في زمن تتسارعُ فيه وتيرة التطور التكنولوجي، يعجز الوالدان عن منع الأضرار النفسية والعقلية التي قد تلحق بأبنائهما نتيجة الاستخدام المسرف لأدوات الذكاء الاصطناعي، التي تتنامى بأعداد كبيرة كل يوم، وتقدم خدمات متنوعة تغري الكبير قبل الصغير.
مربط الفرس يكمن في منع توليد ارتباط عاطفي ما بين الأبناء وآلة الذكاء الاصطناعي، وأن يكون هناك هدف واضح ومحدد يريد أن يتوصل إليه الابن، وعليه يبني أسئلته بطريقة قوية ومباشرة
مكمن المشكلة
ويرى خبراء نفسيون وأكاديميون أن المشكلة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في الطريقة التي يتفاعل بها المستخدمون معه، وتبين أن الأفراد أكثر ميلًا للهشاشة النفسية إن استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي بكثافة، إذ قد تزرع في عقولهم الشك، ويترعرع القلق في دواخلهم، وينعزلون عن محيطهم الاجتماعي والعائلي، لأن الآلة أضعفت الروابط الإنسانية لديهم شيئًا فشيئًا، وعندها تتحول الهشاشة النفسية لاضطرابات، وعزلة خانقة، وربما انهيارات عقلية، ونهايات مأساوية.
وتكمن جذور المشكلة عندما يُكوّن المستخدم روابط عاطفية مع الشات، لدرجة أنه يصبح صديقه الحميم المفضل على الإنسان، وإذا لم يُحسن استخدام أدوات الدردشة الذكية، تصبح المحادثات مع الآلات التكنولوجية سببًا في تشويه إدارك الشخص للواقع وبشدة.
وبعض الحالات تتفاقم نتيجة الاستخدام المفرط، ويبدأ الذكاء الاصطناعي يقنعهم بواقع مزيف وخطير، خاصة إذا كانت أداة الذكاء الاصطناعي نفسها من النوع الذي يعزز السلوكيات السلبية ويدعم الأوهام، أو ينتج أفكارًا غير حقيقية لكنها قد تبدو مقنعة للمستخدم.
مربط الفرس يكمن في منع توليد ارتباط عاطفي ما بين الأبناء وآلة الذكاء الاصطناعي، وأن يكون هناك هدف واضح ومحدد يريد أن يتوصل إليه الابن، وعليه يبني أسئلته بطريقة قوية ومباشرة.
فكر الأب قليلًا وقال: "يمكننا البحث في كتاب العلوم أو سؤال المعلم." وصفقت الأم موافقة على رأي الأب وأضافت: "صحيح جاسم، ماذا لو أعطتك الآلة إجابات مختلفة؟ كيف ستقرر أيها تثق به؟"
جاسم والتفكير النقدي
"جاسم" طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، وهوفضولي بطبعه، يطرح أسئلة على والديه باستمرار… "ما هو أسرع حيوان؟"، و"كيف تطير الطائرات؟"، و"لماذا السماء زرقاء؟"… ومن حسن حظه أن والديه يتمتعان بسعة الصدر، ويشجعانه على استخدام التفكير النقدي في كل ما يقرأ ويبحث، وطلبا منه ذات مرة استخدام مساعد ذكاء اصطناعي ليجيبه عن أسئلته.
ذات مساء، سأل جاسم الآلة: "لماذا لدينا فصول؟"؛ فأجابته على الفور: "ميل محور الأرض هو ما يسبب الفصول أثناء دورانها حول الشمس"! فكر جاسم قليلًا، ثم اقتنع بالإجابة، لكن أمه تدخلت قائلة: "انتظر يا جاسم، كيف تعرف أن هذا صحيح؟". أطرق جاسم برأسه وقال باستهجان: "آلة الذكاء الاصطناعي قالت هذا".
