حسن النية.. وسوء الأثر

استراتيجيات التعامل مع المراهق الكذاب
الكاتب: الصدق في العلاقات لا يُقاس بميزان الغيب، وإنما بميزان الأثر (شترستوك)

الناس في العلاقات صنفان: أحدهما يقيم الكلام بمقدار ما أُضمرَ فيه من طيب النية، والآخر يزنه بميزان الأثر الذي خلّفه في النفس، رضا أو ألمًا، أُلفةً أو نفورًا.

وليس هذا اختلاف وجوه في النظرة، وإنما هو اختلاف جذور في التصور، لأنه يُردّ إلى أصلٍ دقيقٍ من أصول الفهم الإنساني لمعنى الصدق ذاته: أهو تطابق القول مع الضمير، أم توافقه مع ما يبلغه السامع من معناه؟ أتقاس الصدقيّة بالنوايا، أم توزن بنتائجها في القلوب؟

النوايا، وإن خلُصت، لا تكفي وحدها؛ لأنها لا تُسمَع، ولا تُبصَر، ولا يعوَّل عليها إذا لم تحسن الطريق إلى الآخرين

النية في ذاتها نور يستكنّ في سرائر النفس، لا يراه الناس، ولا يعلمه إلا خالقها، فإن أُفصح عنها بلسانٍ عاجز، أو تجسدت في فعلٍ أخرق، انقلب النور ظلًّا، وربما صار سمًّا في كأس من المحبّة.

ولعل أصدق ما يقال هنا: إن النية إذا كانت سراجًا، فإن الفعل هو زجاجته؛ بها يتضوّأ، وبها يُحتجب.

كم من كلمة نهلت من صفو نية طيبة، ثم تيبّست في مسرى البوح، فهوت على الفؤاد هُويَّ كِسرة غليظة نكأت وجع التيه في مَفازةٍ عمياء.

ورُبّ كلمة خرجت من صدر مفعم بالمحبة، فدخلت أذنًا مثقوبةً بالريبة، فقُلب معناها، وتشوه وجهها، وصارت لطمًا عاطفيًّا لا يُغتفر. فالنوايا، وإن خلُصت، لا تكفي وحدها؛ لأنها لا تُسمَع، ولا تُبصَر، ولا يعوَّل عليها إذا لم تحسن الطريق إلى الآخرين.

وهنا تكمن أزمة خفية في فهمنا للعلاقات: إذ نتوهّم أن صدقنا كافٍ لحسن التلقي، وأن الحب حين يُنوى، فلا بد أن يُدرك ويُعذر، ولكننا كثيرًا ما نغفل أن بين القلب والقلب حُجُبًا، منها اللغة، ومنها الخبرة، ومنها التوقع.

لا يُطلب من المرء أن يتكلّف الرياء في سبيل أن يُرضي، ولا أن يلوّن كلامه على وجه لا يدل على مكنونه، ولكن يُطلب منه أن يعي أن الكلمة التي لا تُفهم كما أُريد لها كلمةٌ لم تُؤدِ رسالتها، وإن صدقت نيّتها

النية لغة صامتة، والأثر خطاب مسموع. فإن لم تترجَم النوايا إلى أفعال صائبة مفهومة، فلا حُجّة فيها على أحد، ولا ملامة فيها على من لم يقرأها.

إعلان

بل إن كثيرًا من سوء الفهم لا يرجع إلى سوء طويّة، وإنما إلى فقر في الترجمة، أو بُعد في التوقيت، أو تباين في المدارك.

فالعاقل لا يكتفي بأن يقول: "كنت صادقًا"، ثم تنفضّ من حوله الوجوه، ولا يرضى عنه من أحبّهم. فلئن صدق في باطنه، فقد أخطأ في بيانه، أو قصّر في احتوائه، أو غفل عن وقع أثره، فكان محسنًا إلى نفسه، مسيئًا إلى غيره، وليس ذلك من الصدق في شيء.

وفي المقابل، لا يُطلب من المرء أن يتكلّف الرياء في سبيل أن يُرضي، ولا أن يلوّن كلامه على وجه لا يدل على مكنونه، ولكن يُطلب منه أن يعي أن الكلمة التي لا تُفهم كما أُريد لها كلمةٌ لم تُؤدِ رسالتها، وإن صدقت نيّتها، وأن الفعل الذي يُخلّف وجعًا لا يُبرَّر دائمًا بحسن النيّة، لأن المعيار هو ما أوقعه في النفس، لا ما انعقد عليه في القلب.

النية كفٌّ لا تبصره العيون، والأثر بصمة لا تخطئها القلوب. والعدل في العلاقات أن يُؤخذ بالنية إذا تجلّى حسنها

إن الصدق في العلاقات لا يُقاس بميزان الغيب، وإنما بميزان الأثر، لأن العلاقات مواطن حسّ، لا مواطن علم، ومعاقل مشاركة، لا ساحات محاسبة.

وحين تختلف النفوس في التلقّي، فلا بد أن يُراعى الأثر قبل أن يُعتدّ بالنية. فربّ محبٍّ جرح محبوبه إذ ظنّ أن الحب يُعفي من اللطف، ورُبّ ناصحٍ أُبغض لأنه رأى في الصدق ما يُغني عن الرحمة.

وغاية القول: إن النية كفٌّ لا تبصره العيون، والأثر بصمة لا تخطئها القلوب. والعدل في العلاقات أن يُؤخذ بالنية إذا تجلّى حسنها، ويحاسَب الأثر حين يفصح عن ألمه.

وما من إنسان كامل، ولكن تمام المروءة أن يُرجّج العاقل في قلبه الرحمة على التبرير، وفي لسانه التؤدة على الاندفاع، وفي فهمه للأشياء هذا الميزان الدقيق بين صدقٍ يسكن القلب، وصدقٍ يعبر مسارب الأرواح.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان