كان شارل دو مونتسكيو أحد أبرز مفكري عصر التنوير الفرنسي، فقد أعاد التفكير في مفاهيم السلطة السياسية، والقانون، والحرية، وبنية الحكم، بعقل نقدي مبدع.
ومن أبرز أعماله المبكرة وأكثرها شهرة، كتاب "الرسائل الفارسية"، الذي نُشر عام 1721، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز 32 عامًا. هذا العمل يبدو في ظاهره رواية ساخرة، لكنه في حقيقته نقد لاذع وذكي للمجتمع الفرنسي، والملكية، والكنيسة، وأخلاقيات النبلاء، يقدمه من خلال منظور مسافرَين فارسيين خياليين.
يرى مونتسكيو أن تركيز السلطة في يد شخص أو مؤسسة واحدة يقود دائمًا إلى الاستبداد والظلم، ولا يمكن ضمان الحرية إلا إذا كانت هذه السلطات مستقلة، وتجري فيما بينها عملية مراقبة وتوازن
"الرسائل الفارسية": نقد الذات عبر "الآخر"
كما ذكرت، فإن كتاب "الرسائل الفارسية" يتألف من حوالي 160 رسالة بين شخصين خياليين؛ هما "أوزبك" و"ريكا"، وهما أرستقراطيان إيرانيان يزوران باريس ليتعرفا على الحضارة الغربية، ينقلان مشاهداتهما في رسائل إلى أصدقائهما في إيران، ما أتاح لمونتسكيو نقد المجتمع الفرنسي من خلال عين "أجنبية"، دون الاصطدام المباشر مع السلطة.
ورغم أن مونتسكيو لم يكن مطلعًا بدقة على تاريخ إيران، فإنه استخدمها رمزًا لـ"الاستبداد الشرقي"، وصور "أوزبك" كأنه رجل شرقي يملك الحريم والعبيد، وله عقلية أبوية استبدادية، في مقابل الحرية النسبية في أوروبا.
فكانت إيران في هذا العمل مرآة يعكس بها مونتسكيو عيوب المجتمع الفرنسي (إيران هنا ليست موضوعًا أنثروبولوجيًا، بل استعارة سياسية نقدية، تمثل "الاستبداد الشرقي" كصورة معاكسة للحرية الغربية).
في المقابل، يُعد كتابه الأشهر "روح القوانين" من أهم الكتب السياسية في التاريخ، وكان له تأثير كبير في تشكيل الدول الحديثة، خاصة دستور الولايات المتحدة الأميركية، وظهور العديد من الديمقراطيات الليبرالية لاحقًا، كنموذج توازن قوى يحمي الحريات الفردية.
أشهر فِكَره على الإطلاق هي نظرية الفصل بين السلطات، والتي تقوم على أن السلطة يجب أن تُقسم إلى ثلاث سلطات مستقلة: السلطة التشريعية (سن القوانين)، والسلطة التنفيذية (تطبيق القوانين)، والسلطة القضائية (تفسير القوانين).
ويرى مونتسكيو أن تركيز السلطة في يد شخص أو مؤسسة واحدة يقود دائمًا إلى الاستبداد والظلم، ولا يمكن ضمان الحرية إلا إذا كانت هذه السلطات مستقلة، وتجري فيما بينها عملية مراقبة وتوازن.
وقد يلتبس على البعض أن الدستور الإيراني ينص شكليًا على الفصل بين السلطات كما طرح مونتسكيو، إلا أن التطبيق الواقعي يُظهر تركيزًا سلطويًا يناقض جوهر نظريته! لماذا؟ لأن مونتسكيو يرى أن السلطات يجب أن تكون مستقلة تمامًا عن بعضها، مع وجود آليات توازن ورقابة متبادلة، وهدفه هو ضمان الحريات ومنع الاستبداد.
وهذا المفهوم كان مؤثرًا في صياغة الدساتير الغربية، خاصة دستور الولايات المتحدة، ما يعني أن إيران شكل مؤسسي ظاهر، ولكنه واقع مركزي ديني.
اهتمام مونتسكيو بالعلاقة بين الجغرافيا والنظام السياسي دفع بعض الباحثين إلى وصفه بأنه "أبو علم الاجتماع السياسي"، لأنه حاول فهم السياسة من خلال البيئة الثقافية والطبيعية والواقعية للمجتمعات
ورغم وجود ثلاث سلطات رسميًا في إيران
- السلطة التنفيذية: رئيس الجمهورية.
- السلطة التشريعية: مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان).
- السلطة القضائية: يرأسها شخص يعيَّن مباشرة من المرشد الأعلى.
رغم ذلك، فإن الواقع السياسي الإيراني يتميز بوجود المرشد الأعلى (الولي الفقيه)، الذي يمارس سلطة فوق دستورية، ويتحكم في جميع السلطات الثلاث بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لكونه يُعيِّن: رئيس السلطة القضائية، نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور، قادة الحرس الثوري، رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، وهو يملك حق نقض أي قرار إستراتيجي.
صحيح أن مجلس صيانة الدستور يراجع كل القوانين الصادرة عن البرلمان، ويملك حق رفض ترشح المرشحين للانتخابات (رئاسية وبرلمانية)، ونصف أعضائه يُعيَّنون من المرشد مباشرة، إلا أن السلطات الإيرانية ليست مستقلة كما في تصور مونتسكيو؛ لأن هناك تركيزًا فعليًا للسلطة في يد مؤسسة "الولي الفقيه".
