الجنوب اللبناني ينتخب تحت النار: رسالة صمود عشية عيد التحرير

أرشيف BEIRUT, LEBANON - MAY 15: A woman casts her ballot in parliamentary elections on May 15, 2022 in Beirut, Lebanon. Lebanese head to the polls for the first time since the protest movement of 2019, and amid the country's continued financial crisis. (Photo by Marwan Tahtah/Getty Images)
تجرَى الانتخابات البلدية في الجنوب اللبناني ظلّ واقع إنساني وأمني بالغ الخطورة يجعل من كل صندوق اقتراع فعل صمودٍ وتشبّثٍ بالسيادة (غيتي)

هي لعبة الأرقام بين زمنين وتاريخين، وإن في تكرار الأرقام أو الأحداث ما يوقظ الذاكرة، وفي تلاقي التواريخ ما يوقظ الوجدان!

وليس من المصادفة العابرة أن يتأتى الزحف الجنوبي للانتخابات البلدية والاختيارية في 25 مايو/ أيار 2025 في الجنوب ذاته، وتحت النار ذاتها، وإن اختلفت الوجوه وتبدّلت الأدوات.. هي لعبة الأرقام، لكنها أيضًا لعبة التاريخ، حيث تتقاطع السيادة بالمقاومة، والقرار الشعبي بالردّ على العدوان، في رقعة واحدة اسمها الجنوب اللبناني.

الجنوب، الذي كان في مايو/ أيار سنة 2000 ساحة خروج آخر جندي إسرائيلي مهزوم، هو ذاته الجنوب الذي يشهد في مايو/ أيار 2025 انتخابات بلدية تحت القصف

وبينما يستعد لبنان، الذي ما زال تحت النار، لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين لتحرير الجنوب في هذا اليوم، تخوض القرى والبلدات الجنوبية استحقاقًا بلديًّا واختياريًّا لا يشبه سواه.

انتخابات تُجرى تحت وقع القصف، وفي ظلّ واقع إنساني وأمني بالغ الخطورة، يجعل من كل صندوق اقتراع فعل صمود وتشبّث بالسيادة، لا مجرّد ممارسة ديمقراطية.

وما بين يوم التحرير الأول ويوم الاقتراع الراهن مسافة زمنية تحصي ربع قرن، لكنها تحوي أزمنة لا تُحصى من الألم والعنفوان! الجنوب، الذي كان في مايو/ أيار سنة 2000 ساحة خروج آخر جندي إسرائيلي مهزوم، هو ذاته الجنوب الذي يشهد في مايو/ أيار 2025 انتخابات بلدية تحت القصف، في مشهدٍ فريدٍ لا يجمع بين الفعل السياسي والمواجهة العسكرية فقط، بل يجعل من الانتخاب ذاته فعلًا مقاوِمًا، مع ما يشوب هذه العملية من مخاوف دبلوماسية.

ففي الجنوب، الذي لم يهدأ منذ الـ8 من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تسير العملية الانتخابية بثقلها في حقل ألغام، مع إصرار لبنان الرسمي على إجرائها؛ فقد أعلنت وزارة الداخلية والبلديات أن الانتخابات في محافظتي النبطية ولبنان الجنوبي قائمة في موعدها، رغم كل ما يحيط بها من تهديدات مباشرة، في تعبير صارخ عن تمسّك الدولة بواجباتها السيادية.

إعلان

وحتى اليوم، بلغ عدد البلديات التي فازت بالتزكية 95 بلدية: 43 في محافظة النبطية، و52 في محافظة لبنان الجنوبي، تتوزع بين أقضية صور، وصيدا، وجزين، والنبطية، وبنت جبيل، ومرجعيون، وحاصبيا، كما فاز 77 مختارًا بالتزكية.

لكن، خلف هذه الأرقام تقبع حقيقة مُرّة: الخوف من مغامرة إسرائيلية مجنونة.. فهذه التزكيات ليست فقط ثمرة تفاهمات سياسية، عائلية تقليدية، بل أيضًا وسيلة لتجنّب التجمّع والتنقّل، وحتى الاستهداف المباشر للمدنيين يوم الانتخاب.

 القصف الإسرائيلي الذي طال مناطق عدة في الجنوب مؤخرًا ليس حدثًا عابرًا، في ظل وقوع عدد من الجرحى، بينهم أطفال، أصيبوا جراء استهدافاتٍ متلاحقة، في تصعيدٍ يعكس نية الاحتلال ترهيب الناخبين، ومنعهم من التعبير عن إرادتهم

وأمام هذا الواقع، تحوّلت التزكيات -خاصةً في القرى الحدودية- إلى حلّ واقعي تفرضه الضرورات الأمنية.

الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) قادا تفاهمات داخلية مع العائلات والجهات المحلية لتفادي المعارك الانتخابية في وقت الدم والدمار، لكن ذلك لم يمنع بعض التنافسات في القرى التي بقيت بمنأى نسبي عن نيران الاحتلال.

القصف الإسرائيلي الذي طال مناطق عدة في الجنوب مؤخرًا -من تول قرب النبطية إلى المنصوري على الساحل، وصولًا إلى كفرشوبا في القطاع الشرقي- ليس حدثًا عابرًا، في ظل وقوع عدد من الجرحى، بينهم أطفال، أصيبوا جراء استهدافاتٍ متلاحقة، في تصعيدٍ يعكس نية الاحتلال ترهيب الناخبين، ومنعهم من التعبير عن إرادتهم.

والانتخابات البلدية في الجنوب لم تكن يومًا شأنًا تقنيًّا فقط، بل امتدادًا للمقاومة المدنية. واليوم، مع اقتراب ذكرى التحرير، يعود الجنوب ليرفع صوته.. ليس فقط ضد العدوان، بل من أجل إدارة شؤونه بنفسه، واختيار ممثليه المحليين رغم الحصار والنار.

ستُختتم الجولة الرابعة والأخيرة من الانتخابات البلدية في لبنان، لكنها في الجنوب ليست مجرد نهاية استحقاق إداري.. إنها رسالة شعب اختار أن يقف على قدمَيه

تقول مصادر أمنية: إن الدولة اللبنانية اتخذت إجراءات احترازية مشددة لتأمين العملية الانتخابية، لا سيما في القرى الحدودية التي تعرضت للدمار والتشريد. لكنّ مشهد المراكز المقفلة في بعض القرى -إمّا بسبب الخطر أو النزوح- يُحاكي وجع هذا الجنوب المكلوم.

ستُختتم الجولة الرابعة والأخيرة من الانتخابات البلدية في لبنان، لكنها في الجنوب ليست مجرد نهاية استحقاق إداري.. إنها رسالة شعب اختار أن يقف على قدمَيه، وينتخب مجالسه تحت القصف، في المكان ذاته الذي طُردت منه دبابات الاحتلال، وفي مثل اليوم الذي كان قبل 25 عامًا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان