غزة المحاصَرة.. تحاصر إسرائيل في افتقارها للإنسانية

المجاعة في شمال غزة
الكاتب: طوّق جوع غزة الدولة العبرية وجلعها محاصرة عالميًّا وملاحقة دوليًّا من خلال التظاهرات والاحتجاجات (مواقع التواصل)

قال الفريق القطري للعمل الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة إن السلطات الإسرائيلية قوّضت قدرته على تقديم المساعدات الإنسانية الحقيقية، التي تقوم على مبادئ ثابتة، وتصل إلى الفئات الأكثر ضعفًا.

هذا، وحذَّر الفريق في بيان صحفي، يوم الخميس 29 مايو/ أيار الجاري، من أن الوضع الإنساني بلغ ذروته بعد مرور 600 يوم على اندلاع الحرب، حيث "تتعرض الأُسر للتجويع والحرمان من المقومات الأساسية التي تُيسر لها البقاء على قيد الحياة".

لا نقاش حول هدف حكومة بنيامين نتنياهو، ذات التوجه اليميني المتطرف، اعتمادَ سياسة التجويع بحق سكان غزة المحاصرين؛ بغية ترحيلهم بطريقة قسرية

بيان الفريق القطري توافق مع ما قاله المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، خلال مؤتمره الصحفي في نيويورك، حيث أكد أن القصف الإسرائيلي يطول مباشرة المستشفيات التابعة للصليب الأحمر أيضًا؛ بهدف توسيع الحصار ليطول القطاع الصحي أيضًا.

كما أن رفض دخول المساعدات الغذائية إلى القطاع، والتعمد في حصرها ضمن شركة أميركية، دليل على تأكيد الإجرام الإسرائيلي، الذي يوضح أن المشروع الأميركي الإسرائيلي لم يزل قائمًا على التهجير القسري للسكان؛ بهدف تغيير وجه القطاع.

لا نقاش حول هدف حكومة بنيامين نتنياهو، ذات التوجه اليميني المتطرف، اعتمادَ سياسة التجويع بحق سكان غزة المحاصرين، بغية ترحيلهم بطريقة قسرية. ولا نقاش في أن تلك المشهدية التجويعية التي تفرضها على غزة هي حقيقة واقعية، حيث تحولت رمزًا لإجرام الدولة بحق الناس العزل.

يعتبر المتابع أنه رغم وضع واشنطن مقترحاتها لوقف الحرب، عبر ما تقدم به المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، ورغم أنها حملت بنودًا لوقف إطلاق النار، والإفراج عن المحتجزين لدى حركة حماس، فإنّ الإسرائيلي وقع في فخ الابتعاد عن القيم الإنسانية؛ ففجاجة نتنياهو -على ما يبدو- لا حدود لها، وهو الذي أقرّ مساء الثلاثاء، 27 مايو/ أيار، باعتقال آلاف الفلسطينيين في غزة وتصويرهم عراة، زاعمًا أنه لا تظهر عليهم آثار سياسة التجويع الممنهج التي تنتهجها إسرائيل في القطاع المحاصَر منذ 600 يوم. حديثه هذا جاء في "المؤتمر الدولي لمكافحة معاداة السامية"، الذي نظمته الخارجية بالقدس الغربية، وفق صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية.

غزة المحاصَرة جوعًا نقلت من وسط معاناتها صورتين إلى العالم، واحدة ترتبط بقدرة الصمود على البقاء في الأرض، وعدم التخلي عن الهُوية

أن يعرض نتنياهو الناس بهذه الطريقة لكي يثبت أن جيشه لا يمارس سياسة التجويع، فهذا التصرف هو بذاته قمة اللاأخلاقية، ويُبرز فقدان الرجل لأبسط معايير الإنسانية. هذا ما جعل العالم يدين إسرائيل، ويعتبر ما تقوم به في غزة يرقى إلى مستوى الوحشية.

إعلان

دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الاتحاد الأوروبي إلى تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وفرض حظر شامل على تصدير الأسلحة إليها، ضمن الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على غزة.

لم تعد إسرائيل تحظى بغطاء غربي مطلق، لأنّ المواقف المتطورة من القضية الفلسطينية، وتحديدًا فيما يخصّ ما دعت إليه فرنسا بشأن الاعتراف بدولة فلسطين، ترتبط بالتبدّل العام للمزاج العالمي فيما يخصّ الحاضنة الرئيسية لدولة إسرائيل؛ إذ إن الفظائع التي ترتكبها تلك الدولة بحق الشعب الأعزل، تحت شعار محاربة حماس وتحرير الأسرى، هي دليل واضح على سياساتها التجويعية البعيدة كل البعد عن الإنسانية.

غزة المحاصَرة جوعًا نقلت من وسط معاناتها صورتين إلى العالم، واحدة ترتبط بقدرة الصمود على البقاء في الأرض، وعدم التخلي عن الهوية.

هذه الصورة لطالما أظهرها الفلسطيني ضمن مسار معاناته الطويلة مع هذا الكيان، الذي جلّ ما يريده هو بسط نفوذه على كامل الأراضي الفلسطينية، إذ رغم الدعوات للاعتراف بإقامة الدولتين، فإنّه لا يعترف بكيانية دولة فلسطينية معتبرًا فلسطين بالكامل أرضه. هذه السياسة الاستيطانية تجد لها داعمين داخل مراكز القرار في الدوائر الأميركية، لهذا لا خيار أمام سكان غزة سوى المقاومة من أجل البقاء والاستمرارية.

هل خسرت إسرائيل فعلًا مكانتها بين الدول الغربية، وأصبحت دولة محاصَرة في لاأخلاقياتها التي لا حدود لها؟ أم إن الإصرار الأميركي على وقف الحرب في غزة يصب في خانة فك حصار العزلة عن إسرائيل، قبل فك حصار الجوع عن غزة؟

أما الصورة الثانية التي يمثلها الصمود الغزيّ، ففيها إظهار وحشية وهمجية السياسات الإسرائيلية التي بات يلاحقها، لا بل أسقط شعارها (مكافحة معاداة السامية)، واستبدل به شعارًا جديدًا بات يترافق مع الصورة الإسرائيلية في العالم، بأنّها باتت دولة تمتاز بـ"معاداة الإنسانية".

طوّق جوع غزة الدولة العبرية، وجعلها محاصرة عالميًّا وملاحقة دوليًّا من خلال التظاهرات والاحتجاجات، وحتى الأحداث الأمنية التي تُرتكب تحت شعار "فلسطين حرة" دعمًا لغزة لوقف العدوان عليها.

أصبحت إسرائيل اليوم نموذجًا للدول الفاشية والنازية التي حكمت العالم في السابق، ومارست أبشع أنواع الجرائم والفظائع بحق الإنسانية جمعاء.

تعيش إسرائيل اليوم عزلة دولية لا مثيل لها ولم تشهدها في تاريخها، لقد تخلت عنها جميع الدول، حتى تلك التي شكلت الحاضنة لها منذ تأسيسها؛ فلعقودٍ من الزمن، وقفت ألمانيا في صف إسرائيل، حيث شكّل تاريخها المظلم في اضطهاد اليهود سياساتها الحديثة المتمثلة في دعمها شبه المطلق؛ لكن تعليق المستشار الجديد -فريدريش ميرتس- في تصاريحه الأخيرة، أثار التساؤلات بشأن إمكانية استمرار دولته في دعم إسرائيل.

فهل خسرت إسرائيل فعلًا مكانتها بين الدول الغربية، وأصبحت دولة محاصَرة في لاأخلاقياتها التي لا حدود لها؟ أم إن الإصرار الأميركي على وقف الحرب في غزة يصب في خانة فكّ حصار العزلة عن إسرائيل، قبل فكّ حصار الجوع عن غزة؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان