صوت مثقفي الدروز في وجه الانغلاق الطائفي

الدروز بين مواقف الحياد ومخاطر الاصطفاف
الدروز بين مواقف الحياد ومخاطر الاصطفاف (الجزيرة)

في خضم محاولات الطوائف في المشرق العربي لإعادة تعريف أدوارها وهوياتها وسط الأزمات السياسية المتتالية، خرج عدد من المثقفين الدروز -عام 2022- بوثيقة فكرية جريئة، حملت عنوان "الهوية الوطنية الجامعة"، دعوا فيها إلى تجاوز الزعامات الدينية الوراثية، وطرحوا تصورًا بديلًا لمستقبل الطائفة، قائمًا على الانتماء الوطني المدني بدل الطائفي التقليدي.

إن الهوية التي تحفظ كرامة الدروز -بحسب الوثيقة- هي الهوية الوطنية التي تقوم على المشاركة في بناء دولة المواطنة والمؤسسات، حيث يتساوى الجميع أمام القانون، وتُصان الحريات الدينية والثقافية دون الحاجة إلى كيانات طائفية منفصلة

ورغم أن هذه الوثيقة لم تحظَ بتغطية إعلامية واسعة، فإنها شكّلت منعطفًا مهمًّا في مسار التفكير الجمعي للدروز، لا سيما في أوساط المغتربين والمثقفين الشباب في الداخل والخارج.

جاءت الوثيقة نتيجة حوارات مكثفة جمعت مثقفين من لبنان وسوريا وفلسطين والمهجر الأوروبي، وكان قوامها الأساسي التأكيد على أن الطائفة ليست كيانًا سياسيًّا، ولا ينبغي أن تكون رهينة لزعامات دينية أو أسرية تحتكر التمثيل، بل إن الهوية التي تحفظ كرامة الدروز -بحسب الوثيقة- هي الهوية الوطنية التي تقوم على المشاركة في بناء دولة المواطنة والمؤسسات، حيث يتساوى الجميع أمام القانون، وتُصان الحريات الدينية والثقافية دون الحاجة إلى كيانات طائفية منفصلة.

وقد وجهت الوثيقة نقدًا مباشرًا لما سمّته "الاستزلام الطائفي"، معتبرةً أن بعض الزعامات الدينية تتماهى مع أنظمة قمعية أو دول إقليمية، فتُفقد الطائفة قدرتها على الفعل الحر.

وأكدت على ضرورة أن تُستبدل مرجعيات الإقطاع الديني بـ"مجالس أهلية منتخبة"، تُعبر عن وجدان الناس وتطلعاتهم، لا عن تحالفات سلطوية أو هواجس أمنية.

اللافت أن الموقعين على الوثيقة لم يكونوا من تيار فكري واحد، بل تنوعوا بين كتّاب وأكاديميين ونشطاء مجتمع مدني، ما أعطاها بُعدًا جامعًا يعكس التنوع الداخلي للطائفة.

إن وثيقة "الهوية الوطنية الجامعة" ليست مجرد نص أكاديمي، بل هي صرخة واعية ضد تسييس الدين، وضد اختزال الطائفة في أشخاص، وضد الحصار الجغرافي والثقافي الذي فرضته سنوات الحرب في سوري

وقد تزامن صدورها مع تصاعد الاحتجاجات في جبل العرب، ومع تحولات داخلية في المشهد الدرزي في فلسطين ولبنان، ما أضفى عليها بعدًا إقليميًّا تجاوز الحدود القُطرية.

إعلان

لكن الوثيقة -رغم قيمتها الفكرية- قوبلت بتجاهل من قبل الزعامات الدينية التقليدية، بل إن بعضها نظر إليها بعين الريبة، واعتبرها محاولة لهدم المرجعية الروحية.

وفي بعض الأوساط، وُصفت بأنها "بيان نخبوي معزول عن الواقع"، خاصة أنها لم تصدر عن جهة مؤسسية، ولم ترتبط بحراك شعبي مباشر.

غير أن تأثيرها الحقيقي ربما لا يُقاس بمقدار الاستجابة الفورية لها، بل بكونها وثيقة فتحت نافذة جديدة في خطاب الطائفة، وكسرت احتكار الزعامة للحديث باسم الدروز، وقد أعادت التذكير بأن للطائفة عقلًا مدنيًّا حيًّا، قادرًا على إنتاج الأفكار، لا الاكتفاء بردود الأفعال.

إن وثيقة "الهوية الوطنية الجامعة" ليست مجرد نص أكاديمي، بل هي صرخة واعية ضد تسييس الدين، وضد اختزال الطائفة في أشخاص، وضد الحصار الجغرافي والثقافي الذي فرضته سنوات الحرب في سوريا.

وقد تكون هذه الوثيقة نواة لحركة فكرية أكبر، تُعيد رسم دور الدروز في مشهد وطني جامع لا يستند إلى الخوف أو العزلة، بل إلى الثقة بالنفس والانخراط في الدولة كأفق نهائي للهوية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان