يهدف المقال إلى تسليط الضوء على أهمية وكالة "الأونروا" للفلسطينيين، باعتبارها الجهة المنوط بها تنسيق دخول المساعدات الإنسانية مع الجيش الإسرائيلي، والتداعيات القانونية التى ستحدث إذا لم يتم وقف هذه التشريعات، وضرورة الضغط على السلطات الإسرائيلية لاستئناف الوكالة عملها.
خلفية
أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، التي تعرف اختصارًا بالإنجليزية بـ (UNRWA)، بموجب القرار رقم 302 في 8 ديسمبر/ كانون الأول عام 1949؛ بهدف تقديم الخدمات الإنسانية، التي تشمل التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية وتحسين المخيمات والخدمات الاجتماعية وحالات الطوارئ، وتقدم خدماتها لنحو 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين في مناطق متعددة، تشمل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، بالإضافة إلى اللاجئين في الأردن، ولبنان، وسوريا.
أكد "تقرير كولونا"، وهو تقرير للأمم المتحدة أجرته وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاثرين كولونا؛ أن إسرائيل لم تقدم أدلة داعمة للادعاءات بأن موظفي الأونروا كانوا أعضاء في منظمات إرهابية
الكنيست يقر قانونين لحظر أنشطة الأونروا
في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أقر البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) قانونين بهدف منع أي نشاط لوكالة الأونروا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشمل وقف تشغيل المكاتب التمثيلية وتقديم الخدمات؛ فيما يحظر القانون الآخر أي اتصال مع الوكالة، ودخل الحظر حيز التنفيذ في يوم الخميس 30 يناير/ كانون الثاني.
وزعمت إسرائيل من خلال القانونين أن أعضاء وكالة الأونروا يتواطؤُون مع حماس؛ وزدات هذه الادعاءات التي نفتها الوكالة بداية من عملية طوفان الأقصى التي قامت بها المقاومة الإسلامية حماس.
وأدان العديد من كبار المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية الأونروا، حيث وصف سفير سابق الوكالة بأنها "منظمة فلسطينية ملتزمة بالكامل بتدمير الدولة اليهودية". وفي اليوم السابق للتصويت، نُقل عن أحد السياسيين الذين يقفون وراء مشاريع القوانين قوله إن الأونروا "تقوم بتعليم الأطفال كراهية إسرائيل ونشر معاداة السامية".
ومع ذلك أكد "تقرير كولونا"، وهو تقرير للأمم المتحدة أجرته وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاثرين كولونا؛ أن إسرائيل لم تقدم أدلة داعمة للادعاءات بأن موظفي الأونروا كانوا أعضاء في منظمات إرهابية.
ووجدت كاثرين كولونا أن الأونروا تتقاسم كل عام قوائم الموظفين -التي تتضمن الأسماء والمهام- مع إسرائيل ومع دول أخرى. ومنذ عام 2011، لم تقم إسرائيل بإبلاغ الأونروا بأي مخاوف تتعلق بأي من موظفي الأونروا.
ومع ذلك، كانت وجهة نظر إسرائيل هي أن مراجعة كولونا لم تكن كافية، وكانت بمثابة جهد ضائع لتجنب المشكلة بدلًا من معالجتها بشكل صحيح.
وفي إحاطة أمام مجلس الأمن، في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أخبر المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، أن التشريع الذي تم عرضه على الكنيست، والذي تم اعتماده الآن، يسعى إلى "حظر وجود الأونروا وعملياتها في أراضي إسرائيل، وإلغاء امتيازاتها وحصاناتها، وهو انتهاك للقانون الدولي.
وبالفعل، مكّن وقف إطلاق النار من سرعة دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، إلا أن الحظر الذي يقع على الأونروا يهدد تسليم المساعدات الإنسانية إلى غزة، واستعادة الخدمات الأساسية -مثل المدارس والعيادات الصحية- في المستقبل، ويهدد استقلال القطاع؛ لأن مرور المساعدات إلى غزة والضفة الغربية يتطلب إجراء تنسيق بين الأونروا والسلطات الإسرائيلية، كما أن تنفيذ التشريع يحظر إصدار تصاريح عمل أو دخول لموظفي الوكالة.
فوكالة الأونروا هي العمود الفقري للاستجابة الإنسانية وتقديم الدعم اللوجيستي والتنسيقي الأساسي؛ خاصةً في ظل الوضع الحالي الكارثي للقطاع، الذي أدى القصف المستمر عليه إلى إتلاف وتدمير 90% من المنازل، كما ألحق أضرارًا بجميع البنية التحتية، بما في ذلك إمدادات المياه والكهرباء، والمستشفيات والمدارس والطرق، والأراضي الزراعية.
عندما ارتكبت إسرائيل بعض الانتهاكات ضد الأونروا في سياق حرب الأيام الستة، وبحسب ما ورد في مذكرة غير منشورة حتى الآن بتاريخ 14 فبراير/ شباط 1968 بعنوان "مطالبات 1967 ضد إسرائيل"، أوضح بويت بالضبط ما يعنيه أن منشآت وممتلكات الأونروا لا يجوز انتهاكها
التداعيات القانونية لقوانين الكنيست بشأن وكالة "الأونروا"
وبموجب التشريع المعتمد، "لا يجوز للأونروا إنشاء أي تمثيل أو تقديم أي خدمات أو القيام بأي أنشطة" في أراضي "إسرائيل"، ولا يجوز لأية وكالات أو ممثلين حكوميين إسرائيليين أن يكون لهم أي اتصال مع الأونروا.
وتفيد التقارير أيضًا أن السلطات الإسرائيلية تقوم بإخلاء الوكالة من مقرها في القدس. ومما يزيد من تفاقم الطبيعة الفظيعة لهذه الانتهاكات حقيقة أنه يتم تنفيذها في سياق قيام إسرائيل خلال العام الماضي بتدمير العديد من مباني الأونروا، وقتل أكثر من 200 من موظفيها.
إقرار هذا التشريع -مثله مثل الاستيلاء على مباني الأونروا في القدس- يتعارض مع القانون الدولي؛ لأن الامتيازات والحصانات اللازمة للأمم المتحدة وموظفيها للعمل في إقليم كل عضو من أعضائها يحميها الميثاق.
وتنص المادة 105 (1) على ما يلي: "تتمتع المنظمة في إقليم كل عضو من أعضائها بالامتيازات والحصانات اللازمة لتحقيق أغراضها"… وقد تم تحديدها بمزيد من التفصيل في الاتفاقية العامة لامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها، التي اعتمدتها الجمعية العامة في قرارها 22 ألف (د-1) بتاريخ 13 فبراير/ شباط 1946.
وينص القسم 3 من الاتفاقية العامة على ما يلي: "لا يجوز انتهاك حرمة مباني الأمم المتحدة، وتتمتع ممتلكات الأمم المتحدة وأصولها؛ أينما وجدت وأيًّا كان حائزها، بالحصانة من التفتيش والاستيلاء والمصادرة ونزع الملكية، وأي شكل آخر من أشكال التدخل، سواء كان ذلك بإجراء تنفيذي أو إداري أو قضائي أو تشريعي".. والحرمة هنا مطلقة لا تقبل أي عذر؛ فلا يجوز على سبيل المثال القول إنه يمكن تجاوزها من خلال متطلبات النفعية العسكرية أو الأمنية.
عندما ارتكبت إسرائيل بعض الانتهاكات ضد الأونروا في سياق حرب الأيام الستة، وبحسب ما ورد في مذكرة غير منشورة حتى الآن بتاريخ 14 فبراير/ شباط 1968 بعنوان "مطالبات 1967 ضد إسرائيل"، أوضح بويت بالضبط ما يعنيه أن منشآت وممتلكات الأونروا لا يجوز انتهاك حرمتها.
ولاحظ أن هذه الحرمة تمثل جانبًا أساسيًا ومميزًا من الحصانة الأعم للمنظمة، المنصوص عليها في المادة 105 من الميثاق. وعلى هذا النحو، لا يمكن لأي دولة عضو أن تنحيه جانبًا على أساس أنه في ظروف خاصة بالأعمال العدائية يجب تقييد حرمة مباني الأمم المتحدة وممتلكاتها أو تجاوزها بمتطلبات النفعية العسكرية.
وبحسب ما ورد، أضافت مذكرة بويت أن هذه المنشآت والممتلكات تمثل استثمار الأمم المتحدة في مهمة أسندتها الجمعية العامة إلى الوكالة، بحيث إن أي عمل من أعمال التدمير أو الضرر، الموجهة ضد هذه المنشآت أو الممتلكات، يكون له نتيجة مباشرة هي التدمير والاستثمار الذي قامت به الأمم المتحدة من الأموال التي ساهم بها العديد من الدول الأعضاء، وفرض أعباء مالية إضافية على الأمم المتحدة.
وفي الصراع الذي حدث في قطاع غزة في الفترة (2008-2009)، أنشأ الأمين العام مجلس تحقيق ضم الأمين العام المساعد للشؤون القانونية المتقاعد مؤخرًا، لاري جونسون، ورأى مجلس التحقيق أن الضربات المباشرة والمتعمدة التي شنتها إسرائيل على مباني الأونروا في غزة "تشكل انتهاكًا فاضحًا لحرمة مباني الأمم المتحدة، وعدم منح ممتلكات المنظمة وأصولها حصانة من أي شكل من أشكال الاعتداء".
وأشار المجلس إلى أن مباني الأمم المتحدة لها حرمة، وأن هذه الحرمة "لا يمكن لأي دولة عضو أن تنحّيها جانبًا على أساس أنه في الظروف الخاصة للأعمال العدائية، يجب أن تكون مشروطة أو يمكن تجاوزها بمقتضيات النفعية العسكرية".
وتوصل المجلس بشكل خاص إلى نتائج تتعلق بالخسائر التي تكبدتها الأونروا نتيجة انتهاكات إسرائيل لحرمتها "بتكلفة إجمالية تقديرية للإصلاح والاستبدال تزيد على 10.4 ملايين دولار"، ووافقت إسرائيل على دفع مبلغ التعويض الذي حدده المجلس.
تأسست وكالة الأونروا عام 1947 بموجب قرار أممي من الجمعية العامة، وبالتالي فإن دولة الاحتلال ليست هي من أنشأ "الأونروا" كي تصدر هذه القوانين، التي تتعارض حتمًا مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، كما يتعارض قانونا الكنيست مع قرار محكمة العدل الدولية في مارس/ آذار، الذي أمرت إسرائيلَ من خلاله بأن "تضمن دون تأخير، وبالتعاون الكامل مع الأمم المتحدة، توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية المطلوبة بشكل عاجل على نطاق واسع دون عوائق"، كما أنها تنتهك اتفاقية الإبادة الجماعية ونظام روما الأساسي (المحكمة الجنائية الدولية)، في ظل الإبادة الجماعية في غزة، التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 43.712 فلسطينيًّا، وإصابة 103.258 آخرين، وتشريد ما يقرب من 2.2 مليون شخص منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
يجب على الجمعية العامة أن تحمي منشآتها وأعضاءها، وأن تسأل إسرائيل عما تفعله؛ بل ويجب على المؤسسات الحقوقية أن تضغط بقدر الإمكان على السلطات الإسرائيلية كي تستمر الوكالة في عملها
تعتبر وكالة "الأونروا" شريان حياة لمئات الآلاف من لاجئي فلسطين؛ وبالتالي فأهمية عمل الوكالة أصبحت أكبر من أي وقت مضى، فحوالي مليوني فلسطيني في غزة يحتاجون إلى الأونروا للحصول على الغذاء والرعاية الصحية، حيث تقدم الوكالة خدمات حيوية تشمل توزيع المواد الغذائية والرعاية الصحية والتعليم، وبالتالي فإن وقف عمل الأونروا يعني زيادة كبيرة في الجوع والفقر؛ بشكل يهدد الحق في الحياة -الذي يعد أسمى الحقوق- لكثير من الأشخاص.. فهل يمكننا أن نتساءل عن شرعية المساعدات الإنسانية للمدنيين؟ هل يمكن اعتبارها جريمة بموجب القوانين الإسرائيلية؟
يجب على الجمعية العامة أن تحمي منشآتها وأعضاءها، وأن تسأل إسرائيل عما تفعله؛ بل ويجب على المؤسسات الحقوقية أن تضغط بقدر الإمكان على السلطات الإسرائيلية كي تستمر الوكالة في عملها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
