مطولات البودكاست: قالب حواري مبتكر أم فقاعة إعلامية آفلة؟

الكاتب: ارتفع عدد متابعي البودكاست في السنتين الماضيتين في الولايات المتحدة وحدها ارتفاعًا مهولًا (بيكسلز)

في عالمنا المعاصر اللاهث خلف عقارب الساعة، المَفتون بالمحفزات البصرية، برزت منصات البث الصوتية "البودكاست" لتضرب مسلمات اتفق عليها منظرو الإعلام الجديد وخبراؤه، من أهمها أن عصر الإذاعة والمحتوى الصوتي يلفظ أنفاسه، ولم يعد لدى متلقي الرسالة الإعلامية من فضول الوقت ما يصرفه للاستماع لمقابلة حوارية، يتحدث فيها ضيف واحد عن بطولاته الشخصية، وتمتد أحيانًا لساعات بلا فواصل.

هذا الصعود يثير تساؤلات عن الأسباب الكامنة وراء هذا الإقبال؛ أهي البحث عن المعرفة، أم السعي إلى الاستماع لقصص الآخرين، أم شيء أعمق من هذا وذاك؟

يعكس صعود البودكاست المطول تحولًا في المشهد الإعلامي، وهناك شعور متزايد بأن وسائل الإعلام التقليدية تعيش فترة ركود. ومع ازدياد الاستقطاب السياسي تراجعت مصداقية بعض المحطات، وانتقلت شريحة من الجمهور من متابعة وسائل الإعلام الرئيسية إلى البودكاست.

استغل دونالد ترامب وفريقه هذه المساحة إستراتيجيًّا خلال حملته الرئاسية 2024، وأجرى مقابلات مع 14 مقدمًا للبودكاست في الولايات المتحدة، بينما أجرت منافسته كامالا هاريس ست مقابلات فقط

لقد ارتفع عدد متابعي البودكاست في السنتين الماضيتين في الولايات المتحدة وحدها ارتفاعًا مهولًا، وجذبت قنوات مشاهير البودكاست هناك -مثل ليكس فريدمان وجو روغان وثيو فون- أرقامًا كبيرة من المتابعين المخلصين، الذين يصل عددهم أحيانًا إلى أكثر من 160 مليون مستمع شهريًّا.

ويبدو أن هذه الأرقام، التي تعبر عن التأثير والحضور القوي لهذه المنصات، لفتت انتباه شخصيات وسياسيين بارزين، مثل دونالد ترامب وإيلون ماسك وناريندرا مودي، الذين حلوا ضيوفًا على هذه البرامج.

وأصبحت مقابلات البودكاست المطولة اليوم قالبًا من القوالب الإعلامية البارزة التي تستقطب جمهورًا واسعًا، لأنها تمنح المستمعين فرصة متابعة حوار إنساني طبيعي بين شخصين، وتوفر بيئة ودية مريحة للحوار، مقارنة بالمقابلات الإعلامية التقليدية، ما يدفع الشخصيات المشهورة -وفيهم السياسيون وصناع القرار- إلى قبول المشاركة فيها، لإدراكهم أن أغلب مقدمي هذه المنصات لن يوجهوا نفس الأسئلة الصعبة التي قد يطرحها عليهم مذيعو النشرات والبرامج الحوارية التلفزيونية الشهيرة؛ فرغم أن مقدمي البودكاست يطرحون أسئلة جيدة وذكية، فإن النمط العام لهذه المقابلات غالبًا ما يكون أقل حدة، ما يتيح للضيف المراوغ تجاوز بعض الأسئلة بسهولة.

إعلان

استغل دونالد ترامب وفريقه هذه المساحة إستراتيجيًّا خلال حملته الرئاسية 2024، وأجرى مقابلات مع 14 مقدمًا للبودكاست في الولايات المتحدة، بينما أجرت منافسته كامالا هاريس ست مقابلات فقط.

هذا التركيز على البودكاست سمح لترامب بالوصول إلى أكثر من 65 مليون مستمع، وكان له دور هائل في تعزيز قدرته على إقناع الجماهير التي كان يسعى إلى حشدها للتصويت. لقد كانت هذه المنصات بمثابة طريق مختصر لتجاوز وسائل الإعلام التقليدية وتجنب الأسئلة الصعبة، خاصة بعد أن اتخذت قنوات تلفزيونية أميركية عديدة قرارًا واعيًا بعدم بث خطابات ترامب مباشرة دون رقابة أو تدقيق.

يبرز غياب "ضوابط" العمل الصحفي المهني والتحقق من الخبر كأحد الجوانب السلبية، التي قد تؤثر على استمرارية صعود منصات البودكاست؛ فبينما توفر مساحة أوسع للحوار، قد تفتقر لأدوات التحقق من المعلومات

ومن المثير للاهتمام أن العديد من مقدمي البودكاست السياسيين في أميركا، خاصة من اليمين، شخصيات إعلامية سابقة، وهؤلاء يعملون الآن بـ"تحرر" من القيود التي كانت مفروضة عليهم في غرف الأخبار، وباتوا اليوم قادرين على تقديم محتوى يجذب الجمهور بشكل مباشر، والتعبير عن آرائهم بحرية أكبر.

وفي منطقتنا العربية، يعكس التنافس المتزايد بين منصات البودكاست تغيرًا في طريقة تلقي الأخبار والمعلومات، وصناعة التأثير الرقمي. وتكشف الإحصائيات أن السعودية أكثر الدول العربية استماعًا للبودكاست، وزادت نسبة متابعي هذه المنصات في منطقة الخليج في 2023 بأكثر من 25%، وأن أكثر مستمعي البودكاست عربيًّا ينتمون إلى فئتي الشباب والموظفين.

في المقابل، يبرز غياب "ضوابط" العمل الصحفي المهني والتحقق من الخبر كأحد الجوانب السلبية، التي قد تؤثر على استمرارية صعود منصات البودكاست؛ فبينما توفر مساحة أوسع للحوار، قد تفتقر لأدوات التحقق من المعلومات وصدقيتها.

لا شك أن مقابلات البودكاست المطولة قوة صاعدة في المشهد الإعلامي، وتوفر منصة فريدة للحوار المعمق وتجاوز القيود التقليدية لوسائل الإعلام.

وبينما تتيح فرصة للتواصل المباشر مع الجمهور، وتقديم رؤى إنسانية لشخصيات غابت أو غيبت عن وسائل الإعلام التقليدية، فإنها تواجه تحديات من أبرزها إجادة مقدمي هذه المنصات لتقنيات الحوار، وإدراكهم أهمية البحث والتحضير لضمان دقة المعلومات، والحفاظ على مستوى من التحدي النقدي البنّاء للضيوف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان