"عيدٌ بأية حالٍ عدتَ يا عيد".. مطلع أبيات من قصيدة الشاعر أبي الطيب المتنبي، رددها الفلسطينيون دومًا، وكُتبت على جدران حواريهم وأزقتهم وبيوتهم؛ فدومًا اقترن العيد بالحزن والمعاناة والألم، بسبب الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه واعتداءاته، لكن الوضع الآن يختلف كليًا.
للعام الثاني على التوالي، لم يأتِ العيد بتاتًا في قطاع غزة، وعشية عيد الأضحى يعيش القطاع حرب إبادة قضت على كل -بل أبسط- معالم الحياة، فاختفت ملامح وطقوس العيد، فلا تجهيزات ما قبل العيد في الأسواق، والحركة الشرائية معدومة، ولا زينة ولا صلاة عيد، ولا أضاحيَ ولا زيارات للأرحام والأقارب والجيران والأهل.
غابت عن شوارع القطاع ملامح البهجة والفرحة، واختفت حبال الزينة والإضاءة الملونة وألعاب الأطفال، وحل مكانها الركام والدمار في كل الشوارع والأحياء والأزقة، والمنتزهات العامة المُدمَّرة، والأراجيح المكسرة والمحروقة
عيد بلا أضحية في غزة، التي تميزت بالأضاحي وذبحها في المسالخ الرسمية ومداخل البيوت، أو حتى في الطرقات، في مشهد لم يغب عن غزة طوال عمرها، حتى في أصعب ظروفها، لكنه يختفي اليوم للعام الثاني؛ بسبب الحرب والقتل اليومي وإغلاق المعابر، علمًا أن غزة في عام 2023 -أي ما قبل حرب الإبادة- شهدت ذبح نحو 17 ألف رأس من العجول، ونحو 24 ألف رأس من الأغنام، في حين لم تُذبح أضحية واحدة العام الماضي، والعام الحالي سيكون الحال كذلك في ظل إغلاق المعابر من قبل الاحتلال ومنع إدخال أي شيء.
غابت عن شوارع القطاع ملامح البهجة والفرحة، واختفت حبال الزينة والإضاءة الملونة وأراجيح الأطفال، وحل مكانها الركام والدمار في كل الشوارع والأحياء والأزقة، والمنتزهات العامة المُدمَّرة، والأراجيح المكسرة والمحروقة.
عيد والناس تعيش الموت كل لحظة، وتنزح من بيوتها وشوارعها لتسكن الخيام ومراكز الإيواء بلا مقومات للحياة، وبلا طعام ولا شراب، والمرض ينتشر بين أطفالها بسبب سوء التغذية.
من لهؤلاء اليوم، وهم يعيشون الجوع الحقيقي؟ الجوع الذي دفعهم لأكل الطحين المسوس، جوع قتل أطفالهم وكبارهم بسبب سوء التغذية، جوع حرمهم اللحوم والخضراوات والفواكه وجميع أنواع الطعام، حتى وصل رغيف الخبز!
عيد يأتي والناس في مجاعة حقيقية، حذرت منها كل الهيئات والجهات الدولية والحقوقية، دون أن يتحرك أحد بشكل فعلي للضغط على الاحتلال لوقف هذه الإبادة ومحاربة الناس بالتجويع.
في العيد، حيث كانت الأضاحي تصل كل فقير وكل محتاج وكل مواطن في غزة بكميات كبيرة، تعوضهم عن عدم قدرتهم على شراء اللحوم طوال العام، بسبب الوضع المعيشي الصعب، وارتفاع نسبة الفقر، تصلهم بكميات كبيرة من خلال أقربائهم وجيرانهم ميسوري الحال، ومن خلال الجمعيات والمؤسسات الخيرية، حيث كانت تعوضهم عن حرمانهم منها لفترات طويلة، وتدخل البهجة والسرور على العائلات والنساء والأطفال والرجال.
من لهؤلاء اليوم، وهم يعيشون الجوع الحقيقي؟ الجوع الذي دفعهم لأكل الطحين المسوس، جوع قتل أطفالهم وكبارهم بسبب سوء التغذية، جوع حرمهم اللحوم والخضراوات والفواكه وجميع أنواع الطعام، حتى وصل رغيف الخبز!. من لهؤلاء ممن يعيشون وضعًا إنسانيًا هو الأسوأ منذ بداية الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وفق تحذير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"؟
فالواقع في القطاع لا يتخيله عقل، وكافة الأخبار الصادرة عن جهات دولية عدة تشخص الواقع في القطاع؛ فالمتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قال إن واحدًا من كل 5 أشخاص في غزة يواجه المجاعة، في حين يواجه السكان بأكملهم مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد وخطر المجاعة.
كذلك، حذر بيان صحفي مشترك لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للأطفال (يونيسيف) من أن خطر المجاعة يهدد جميع أنحاء غزة، وأن الأسر تتضور جوعًا، في حين أن ما يحتاجونه من غذاء عالق على الحدود، وأن أكثر من 116 ألف طن من المساعدات الغذائية، تكفي لإطعام مليون شخص حتى 4 أشهر، جاهزة عند ممرات المساعدات لإدخالها، ما يتطلب من المجتمع الدولي التحرك فورًا لاستئناف تدفق المساعدات إلى غزة مجددًا.
أما منظمة الصحة العالمية، فقالت إنه يجب إنهاء حصار غزة، فالناس يموتون بينما الإمدادات على بعد دقائق وجاهزة للتوزيع!
فماذا ينتظر العالم بعد هذا؟.. وهل سيبقى الموقف الدولي مقتصرًا على البيانات دون تدخل حقيقي وفاعل وضاغط لإنهاء هذه الكارثة الحقيقية؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

