الدار البيضاء كما تسكنني لا كما يراها العابرون

جامع الحسن الثاني في مدينة الدار البيضاء (الجزيرة)

الدار البيضاء ليست مجرد مدينة تنبض بالحياة، بل هي الحياة نفسها بكل تناقضاتها.. صخبها وصدقها، بحرها وضجيجها، حنينها واندفاعها.
هي أكبر مدن المغرب، وعاصمته الاقتصادية، وثالث أكثر مدن أفريقيا سكانًا بعد لاغوس والقاهرة.

سماها البرتغاليون "كازا برانكا" (Casa Branca) بعدما وجدوا بها بيتًا أبيض في القرن السادس عشر، ثم أطلق عليها الإسبان "كازا بلانكا" (Casa Blanca).

أما المغاربة، فاختصروا اسمها إلى "كازا"، الذي يعكس مزيجًا من معمار الحضارة العربية والإسلامية وتأثيرات الهندسة المعاصرة.

تحتضن المدينة القديمة جدرانًا تحكي قصص الزمن، أسوارًا تحمي نبض الحكايات، حيث تقف قبة "سيدي بو سمارة" وساحة "لا كوميدي" شاهدة على عبق الماضي وعطر الأجداد

تنبض بورصة الدار البيضاء بقلب المدينة، الثالثة في أفريقيا بعد جوهانسبرغ والقاهرة، كأنها نبض اقتصادي يتردد في عروقها، يمنحها القوة والإصرار على المضي قدمًا.

نشاطها الاقتصادي متنوع وحيوي، يمتد من مصانع الطيران وصناعة السيارات، إلى الإلكترونيات والصناعات الغذائية، مرورًا بالخدمات والبناء والسياحة.

ورغم هذا الصخب الصناعي، تجد في شوارعها أناسًا يحملون أحلامهم، ينحتون الحياة بعرق جبينهم، ينسجون الأمل مع كل يوم جديد.. في البيضاء، الاقتصاد ليس مجرد أرقام أو مشاريع، بل هو قصص بشرية، دموع فرح، عرق تعب، وضحكات لا تنكسر.

تمتلك الدار البيضاء أكبر مطار في المغرب، مطار محمد الخامس الدولي، الذي يستقبل العالم القادم إليها كضيف عزيز. هو ميناؤها الأكبر في البلاد، يمتد على 520 هكتارًا من المسطحات، وأكثر من ثمانية كيلومترات من الأرصفة.. شريان حياة يربط المدينة بالعالم، يصدح بأصوات السفن وقصص البحارة، حاملًا معها أحلام وتجارب تعد ولا تحصى.
شبكة الطرق الحديثة، والسكك الحديدية، وقاطرات الترام التي تخترق المدينة كنبضات قلب، تربط بين أحيائها الهامشية والدينامية الاقتصادية والاجتماعية، تجعل كل ركن منها يشعر بأنه جزء من كيان حي ينبض بالحركة والحياة.

إعلان

لم أكن يومًا ضيفًا عابرًا عليها، بل كنت مقيمًا مخلصًا، تعرفت إليها منذ أول خطوة على طرقاتها.. تسكّعت في أزقتها شابًّا يبحث عن ذاته، لا عن وجهة محددة. وبين زحمة المقاهي وضجيج الأسواق، وبين تعب الأرصفة وصخب الشوارع، وجدت نفسي.

درست في كلياتها، ونهلت من علمها، وصقلت شخصيتي كما يُشكَّل الفخار بين يدي الصانع الصبور.

في حي الأحباس، يلتقي الشرق بالغرب، تتزاوج الهندسة العربية الإسلامية مع الفن الأوروبي، تحكي أقواسه وحجارته قصة حضارة متعددة الألوان، مسكونة بروح الماضي والحاضر

في البيضاء، تعلمت مهنتي من الناس والشارع، من صبر الأيام ومثابرتها، ومن صراعات المدينة التي لا تهدأ.

كل زاوية هنا تنبض بعلاقات حية، وجوهرها الصدق والوفاء.. فيها وجوه لا تغيب عن ذاكرتي، وذكريات عصية على النسيان، وأحاديث لا تموت مهما طال البعد.

ليل الدار البيضاء يختلف كليًّا عن نهارها.. هي لا تنام، بل تستقبل الحياة بحبها المرِح، بعنادها الوفي، وبروحها المتجددة التي لا تعرف الندم.
تعيش يومها بكل ما فيه، وتدعوك لأن تفعل الشيء نفسه.

في قلب هذه المدينة، أحببت "الوداد".. فريقٌ صار مرآتي، ومجدي الصغير. معه عرفت الفرح، عرفت البكاء، تعلّمت الانتماء، وتدرّبت على الصبر.
"الوداد" ليس مجرد نادٍ رياضي، بل هو امتداد لحبي للمدينة، جزء من ذاكرتها ومن وجدان قلبي.

الدار البيضاء -كما يقولون- عاصمة الاقتصاد، لكنها قبل كل شيء… عاصمة الروح. تمنحك الانتماء دون أن تسأل من أين أتيت، فتصبح واحدًا من أهلها منذ أول لحظة. فيها ضحكت، تعثّرت، نهضت، تعلّمت… وهنا أصبحت كما أنا اليوم.

تتنفس المدينة عبق التاريخ في مسجد الحسن الثاني، ذلك الصرح العظيم الذي يعلو فوق الماء، مئذنته شاهقة كسماء لا تعرف الحدود، يستوعب في رحابه آلاف الأرواح الباحثة عن السكينة والصفاء.

تحتضن المدينة القديمة جدرانًا تحكي قصص الزمن، أسوارًا تحمي نبض الحكايات، حيث تقف قبة "سيدي بو سمارة" وساحة "لا كوميدي" شاهدة على عبق الماضي وعطر الأجداد.

وفي حي الأحباس، يلتقي الشرق بالغرب، تتزاوج الهندسة العربية الإسلامية مع الفن الأوروبي، تحكي أقواسه وحجارته قصة حضارة متعددة الألوان، مسكونة بروح الماضي والحاضر.

ويمتد كورنيش عين الذياب كلوحة بحرية تُرسم فيها ألوان الحياة بين المسابح والفنادق والمطاعم، بينما شارع محمد الخامس يشهد لقاء الأصالة بالمعاصرة، حيث تنسجم المباني لتروي قرنًا من الزمن في نغمٍ خالد.

الدار البيضاء ليست محطة في حياتي…
هي المسار، بل لعلّها… أنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان