"أنتِ العربية الوحيدة التي أراها في هذا النوع من الجولات السياحية التي تخص التعريف بتاريح الحرب في البوسنة"؛ أجبته: "أوه، حقًا؟!".. كنت أعلم أن العرب لا يأتون إلى هنا، ولكني تظاهرت بالدهشة.
يفضل العرب الاستمتاع بزيارة المناطق الخضراء؛ فهم يذهبون إلى مجاري الأنهار، ومنابع الشلالات، وأماكن القفز في أعالي الغابات.. وأثناء تجولي مع المرشد السياحي في مدينة سراييفو (عاصمة البوسنة)، التي يشير الشق الأول من اسمها إلى "سراي" أي "القصر" باللغة العثمانية، وأثناء زيارتي إلى مقبرة شهداء مجزرة سربرنيتسا، وأثناء جولتي في المناطق المتضررة من الحرب، لم ألحظ وجود العرب فيها، بينما وجدتهم في أسواق المدينة القديمة!
كنتيجة للحرب الدامية، هُجر حوالي مليونين من المسلمين البوشناق إلى عدة دول في أوروبا، أهمها ألمانيا والنمسا. وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمان، كثيرون منهم لم يرجعوا إلى بلدهم
ما زلت أذكر ملامح وجهه الخمسيني الحزين، وأسمع صوته الذي بح من سرد قصص الحرب على المهتمين! أكمل السيد قائلًا: لسنا وحدنا من يفتقدكم، فلسطين كذلك! (وكانت حرب 7 أكتوبر/ تشرين الأول في غزة قد دخلت سنتها الثانية). صمتُّ لوهلة، وآثرتُ الصمت مع ابتسامة خفيفة.
مرشدنا علي أديروفيتش، هو جندي سابق كان عمره لا يتجاوز ثمانية عشر عامًا عندما بدأت الحرب في البوسنة، ولحسن الحظ لم يصب جسده في الحرب ولم يفقد أهله، إلا أنه بعد انتهاء الحرب أصيب بالاكتئاب وأدمن على الماريجوانا، ثم خضع للعديد من جلسات العلاج النفسي بعدها.
سألتُه مقاطعة حديثه الهادئ بدرجة صوتية رتيبة: هل كان لعائلتك دور في رحلة التعافي؟ أجاب: "بالتأكيد"، ثم أخذ يسرد بهدوء فضل والدته ثم والده، ثم زوجته المسلمة التي كان لها -حسب قوله- أكبر العون.
كان علي والعديدون غيره يتحدثون عن الحرب وكأنها انتهت البارحة؛ فمشاهد وأحداث الحرب حاضرة في أذهانهم تمامًا بعد مرور أكثر من 29 عامًا.
رُزِقت البوسنة موقعًا إستراتيجيًا مميزًا، يربط أوروبا المسيحية بالشرق المسلم.. وفي دول البلقان، العِرْق يقابل الدين؛ فالصرب هم مسيحيون أرثوذكس، والكروات هم مسيحيون كاثوليك، والبوشناق (البوسنيون) هم مسلمون بالأغلبية.
وبعد تفكك دولة يوغسلافيا الاشتراكية، التي كانت تضم كلًا من: البوسنة والهرسك، وصربيا، وكرواتيا، ومقدونيا، والجبل الأسود، وسلوفيينا، وبعد تصويت أغلبية البوسنيين على استقلالهم، بدأ الغزو الصربي في أبريل/ نيسان من عام 1992، ولم ينتهِ إلا بعد إبرام معاهدة دايتون في باريس أواخر عام 1995.
كنت أقارن ما أسمعه وما أقرؤه عن حرب البوسنة بما عايشته داخل غزة خلال اعتداء الصهاينة، وسرعان ما وجدت الكثير من التشابه.. هو تشابه وليس تطابقًا؛ فما حدث في غزة الصامدة لن يشبهه أي حدث، مع أنّ المجاعة حاضرة في المشهدين
كنتيجة للحرب الدامية، تهجر حوالي مليونين من المسلمين البوشناق إلى عدة دول في أوروبا، أهمها ألمانيا والنمسا. وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمان، كثيرون منهم لم يرجعوا إلى بلدهم، ولا يزال الصرب يسكنون مناطق في عمق الأرض البوسنية في أشبه ما يكون بإقليم حكي ذاتي.
"انظري إلى هذه البيوت، يسكنها رجل وحيد أو امرأة، من دون ذرية، فهم يعملون في أوروبا ويرسلون الأموال إلى عوائلهم"… كانت معظم البيوت مكونة من طابقين، كبيرة وخاوية وحزينة! أطلّت عجوز من نافذة بيت وقالت بلغتها الأم ما معناه: "أخبرهم عن الحرب يا بني، أخبرهم عما عشناه في أيامنا".
كنت أقارن ما أسمعه وما أقرؤه عن حرب البوسنة بما عايشته داخل غزة خلال اعتداء الصهاينة، وسرعان ما وجدت الكثير من التشابه.. هو تشابه وليس تطابقًا؛ فما حدث في غزة الصامدة لن يشبهه أي حدث، مع أنّ المجاعة حاضرة في المشهدين.
في متحف "الحرب والإبادة" الأشهر هناك، اطلعت على شهادات الأطباء الذين سكنوا المستشفيات لعلاج سيل الجرحى الذي لا ينتهي، ورأيت أوعية المياه البلاستيكية التي كان البوشناق يحملون الماء فيها أثناء حصار الصرب مدينتهم، وأكياس الأرز والدقيق، وعلب التونة واللحوم المحفوظة والبازلاء، التي استطاعت المنظمات الإغاثية توزيعها على المدنيين بعد مرور ثلاث سنوات من الحرب، ولولا غنى الأرض بالأنهار والبحيرات لمات الناس عطشًا.. ألا يشبه ذلك ما يحدث في غزة؟
والتبرير هو تمامًا كتبرير الصهاينة لإبادة الشعب الفلسطيني على أنه رد فعل طبيعي لأحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول؛ فالصرب -وبشكل غير رسمي- برروا غزوهم بأن البوشناق خائنون تدينوا بدين العدو (ويقصدون العثمانيين المسلمين)، كما أن الهالكين والمعاصرين منهم لا يعترفون بجرائم الحرب التي ارتكبوها في حق البوشناق، حيث قُتِل ما لا يقل عن 8 آلاف مسلم ومسلمة خلال 4 أيام فقط في سربرنيتسا، ويبررون ما حصل بادعاء أن موت المدنيين لا مفر منه في أي حرب! ولقد صدرت أحكام قضائية بالسجن المؤبد على بعض الرؤوس الصربية المدبرة لمجازر البوسنة، التي تمت على الرغم من وجود قوات الأمم المتحدة.
عندما تزور هذه البلاد فإنك تجد أن جميع أسماء الشهداء المسطرة على جدران المقابر والمتاحف هي أسماء إسلامية، وتشاهد جميع صور الأمهات المنتحبات على أولادهن يظهرن فيها باللباس الإسلامي، ثم تجد من ينكر حدوث التطهير العرقي للمسلمين في البوسنة، والعجب أن بعض البوسنيين ممن لم يعاصروا الحرب ينشر هذا الزعم أيضًا!
تلفت انتباهك أعلام فلسطين على أبواب مقاهي الحارة التاريخية، وملصقات متفاوتة الأحجام مناهضة لحرب غزة على أعمدة محطات انتظار الباصات، وجداريات الغرافيتي المصبوغة بألوان علم فلسطين
في سراييفو، تشم رائحة إسطنبول بمجرد أن تدخل حارتها القديمة، فماء السبيل الجاري أسفل القبب الصغيرة والمنارات المخروطية للمساجد يحييك من بعيد، والبيوت الحجرية الصغيرة تدفئك تحت أسقفها الخشبية، فقد فتحت الدولة العثمانية هذه البلاد في القرن الخامس عشر بعد الميلاد، واستمر حكمها لمدة لا تقل عن 400 عام.
أجلس في الميدان وأتأمل في مظاهر الحياة التي لا تنام قبل العاشرة مساء، ينادي التركي على أخيه، ويتسوق العربي سائلًا عن سعر البضاعة، ويتجول الصينيون وسط جماعات كبيرة، وينشغل البوسنيون بتحصيل رزقهم.
تلفت انتباهك أعلام فلسطين على أبواب مقاهي الحارة التاريخية، وملصقات متفاوتة الأحجام مناهضة لحرب غزة على أعمدة محطات انتظار الباصات، وجداريات الغرافيتي المصبوغة بألوان علم فلسطين بين البيوت؛ فبسبب ما ذاقه البوسنيون من ويلات الحرب، ولأنهم أيضًا مسلمون، فهم داعمون للقضية الفسطينية حتى النخاع!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

