وأن تصبح المصلحة الشخصية والحمية القبلية معرّةً وجريمة إذا تعارضت مع مصالح الدولة والشعب.
كل هذا لن يحدث إلا بجهود حقيقية من أحرار شباب موريتانيا، تحمل هم المواطنين وتحمي مصالح الوطن وتتدارك ما يمكن إنقاذه، فالنسق الحالي من الحكم يقودنا إلى تلاشي الدولة.
ستتقاسم الدول المحيطة بنا مساحاتها الشاسعة، وتحرس الشركات العالمية مصالحها فيها، ويضع الغربيون بوارجهم على الحدود لصد الهجرة، ويبقى الموريتانيون هائمين على وجوههم في الصحاري القاحلة وفي مخيمات اللجوء في دول الجوار.. وقد لا نسلم من حرب أهلية.
إننا اليوم نعيش بالفعل في ظل دولة فاشلة، والخيار واحد من اثنين فقط: النهوض من أجل تفادي الانفجار الكبير بما يتطلبه ذلك من مشقة وتضحيات، أو الانزلاق إلى مهاوي فوضى لم يتوقعها أحد، لا قِبل لنا بها، ولا مصلحة لغيرنا في تجنبها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

