ليست الحروب مجرد أرقام تُعدّ أو تقارير تروى، بل هي أرواح تُحرق في صمت، وأحلامٌ تجهض قبل أن تولد. في غزة، هناك وجع لا تراه الكاميرات، وجراح لا تقاس بالأمتار، بل تقاس بدموع الأمهات وصمت الأطفال.
من قلب المأساة، خرج هذا النص الشعري، يحمل في أبياته صوت طفل نازح، تمزّق بيته وغاب أهله، لكنه لم يفقد كرامته ولا صوته.
ليست هذه القصيدة مجرد بكائية على طفل غادر منزله مجبرًا، بل هي صرخة في وجه العالم الصامت.. إن أطفال غزة لا يحتاجون فقط إلى التعاطف، بل إلى العدالة، إنهم لا يكتبون الشعر، لكن خطواتهم على الطرقات المدمرة تقول كل شيء
وواحرَّ قلبي من طفل به ألمُ .. يمشي وتحت ركام الظلم ينهزم
كم مرة قال: "ما لي في المدى رغَب" .. وإن تكلم قال الدمع: "ما حلموا"
يمضي وحيدًا كأن الأرض قد نبذت .. طفلًا يجر خطاه الدربُ والعدم
ما عاد يحمل ألعابًا كأقرانه، بل .. يحمل الأوجاع في الأكتاف يلتحم
من ذا يعلّم طفل الحرب بسمته؟ .. والقصف أشرع أبواب الردى لهم
يا أيها العالم المرسوم من ورق .. هل تدركون الذي في صدره ألم؟
جفت عيون صغار الأرض من دمهم .. لكن مدى الجرح في أرواحهم عَظم
يمضي، وخلف خطاه الموت متقد .. ترجوه أمه: "ارجع"، فينصرم
كأنه شيخ ستينٍ يئنّ، وفي .. صدر الطفولة جرح ليس يلتئم
لو أن للأرض قلبًا كانت قد بكت .. أو أن في الحجر الإحساس يلتحم
لكن أراه وفي عينيه ملحمة، من .. عزة النفس، وعزم ليس ينهزم
يمشي ويجر بقايا العمر منهكه .. لا الكتف تحمل أثقالًا ولا القدم
كأنه فوق جرح الأرض منكسر .. والحمل ما بين أشلاء الأسى نظموا
نظر إلى بيته المنهار من كمد .. كأنه سقف ذكرى هدَّه العدم
هنا الضحى، هنا ألعابه، وهنا .. كانت له ضحكات تُرتجى ونِعَم
هنا أبوه يناديه إذا فرحوا .. وهنا تغني له الأم وتبتسم
فصار كل الذي يحيا لأجلهم .. نفيًا، وغابت مع الأنقاض كلهم
يا بيته… كيف ذاب الحب في حجر؟ .. وكيف ماجت خطاه والرؤى تضم؟
برمشة العين، كم أمسى له وطن .. كأنه كذبة في الحلم تنهدم
يمضي ويلتفت الأشلاءَ يسألها .. هل كنتُ حقًا هنا؟ أم ذاك ما رُسِموا؟
حتى إذا ما مضوا للخَيم منحنين .. كأنهم فوق أكفان الأسى قدموا
خيامهم لا تقي صيفًا إذا اشتعلت .. ولا تداوي إذا ما لفّهم سقم
تئن من ضيقها الأرواح مختنقًا .. كأنها فوق سجن جاثم خدموا
وفجأةً… صعق الفتى، إذ جاءه خبر .. ما كان يحتمل القلب الذي علموا
قالوا: "صديقك، ذاك الطفل، ما بقي .. قصفت دياره، واستشهد الحلم"
فارتد دمع الفتى نارًا، يعانقه .. صوت من الذكريات الغر ينتقم
"يا صاحبي! أين أنت الآن؟ هل سكنت .. فيك الجراح كما في صدرنا الألم؟
أما تذكر؟ كنا نركض الحي في فرح .. ونجمع الضحكات، العمر مبتسم
كنا نخطط أحلام الطفولة في .. درب بريء، به الأنفاس تحتدم
واليوم وحدي أمرُّ، الأرض باردة .. وذكرك الحي في صدري له نغم
يا من تركت بقلبي غصةً قتلت .. في داخلي كل معنىً كان يبتسم"
قال الفتى: "يا أبي، أين الجيوش؟ أما .. للعُرب من صولة تُخشى وتُحترم؟
أين الدبابات؟ أين الطائرات؟ أما .. للعرب من سربِ نصرٍ فيهم نَسَم؟
إن لم يريدوا سلاحًا، فيه يحمينا .. فليفتحوا باب المعابر، لابالغدر يلتزموا"
قال الأب: لا، بل صمت على شفة .. كأنه قد جُرِحنا حين نبتسم
لم يستطع أن يجيب الطفل، من ألم .. كأنه الأب نفسُه دمعٌ به يُضَم
نظر إليه وذاك البعد يسكنه .. كأنه في سؤال الموت يلتهم
يا ويح ذا الطفل كم في صوته وجع .. لو زُلزلت به جبال الأرض لانهدموا
صرخ الطفل من أعماقه ألمًا .. "أما من العرب الأحرار من حَمَمُ؟
أما من القلب نبض حين يذبحنا؟ .. أما سمعتم؟ أما فيكم من اهتضموا؟
سجنت طفولتنا في نار مجزرة .. ونحن ما بين موت أو ندى ندم
لكنني -رغم جوعي- لا أسلِمني .. لليأس، إني إلى الرحمن أعتصم
سأبقى في الأرض، لا خوف يزلزلني .. وإن هدموا كل شيء، فالهدى قسم
أنا ابنها، من عروق النخل منسجها .. وفي دمي نار من في القدس قد قدموا
إن نامت الأرض، فالأقصى يناديني .. وإن صمتُّم، ففي أضلاعي العلم
ستكتبون غدًا: من بين أوجاعهم .. خرج الفتى، وعلى الجرح ارتقى الحلم"
من بين الأنقاض يولد الأمل، ومن عمق الجراح يصنع الحلم، وحين نصغي لأصواتهم، نكون قد بدأنا أول خطوة في طريق التغيير
ليست هذه القصيدة مجرد بكائية على طفل غادر منزله مجبرًا، بل هي صرخة في وجه العالم الصامت.. إن أطفال غزة لا يحتاجون فقط إلى التعاطف، بل إلى العدالة، إنهم لا يكتبون الشعر، لكن خطواتهم على الطرقات المدمرة تقول كل شيء.
من بين الأنقاض يولد الأمل، ومن عمق الجراح يصنع الحلم، وحين نصغي لأصواتهم، نكون قد بدأنا أول خطوة في طريق التغيير.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

