دونالد ترامب.. 100 يوم من العزلة!

Former President Trump Holds Rally In Warren, Michigan
الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" (وكالات)

"عندما يخشى الشعب الحكومة يسود الاستبداد، وحينما تهاب الحكومة الشعب تسود الحرية" (توماس جيفرسون، الرئيس الأميركي الثالث).

ثلاثة أشهر وبضعة أيام كانت مدة زمنية كافية للرئيس الأميركي دونالد ترامب ليشيع الفوضى في العالم، ويبث مشاعر الذعر والهلع، ويعبث بالمعاهدات والاتفاقات الدولية في نهج قوّض ركائز النظام العالمي الجديد.

وقد شهد العالم خلال هذه الفترة الوجيزة تقلبات مقلقة، ونذر حروب تجارية، وفصولًا متواترة من الاستخفاف والهزء بالعلاقات الدولية، وحالة من عدم اليقين اجتاحت حلفاء الولايات المتحدة.

وإلى ذلك كله أربك الرئيس ترامب الأسواق المالية، وأرهب القضاة، وروّع المهاجرين غير النظاميين في الولايات المتحدة بقرارات ترحيل عشوائية، بإخراج مسرحي فيه الكثير من الاستعراض ولا يخلو من نَفَس معادٍ للأجانب.

سياسات ترامب الداخلية جرّت عليه نقمة عشرات الولايات الديمقراطية، التي اتهمته بخرق الدستور وإخضاع السياسة التجارية للبلاد لأهوائه ومزاجه الشخصي

وامتد الرعب ليطول أيضًا الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان، والجامعات العريقة، بعد أن لوّح ترامب بسحب التمويل منها، وبات الطلبة الأجانب غير مطمئنين على مستقبلهم الأكاديمي مخافة سحب تأشيرات الإقامة منهم، فيما ينتاب القلق آلاف الموظفين خشية طردهم من وظائفهم، جراء سياسة اقتطاعات موازنات المؤسسات الفدرالية التي روّج لها إيلون ماسك.

لم يكن ترامب يبالغ حينما قال أثناء حملته الانتخابية إنه سيكون "دكتاتورًا" منذ اليوم الأول لعودته إلى البيت الأبيض. وفيما يبدو انزياحًا نحو سلوك سلطوي غير مألوف في تاريخ السياسة الأميركية، تجاهل الرئيس ترامب الكونغرس ذا الغالبية الجمهورية، وطفق يحكم بمقتضى مراسم رئاسية مشكوك في صبغتها الدستورية، بلغت مائة وأربعين مرسومًا في معدل هو الأعلى بين أسلافه من الرؤساء الأميركيين.

إعلان

سياسات ترامب الداخلية جرّت عليه نقمة عشرات الولايات الديمقراطية، التي اتهمته بخرق الدستور وإخضاع السياسة التجارية للبلاد لمزاجه الشخصي.

وعاب عليه خصومه -وهم كثر- افتقاره لرؤية إستراتيجية واضحة بخصوص سياسة الرسوم الجمركية، التي قادته إلى مواجهة مفتوحة مع الصين غير محسوبة العواقب. وترتّب عن ذلك كله تشكيك صريح في قدرته على إدارة القضايا والملفات الكبرى، لا سيما الاقتصادية منها.

مشهد تقريع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، المنافي للأعراف الدبلوماسية والكياسة، والمغرق في الإهانة لرئيس دولة أجنبي، خير معبر عن عدوانية السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد ترامب

أما على صعيد السياسات الخارجية، فقد انحدرت علاقات الولايات المتحدة مع شركائها التاريخيين، كندا والاتحاد الأوروبي، إلى مستويات من الريبة وانعدام الثقة. وأبان ترامب في الأيام المائة الأولى من ولايته الرئاسية الثانية عن نزوعات توسعية، وأطماع لم يتردد البعض في وصفها بالإمبريالية، حينما لوّح بالاستحواذ على قناة بنما، وضم جزيرة غرينلاند وكندا.

وتعاظمت شكوك حلفاء واشنطن في حلف الأطلسي حيال مدى التزام الولايات المتحدة بميثاق الحلف، بعد أن عاد ترامب لمطالبة الدول الأعضاء في الناتو برفع حجم الإنفاق العسكري، وسعى لفرض اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا، يُنظر إليه على أنه مجحف بحق كييف ومحابٍ لموسكو.

ولعل مشهد تقريع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، المنافي للأعراف الدبلوماسية والكياسة، والمغرق في الإهانة لرئيس دولة أجنبي، خير معبر عن عدوانية السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد ترامب.

وضمن أفكاره العجائبية، اقترح ترامب ترحيل سكان غزة، وتحويل القطاع إلى ريفيرا جديدة مطلة على ضفاف المتوسط، تنعم بالرخاء والرفاه، تمامًا كما لو تعلق الأمر بمشروع عقاري مطلٍّ على ضفاف المتوسط.

ليس مستغربًا إذن أن تتهاوى شعبية ترامب، وحكومته المؤلفة من حفنة من أصحاب المليارات، إلى نسبة هي الدنيا بين أسلافه منذ عهد الرئيس دوايت أيزنهاور، وبدا ترامب وكأنه يحاكي الفارس دون كيشوت دي لا مانشا في صراعه الوهمي مع الطواحين.

وفي خضم كل هذه الفوضى غير الخلّاقة، وجد ترامب ما يكفي من الوقت ليحضر سباقات السيارات، ويستمتع بمباريات في المصارعة الحرة، ويمارس رياضته الأثيرة (الغولف) أربعًا وعشرين مرة في غضون مائة يوم.. كل هذا وسط أحاديث متواترة عن احتمال ترشحه لولاية ثالثة!!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان