في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات على بثّ اللحظة، وتتنافس المنصات على أسرع اختزال، تحوّل العقل العربي من باحثٍ عن الفكرة إلى مدمنٍ على الصدمة.
لم نعد نسأل: "ماذا وراء ما يحدث؟"، بل بتنا نكتفي بأن "شيئًا ما حدث"، وانتهى الأمر. اختزلنا الزمن في التغريدة، والحقيقة في المقطع، والوعي في رد فعل مؤقت، سرعان ما يُبتلع في دوامة النسيان العام.
بين وابل من المقاطع الدموية، وتغريدات الغضب، ونشرات الأخبار المتلاحقة، ينهار منسوب التأمل الجماعي. تُختزل القضايا الكبرى في ردود أفعال ظرفية، ونتعاطى مع المآسي بوصفها مواسم انفعالية مؤقتة، لا بوصفها مؤشرات على اختلال أعمق.. نُشاهد، نتفاعل، نُعلّق، ثم ننتقل. دون أن نغادر مكاننا.
تُختزل فلسطين في مجازر، والسودان في مجاعة، وسوريا في صورة طفل غريق. وكلما زادت الصور قلّ الوعي، وكأن الفائض البصري يؤدي إلى عجز ذهني، وكأن التكرار المُفرط للدم يقتل أثره، ويحوّل الألم إلى مجرد روتين بصري
من فلسطين إلى السودان، ومن انفجار الصراعات الطائفية إلى أزمة الحريات، ندور حول أنفسنا كما تدور الشعوب المهزومة حول أسطورتها الأخيرة؛ لا نملك وقتًا للتفكير، لأن اللحظة تطالبنا بالتنديد، ثم بالصمت.. ثم بالنسيان.
في عالم يعيش على وقع اللحظة، صارت الفكرة عبئًا، والتحليل ترفًا، والسؤال فعلًا مرهقًا لا يجد متسعًا بين كل هذا الضجيج.
لكن لماذا؟.. لماذا كلما اشتدت الأزمات، قلّ العمق؟ وكلما اشتعل الواقع، ازداد سطح التحليل؟
الجواب ليس في الإعلام وحده، بل فينا نحن أيضًا.. نحن الذين نغضب بسرعة، ونسأم بسرعة، وننسى بسرعة! نفضّل المعلومة المثيرة على الفكرة المُحرِّضة، والاتهام الجاهز على الفهم المركّب، والردود الانفعالية على الأسئلة البطيئة.
لقد نجح العالم في ترويضنا بالصورة: جرّنا من فضاء التفكير إلى مسرح الانفعال، ومن عمق النص إلى سطوة العنوان.
أصبحنا نتفاعل مع "اللقطة" أكثر مما نتفاعل مع "القضية"، ومع "الوسم" أكثر من الرؤية، ومع "من قال" أكثر مما قيل.
باتت أدوات التأثير في أيدٍ تعرف جيدًا أن العقل المشغول بالصدمة، لا وقت لديه لمساءلة من صاغها.. ولا كيف.
كل ما يُراد منّا هو أن نُصاب، أن نُستنفر، أن نُشارِك سريعًا، ثم ننسحب بهدوء.. بانتظار الصدمة التالية.
وهكذا، تتراكم علينا الصدمات، بينما تتآكل قدرتنا على البناء.. تُختزل فلسطين في مجازر، والسودان في مجاعة، وسوريا في صورة طفل غريق.
وكلما زادت الصور قلّ الوعي، وكأن الفائض البصري يؤدي إلى عجز ذهني، وكأن التكرار المُفرط للدم يقتل أثره، ويحوّل الألم إلى مجرد روتين بصري.
لعلّ السؤال الأكثر استفزازًا الآن هو: أنريد فعلًا أن نُفكّر، أم إننا -في العمق- ارتحنا في موقع الضحية، وصرنا نخشى النهوض كي لا نخسر امتياز الألم؟
المعركة الحقيقية إذًا، لم تعد فقط بين أنظمة ومعارضات، ولا بين شرق وغرب، بل بين عقل يتأمل، وعقل يصفّق، بين من يسأل "لماذا؟"، و"كيف وصلنا إلى هنا؟"، ومن يكتفي بتنديد عابر، ويمضي إلى المقطع التالي.
إنها معركة صامتة تدور في العقول، لا على الجبهات.. معركة بين ثقافة تُنتج المعنى، وثقافة تُعيد تدوير الغضب.
في زمن الميديا المُتخمة، لم تعد المعلومة تساوي وعيًا، بل قد تصبح قناعًا يخفي غياب التفكير! ما نحتاجه اليوم ليس فقط حرية تعبير، بل حرية تفكير.. لا نريد المزيد من المحتوى، بل القليل الذي يُحدث فرقًا.. لا نريد سرديات جاهزة تُعيد إنتاج الهزيمة، بل أفكارًا تُعيد ابتكار الإنسان.
الخطورة لا تكمن في الصدمة ذاتها، بل في تحولها إلى عادة باهتة.. أن نألف مشاهد الألم، ونمضي أمامها بلا سؤال ولا وجع، وكأن ما كان يفترض أن يهزّنا بات مجرد خلفية صامتة في نشرة مزدحمة.
حينها، لا يصبح الدم صادمًا، بل مألوفًا، ولا تعود المأساة مدعاة للغضب، بل خلفية باردة لنشرات المساء.
ولعلّ السؤال الأكثر استفزازًا الآن هو: أنريد فعلًا أن نُفكّر، أم إننا -في العمق- ارتحنا في موقع الضحية، وصرنا نخشى النهوض كي لا نخسر امتياز الألم؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

