في زحمة الحياة وضجيج الخيارات، نلجأ إلى أشخاص بعينهم عندما نحتار، ليس لأنهم الأذكى أو الأعلم، بل لأنهم الأقرب إلى قلوبنا. يشبهون البوصلة التي تُشير دائمًا إلى الاتجاه الصحيح.
النبي ﷺ، وهو خير البشر، اختار قلبًا مؤمنًا يرافقه في درب الهجرة، وكان أبو بكر الصديق بوصلة قربٍ ونقطة ضوء في وقت تتكالب فيه الظلمات
هؤلاء الأشخاص قليلون، لكنهم يتركون أثرًا عميقًا في حياتنا، مثل أثر القبلة التي نتوجه إليها حين نبحث عن الثبات والسكينة. وكما كان النبي ﷺ يقلّب وجهه في السماء، جاءه وعد الله: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144]، فكذلك القلوب عندما تتقلب في حيرتها، تحتاج إلى قبلة روحية تهديها.
إنهم الذين نرتاح إليهم، ونستدلّ بهم، ونشعر في قربهم بطمأنينة لا نُحسن وصفها. هم يفتحون لنا أبواب الراحة، ويُغلقون نوافذ الضياع. ليسوا مُعصومين ولا يملكون كل الإجابات، ولكنهم يمتلكون قدرة فريدة على توجيهنا نحو الطريق الصحيح، بل لعلهم ممن وصفهم النبي ﷺ حين قال: "إن من الناس مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشر، فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير".
هؤلاء لا يُمطروننا بكلمات كثيرة، لكنهم يقولون ما نحتاج إليه دون أن نطلب، لا يحكمون علينا، بل يُنصتون ويضيئون الدرب. وليس هذا لأنهم معصومون أو يملكون كل الإجابات، بل لأنهم يُجيدون استخدام البوصلة.
وقد تجلت هذه "البوصلة البشرية" في أوضح صورها في موقف أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) مع النبي ﷺ يوم الهجرة، حيث اختاره النبي ﷺ ليس لجاهٍ أو قرابة، بل لقلبه الثابت وإيمانه النقي. في الغار، حين خاف أبو بكر، لم يُعاتبه النبي ﷺ، بل هدّأ روعه بكلمات تطمئن القلب: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].. هكذا يكون "مفتاح الخير": لا يُشعرك بأنك بحاجة، بل يُشعرك بأن الله معك.
النبي ﷺ، وهو خير البشر، اختار قلبًا مؤمنًا يرافقه في درب الهجرة، وكان أبو بكر الصديق بوصلة قربٍ ونقطة ضوء في وقت تتكالب فيه الظلمات. هذه البوصلة تبرز في أوقات الظلام، وتظل مشعة دون ادعاء، كما قال ابن خلدون: "الناس يتبعون من غلب بعقله لا بسيفه". وما أجمل أن يُغلبك أحدهم بالحكمة، لا بالسلطة!
قيل لسفيان بن عيينة: قد استنبطت من القرآن كل شيء، فهل وجدت المروءَة فيه؟ فقال: نعم، في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}
ما هي صفات هؤلاء؟
بعد التأمل، يمكننا حصر الصفات التي يتمتع بها هؤلاء الأشخاص في ثلاث صفات رئيسية:
المروءة
قال الفقهاء في حدها: هي استعمال ما يُجمّل العبد ويُزينه، وترك ما يُدنسه ويُشينه. وقيل: المروءة استعمال كل خلق حسن، واجتناب كل خلق قبيح. وحقيقة المروءة: تجنُّب الدنايا والرذائل من الأقوال، والأخلاق، والأعمال.
- فمروءة اللسان: حلاوته وطيبه ولينه، واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر.
- ومروءة الخُلُق: سعته وبسطه للحبيب والبغيض.
- ومروءة المال: الإصابة ببذله في مواقعه المحمودة عقلًا وعرفًا وشرعًا.
- ومروءة الجاه: بذله للمحتاج إليه.
- ومروءة الإحسان: تعجيله وتيسيره، وتوفيره، وعدم رؤيته حال وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه. فهذه مروءة البذل.
- وأما مروءة الترك: فترك الخصام، والمعاتبة، والمطالبة، والمماراة، والإغضاء عن عيب ما يأخذه من حقك، وترك الاستقصاء في طلبه، والتغافل عن عثرات الناس، وإشعارهم أنك لا تعلم لأحد منهم عثرة، والتوقير للكبير، وحفظ حرمة النظير، ورعاية أدب الصغير.
يقول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 99]. وقيل لسفيان بن عيينة: قد استنبطت من القرآن كل شيء، فهل وجدت المروءَة فيه؟ فقال: نعم، في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. يقول: ففيه المروءَة، وحسن الأدب، ومكارم الأخلاق. فجمع في قوله: {خُذِ الْعَفْوَ} صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. ودخل في قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الحضُّ على التخلُّق بالحلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة والأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة.
وقال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90 – 92]. وقد جعل سفيان الثوري المروءة مبنية على ركنين استمدهما من هذه الآية الكريمة، حيث سئل عن المروءة: ما هي؟ فقال: "الإنصاف من نفسك، والتفضل لله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} وهو الإنصاف، و{الإِحْسَانِ} وهو التفضل، ولا يتمُّ الأمر إلا بهما. ألا تراه لو أعطى جميع ما يملك، ولم يُنصف من نفسه لم تكن له مروءة؛ لأنه لا يريد أن يُعطي شيئًا إلا أن يأخذ من صاحبه مثله، وليس مع هذا مروءة".
وكذلك قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ بصدد هذه الآية: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، فقال: (فيها عينُ المُروءةِ وحقيقتُها).
وفي الحديث: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، وفسّره النووي بأن أهل المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية، إذا أسلموا وتفقهوا، كانوا من خيار الناس.
في العلاقة الزوجية، حيث تلتقي الأرواح في أرقّ مشاعرها، وتتمازج الطباع وتتكافأ، تكون المروءة راعيةً للودّ، وستْرًا على الزلل، وصوتًا شاكرًا يُذكّر بالنِّعَم لا بالنقائص، وبالعِشرة لا بالمواقف العابرة
وقال ابن القيم الجوزية (ت: 751هـ): إن المروءة على ثلاث درجات:
- الدرجة الأولى: مروءة المرء مع نفسه، وهي أن يحملها قسرًا على ما يُجمّل ويُزين، ويترك ما يُدنس ويُشين، ليصير لها ملكة في العلانية. فمن أراد شيئًا في سره وخلوته، ملكه في جهره وعلانيته. فلا يكشف عورته في الخلوة، ولا يتجشأ بصوت مزعج ما وجد إلى خلافه سبيلًا، ولا يخرج الريح بصوت وهو يقدر على خلافه، ولا يجشع وينهم عند أكله وحده. ومفاد القول: ألا يفعل خاليًا ما يستحيي من فعله في الملأ، إلا ما لا يحظره الشرع والعقل، ولا يكون إلا في الخلوة، كالجماع والتخلي ونحو ذلك.
- الدرجة الثانية: المروءة مع الخلق، بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء، والخلق الجميل، ولا يُظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه. وليتخذ الناس مرآةً لنفسه؛ فكل ما كرهه ونفر منه من قول أو فعل أو خلق فليتجنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله. وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل وناقص، وسيئ الخلق وحسنه، وعديم المروءة وغزيرها.
وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها، كما روي عن بعض الأكابر أنه كان له مملوك سيئ الخلق، فظ غليظ، لا يناسبه، فسئل عن ذلك؟ فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق. وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه، وبتمرين النفس على مصاحبته، والصبر عليه.
- الدرجة الثالثة: المروءة مع الحق سبحانه، بالاستحياء من نظره إليك، واطلاعه عليك في كل لحظة ونفس، وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان.
وهذه المعاني النبيلة للمروءة، لم تغِب عن واقعنا المعاصر، بل تجلّت في صورٍ مشرقة، هادئة لكنها ناصعة؛ تراها في موظفٍ يدافع عن زميله المخطئ بأسلوب ناصح لا فاضح، وفي صديقٍ يعتذر عن تقصيره دون أن يثقل باللوم، وفي من يحفظ ودّ من جفاه دون أن يُظهر انكسارًا أو يُلمّح بتأنيب. تجدها في من يرد على اتصالاتك ورسائلك، لا لأنك مهم، بل لأن تجاهلك جفاءٌ لا يليق بالمروءة.