فالنظام أقرب إلى حكم ثيوقراطي (ديني) منه إلى نظام جمهوري ديمقراطي يقوم على التوازن بين السلطات (مونتسكيو تحدث عن استبداد شرقي تقليدي، هو استبداد فردي أو سلطاني، بينما الاستبداد في إيران الحديثة مؤسس ضمن إطار ديني جمهوري، وهو ما يجعله أكثر تعقيدًا وتناقضًا مع مفاهيم الحكم التعددي أو الحداثي).
عرّف مونتسكيو الحرية بأنها: "ليست القدرة على فعل كل ما نشاء، بل القدرة على فعل ما تسمح به القوانين"؛ بمعنى أن الحرية لا تعني الفوضى، بل هي العيش في إطار قوانين عادلة وعامة
مونتسكيو: الأب الأول لعلم الاجتماع السياسي؟
اهتمام مونتسكيو بالعلاقة بين الجغرافيا والنظام السياسي دفع بعض الباحثين إلى وصفه بأنه "أبو علم الاجتماع السياسي"، لأنه كان من أوائل من حاولوا فهم السياسة ليس فقط من خلال المبادئ الأخلاقية أو الفلسفية، بل من خلال البيئة الثقافية والطبيعية والواقعية للمجتمعات.
لكن، يرى آخرون هذا اللقب يليق أكثر بـ"كارل ماركس"، لأنه أعاد بناء فهم المجتمع من خلال قاعدة اقتصادية مادية، وقدم تحليلًا منهجيًا للعلاقات الطبقية والسلطة والصراع التاريخي.
بالتالي، يمكن القول إن مونتسكيو أسس لـ"سوسيولوجيا سياسية تجريبية"، بينما ماركس أسس لـ"سوسيولوجيا سياسية نقدية وتاريخية". وعلى اختلاف منهجيهما، فإن كليهما ساهم في بلورة ما نعرفه اليوم بـ"علم الاجتماع السياسي".
الفكر النسبي في القانون والحكم
مونتسكيو، خلافًا للعديد من مفكري عصره، لم يكن يؤمن بوجود قانون واحد يصلح لجميع المجتمعات؛ فقد جادل في "روح القوانين" بأن القوانين يجب أن تُصاغ بحسب الظروف المناخية، والعادات، والاقتصاد، والبنية الاجتماعية لكل مجتمع. هذا الطرح كان خطوة كبيرة نحو فهم تنوع المجتمعات الإنسانية وتعقيدها.
ومع تأثر مونتسكيو بشدة بالنظام الدستوري في إنجلترا، حيث عاش فترة هناك، وقد أشاد به في كتاباته لكونه نموذجًا يحد من سلطة الملك من خلال البرلمان والمحاكم، فإنه ألهمه تطوير نظرية الفصل بين السلطات والدفاع عن الحكم المعتدل.
أنواع الحكم في فكر مونتسكيو
ميز مونتسكيو بين ثلاثة أنواع من الحكم:
- الجمهوري: يقوم على الفضيلة.
- الملكي: يعتمد على الشرف.
- الاستبدادي: يرتكز على الخوف.
كان يعتبر الاستبداد أكثر أشكال الحكم فسادًا وخطرًا، ورأى أن المجتمع السليم يحتاج إلى حكم معتدل يستند إلى القانون والاعتدال وتوازن القوى.
وعرّف مونتسكيو الحرية بأنها: "ليست القدرة على فعل كل ما نشاء، بل القدرة على فعل ما تسمح به القوانين"؛ بمعنى أن الحرية لا تعني الفوضى، بل هي العيش في إطار قوانين عادلة وعامة.
إذا كان ماركس يرى أن "الاقتصاد هو البنية التحتية"، فإن مونتسكيو كان يعتبر أن "الجغرافيا هي البنية التحتية". لكن ماركس كان ينظر من زاوية تاريخية وجدلية، بينما مونتسكيو اقترب من المسألة من زاوية مناخية وتجريبية
مونتسكيو والجغرافيا: أصل السياسة؟
في كتاب "روح القوانين"، شدد مونتسكيو مرارًا على أن القوانين، والمؤسسات، وحتى مزاج وسلوك الشعوب، تتأثر بالعوامل الجغرافية. واعتبر أن المناخ، والقرب أو البعد عن البحر، والطبيعة الجغرافية (جبال، سهول، صحاري)، ودرجة الحرارة، واتساع البلاد.. كلها تلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل النظام السياسي وشخصية الناس.
مثلًا، يرى أن سكان المناطق الباردة أكثر استقلالية وصلابة وطاعة للقانون، بينما سكان المناطق الحارة أكثر عاطفية وقابلية للخضوع. واعتبر أن الأنظمة المعتدلة تنجح أكثر في المناطق ذات المناخ المعتدل، وأن البلاد الواسعة تميل للاستبداد إذا كانت السلطة فيها مركزة.
مونتسكيو ضد ماركس: الجغرافيا مقابل الاقتصاد
بخلاف فلاسفة، مثل روسو أو توماس هوبز من الذين ركزوا على "طبيعة الإنسان"، يرى مونتسكيو أن العوامل البيئية والجغرافية هي التي تشكل المجتمعات.
وفي المقابل، ظهر لاحقًا كارل ماركس ليؤسس نظريته التي ترى أن الاقتصاد هو البنية التحتية الأساسية للمجتمع، وأن النظام السياسي والثقافي هو انعكاس لمصالح الطبقات الاقتصادية الحاكمة.
وإذا كان ماركس يرى أن "الاقتصاد هو البنية التحتية"، فإن مونتسكيو كان يعتبر أن "الجغرافيا هي البنية التحتية". لكن ماركس كان ينظر من زاوية تاريخية وجدلية، بينما مونتسكيو اقترب من المسألة من زاوية مناخية وتجريبية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