هنا تدخل الأب وتوجه نحو ابنه بكليته، والتقت أعينهما، وربت على كتفه الأيمن وقال: "يا بني، ليس الأمر هكذا.. من المهم التحقق من المعلومات. دعونا نفكر بشكل نقدي؛ كيف يمكننا التحقق من صحة ذلك؟".
فكر الأب قليلًا وقال: "يمكننا البحث في كتاب العلوم أو سؤال المعلم". وصفقت الأم موافقة على رأي الأب وأضافت: "صحيح جاسم، ماذا لو أعطتك الآلة إجابات مختلفة؟ كيف ستقرر أيها تثق به؟".. لمعت عينا جاسم وقال في حماس: "سأتحقق من عدة مصادر لأرى أيها الأكثر منطقية".
فرح أبوه لأن جاسم أصبح يفكر بشكل نقدي، وتعلم أن الذكاء الاصطناعي هو نقطة انطلاق، وإجاباته قابلة للخطأ والصواب، ويبقى الإنسان صاحب اليد العليا عندما يسأل السؤال الصحيح ولا يأخذ أية إجابة ككلمة أخيرة
صلة متينة
مع الوقت، تحولت مشاركة الأبوين اهتمامات ولدهما جاسم إلى صلة متينة، وعلاقة تفاعلية، يعملان كفريق واحد في رحلة التفكير النقدي، وأصبح جاسم في كل مرة تعطيه الآلة إجابة، يرد عليها بأسئلة متتابعة: "كيف تعرفين ذلك؟"، "هل يمكنك أن تُظهري لي دليلًا؟"، "ما هو الجانب الآخر من الحجة؟".
وفي أحد الأعياد كان جاسم يزور بيوت الأقارب والأصدقاء مع والديه، وجمع حبات كثيرة من الشوكولاتة، لم يستطع تناولها في نفس اليوم، وخطر على باله أن يسأل الذكاء الاصطناعي، فأجابه: "الشوكولاتة صحية لأنها تحتوي على مضادات الأكسدة".
فكر جاسم قليلًا وسأله: "لكن، أليست مليئة بالسكر أيضًا؟ كم من الشوكولاتة سأحتاج أن آكل للحصول على مضادات الأكسدة هذه؟ هل الأمر يستحق ذلك حقًا؟".
فرح أبوه لأن جاسم أصبح يفكر بشكل نقدي، وتعلم أن الذكاء الاصطناعي هو نقطة انطلاق، وإجاباته قابلة للخطأ والصواب، ويبقى الإنسان صاحب اليد العليا عندما يسأل السؤال الصحيح ولا يأخذ أية إجابة ككلمة أخيرة ومثالية، بل يحلل ويتساءل ويبحث، ثم يتخذ قرارات مستنيرة. وقالت أمه: عزيزي جاسم، اعلم أن التفكير النقدي لا يعني التشكيك في كل شيء، بل فهم "السبب" وراء "الشيء".
جاسم صاحب مؤثر
بعد سنوات، نضج جاسم وأصبح مراهقًا متفكرًا وتحليليًّا، وذات مرة سأله أصدقاؤه عن السبب في أنه يبدو دائمًا صاحب أفضل الحجج، فابتسم وقال: الأمر لا يتعلق بامتلاك جميع الإجابات، إنه يتعلق بمعرفة كيفية طرح الأسئلة الصحيحة، والفهم العميق للنصوص، والبحث عن الدليل والحجة للحقائق والمعلومات.. هل تذكرون تقريرالشهر الماضي عن قصة مبادئ علم الاجتماع؟ لم أعتمد على المعلومات من النت، بل رجعت إلى مصادر أخرى موثوقة من المكتبات، لأثري معلوماتي وأتأكد من صحتها، وأثناء قراءتي أسأل "لماذا؟" و"كيف؟" و"ما الأسس؟".. صدقوني، عقولنا هي الميزان والكشاف، أما الكتب والذكاء الاصطناعي فمجرد أدوات نستعين بها، وعقلنا هو الحكم الأخير.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