تجدها في من يعفو عنك، ويكتم غيظه حين يكون الانفعال سهلاً. وتراها بين الأصدقاء، حين يُحسن أحدهم الظنّ بك في غيابك، أو يدفع عنك نقدًا جارحًا بلطف، أو يسندك في لحظة ضعف دون أن يُشعرك بثقل الحاجة. وتراها في المجالس، حين يُصان الغائب من الغيبة، ويُفسح للمتحدّث دون مقاطعة، ويُقدَّم الأكبر توقيرًا لا عادة، ويُكرَم الضيف بلا تكلّف ولا مَنّ. وتراها بين الجيران، حين تُصان أعراضهم ومحارمهم. وتجدها بين الإخوان، حيث لا تُستصحب الخلافاتُ الأسرية إلى الأبناء، ولا إلى زوجاتهم.
وفي العلاقة الزوجية، حيث تلتقي الأرواح في أرقّ مشاعرها، وتتمازج الطباع وتتكافأ، تكون المروءة راعيةً للودّ، وستْرًا على الزلل، وصوتًا شاكرًا يُذكّر بالنِّعَم لا بالنقائص، وبالعِشرة لا بالمواقف العابرة.. المروءة بين الأزواج هي أن لا تفضح ضعف شريكك حين تراه في لحظة انكسار، وأن تُعطيه مساحة للتراجع دون ملاحقة باللوم أو الشماتة، وأن تؤمن أن من عاش معك حُسن الأيام، لا يستحق منك إلا لطف الخلاف؛ فالمروءة بين الزوجين لا تقوم على تبادلٍ جافٍّ بين الحقوق والواجبات، بل على التمسك بالأدب في طلب الحقوق، والرقيّ في التعبير عنها، وتجنُّب كل ما يُدنّس العلاقة: من سبّ، أو تعيير، أو تذكير بمواقف مؤلمة، أو نقل للأسرار خارج البيت.
وفي هذا كله، نتساءل: كيف نتحلى بالمروءة في مثل هذه المواقف؟ تكمن الإجابة في قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231].
الحكمة اليوم ليست رفاهيةً فكرية، بل ضرورةٌ اجتماعية، هي البوصلة التي تُعينك على التمييز: متى تصمت؟ ومتى تتكلم؟ والحكماء ليسوا أولئك الذين يملكون وفرة في المعلومات، بل الذين يمتلكون بصيرةً فريدة
الحكمة
قال الله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]. وقال تعالى: {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]. وقال عن المسيح عليه السلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ} [آل عمران: 48]. ومن أحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: إنها معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل.
وفي حياتنا اليومية، تتجلّى المروءة والحكمة في تلك المواقف الصغيرة التي تكشف عمق البصيرة، كأن يُحسن أحدهم الإصغاء في لحظة غضب، أو يُقدّم الكلمة الطيبة بدل اللوم الجارح، أو كصديقٍ يُخبرك بالحقيقة دون أن يُجرح كبرياءك. وتراها في خلافاتٍ بين الأزواج، لا تُظهر كل ما في القلب دفعةً واحدة، بل تُفصح بقدر الحاجة، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} [التحريم:]. ففي تعريفه ببعضٍ وإعراضه عن بعض، قُدوة نبوية في ستر ما لا فائدة في إظهاره، وحفظ الودّ حتى في مواطن العتب.
الحكمة اليوم ليست رفاهيةً فكرية، بل ضرورةٌ اجتماعية، هي البوصلة التي تُعينك على التمييز: متى تصمت؟ ومتى تتكلم؟ والحكماء ليسوا أولئك الذين يملكون وفرة في المعلومات، بل الذين يمتلكون بصيرةً فريدة؛ يعرفون متى يتحدثون، وكيف يُوجّهونك في اللحظات الحرجة، في التوقيت السليم، وبالأسلوب السليم، دون ضجيج أو ادّعاء.
إذا كان التواضع في الماضي سِمةَ الصالحين، فهو اليوم علامة العظمة الخفية في زمن التكلّف واستعراض المظاهر.. تجده في من يملك العلم ثم ينسب الفضل لغيره، وفي من يُعلّم برفقٍ دون أن يُشعر من أمامه بضعفٍ أو دونية
التواضع
قال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]، أي: سكينة ووقارًا، متواضعين، غير أَشِرين ولا مرحين ولا متكبرين. قال الحسن: علماء حلماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سُفِّه عليهم حلموا.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54].
فلما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات، عُدِّي بأداة "على" تضمينًا لمعاني هذه الأفعال. فلم يُرَد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول.
وكان صلى الله عليه وسلم هين المؤنة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّامًا، متواضعًا من غير ذلّة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب، رحيمًا بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم.
وإذا كان التواضع في الماضي سِمةَ الصالحين، فهو اليوم علامة العظمة الخفية في زمن التكلّف واستعراض المظاهر.. تجده في من يملك العلم ثم ينسب الفضل لغيره، وفي من يُعلّم برفقٍ دون أن يُشعر من أمامه بضعفٍ أو دونية. تراه في من لا يتعالى بفهمه، ولا يزهو بمنصبه، ولا يحتقر من دونه علمًا أو قدرًا.
التواضع هو أن تعيش بين الناس دون أن تُشعرهم أنك فوقهم، وأن تسير بينهم بقلبٍ لا يرى ذاته إلا عبدًا لله، مهما علت مكانته، أو كثُر أتباعه، أو اتسعت معرفته.
وأشدُّ ما يتجلّى التواضع، حين يكون صاحبه ذا منصبٍ رفيع أو شهادةٍ عليا، فيملك ما يُغري بالتفاخر، ثم يُعرض عنه بقلبٍ سليم… تراه يجلس في المجالس كواحدٍ من الناس، لا يطلب تقديمًا، ولا ينتظر مدحًا، ولا يذكّر الناس بما يحمل من ألقاب. لا يُحدّثك عن نفسه، بل يُنصت لك، ولا يُشعرك أنك في حضرة "المسؤول" أو "الدكتور"، بل في حضرة إنسانٍ يألف ويُؤلَف. وحين يُعرّف بنفسه، يُقدّمها بما يعرفه من ذاته، لا بما كُتب له في الأوراق الرسمية؛ فهو يعلم أن المناصب تُمنح، والشهادات تُنال، لكن الرفعة الحقيقية هِبةٌ من الله، لا تُدرك إلا بالتواضع.
من أعظم مظاهر التواضع أن لا يُقدّم الإنسانُ نفسه بما كُتب له في الأوراق الرسمية، بل يُقدّم إنسانيته
وقد كان كان الإمام أحمد بن حنبل، تقرع بابه الوفود من كل الأمصار، فيخرج إليهم بثوبه البسيط، لا يظهر عليهم بتكبّر، ولا يمنّ عليهم بعلمه، وإذا سُئل عن نفسه قال: "أنا عبدٌ مسكين، لا أُحسن شيئًا".
ونظراً لذلك، من أعظم مظاهر التواضع أن لا يُقدّم الإنسانُ نفسه بما كُتب له في الأوراق الرسمية، بل يُقدّم إنسانيته. وقد اختصر النبي ﷺ كل هذا المعنى في كلماته البليغة: "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
في زمن تتنازع فيه القلوب بين ضجيج الواقع وتعدّد الأصوات، نحتاج إلى أولئك الذين يشبهون "قبلة القلوب الحائرة"؛ يحملون في قلوبهم نور المروءة، وفي عقولهم رجاحة الحكمة، وفي سلوكهم جمال التواضع. لا يطلبون مقامًا، لكن الله يرفعهم، ولا يسعون إلى الأتباع، لكن القلوب تهتدي بهم. فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير، وطوبى لمن أحسن صحبة هؤلاء، وتعلّم منهم كيف يكون نورًا في الظلمة، وبوصلة في التيه، وسكينة في زمن القلق، فلنحرص أن نكون مثلهم، أو نكون لأحدهم كما كانوا لنا: قبلة لقلبٍ حائر، ونقطة ضوء في عتمة المسير. كما قال النبي ﷺ: "إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر"، وهؤلاء يبقى أثرهم في الحياة لا يُنسى، كأثر القبلة التي تُطمئن القلب وتثبّته.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

