ضمن الاحتفالات التي يقيمها الجزائريون في مناسباتهم السعيدة، تتزين موائد البيوت بأشكال متنوعة من الحلوى، تستجيب لرغبات طالبيها وشهوة محبيها، وما بين التقليدي الذي يعكس انتماءنا للتراث العربي والإسلامي، والمعاصر الذي تفوح منه روائح الليمون على شكل كرات ثلج تدعى البوردوناج، تزاحم حلوى "البنيون" (Bniwen) الجزائرية الابتكارين العالميين، التقليدي والعصري، لتأخذ مكانًا يليق بها في بيوتنا ومحلات الحلوى، ومن لا يعرف البنيون عليه أن يصبر قليلًا معنا، ففي هذه الأسطر سنطبخ كلمات ضمن عبارات هادئة، ومعانٍ تشد رحالها نحو تجليات الحضارة، لننهل من ابتكارات استثنائية وخيال متميز وإبداع ترسمه المتعة.
ولعل ما يلفت انتباهنا نحو ما يعشقه الإنسان وترفضه العادات الصحية، أن الحلوَيَات تطورت بسرعة هائلة تفوق ما تقتضيه الحياة وضروراتها، و"البنيون" -مثلما يعرفه الجزائريون- لكونه من مجموع مخلفات الحلوى، تُخلط لتأخذ شكلًا بسيطًا تغمره الشوكولاتة وتزينه أشلاء الفستق، فإنه استطاع أن يُحدث صخبًا في مجتمعات تقتات على تصدر التريندات، وتتلهف لبعث صور تناقضاتها اليومية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
فبعضهم يرفض تسمية "البنيون" بالحلوى لمجرد أنه بقايا هامشية، في حين يصنفه المنفتحون على أنه أشهى الحلويات التي استحدثتها ثقافة الاستهلاك. وهذا المقال يقارب تقاليد انتمائنا في إنتاج الحلوى مع المبتكرة صناعيًا، ضمن تلبية الرغبات المتسارعة لحضارة ما بعد الإنسان.
لنقل إن الاحتفاء بالبنيون، دون الخضوع لتوصيف يدقق في شكله وحشوته، يكشف زيف ما يسمى بالمنتجات الاجتماعية لما بعد العولمة، ويفضح معها التهافت المستميت لإنسان الحضارة المادية المنشغل في استغلال القوالب الجاهزة والسريعة لتحقيق رغباته
تعدد الأشكال
يقال إن طعامًا "بنينًا" معناه شديد اللذة والطيب، ومنه صيغ لفظ "البنيون" للدلالة على الحلوى الأكثر انتشارًا لدى الجزائريين، أما عن طريقة تحضيره فهي سهلة عند من امتهن صناعة الحلويات وأتقن فنها واستمتع بذوقها، وقد أخذت مسلكين مختلفين يفضيان إلى أشكال متعددة؛ فالأول تقليدي ناتج عن بقايا الحلويات المطبوخة بعناية في البيوت، كالصابلي والبوردوناج الفرنسيين، مع أوراق البقلاوة والصامصة التركية، ليعطيا للتركيبة المستحدثة طعمًا تمتزج فيه الثقافتان الفرنسية والتركية في قالب عصري مبتكر.
والبنيون لا يحتاج إلى تقطيع للتعبير عن أشكاله المختلفة، إذ تتم عملية تدويره على شكل كرات صغيرة ومتوسطة الحجم، تلقى في غيابات الشوكولاتة كي تخفي عنها "الحشوة" وتبدي طعمها القوي، مع فتات فستق حلبي يعيد إلينا شغفنا بالشرق وسحره.
أما الطريقة الثانية؛ فقد بدأت تأخذ بعدها المعاصر باعتبارها الأكثر انتشارًا بين من يسارعون الحياة، ويغفلون عن اقتناء لحظاتها الرائعة، أو يعبرون نحوها بشيء من التفاصيل السطحية دون الحاجة إلى الغوص فيها.
إذ لم يعد البنيون بحاجة إلى مخلفات الحلويات المنتجة داخل البيوت، والتي كانت أصالتها ترسم انتماءنا الثقافي، بل إلى ما هو صناعي فاقد للقيمة والحقيقة، يتجاوز التصور الإنساني للمتعة، وحاجتها لتطوير مكونات هي في الأصل سلع استهلاكية ضمن قوائم التصنيف المتدنية، فالبسكويت الصناعي أصبح المكون الأساسي للبنيون في ظروف تنطوي على توصيف عبثي لشكل الحياة المادية وثقافتنا العابرة، وبات المقياس لتحديد مذاق البنيون متعلقًا بوهم النكهات والألوان الصناعية، منتجًا ثقافة استهلاكية جعلت البنيون قالبًا مغريًا يفتقد لأدنى فنون التذوق الإنساني.
إن الاتجاهين المختلفين لصناعة البنيون يمثلان موضوع النقاش لفرضية الانخراط فيما هو عصري ابتكاري، على حساب التقليدي الذي يرسم ملامح التباطؤ في استيعاب التطورات المتلاحقة للحضارة، وما معنى أن تكون مخلفات الحضارة هي ذاتها منتوجات ذات قيمة سلعية لا يمكن التنازل عنها، أو بالأحرى نتيجة حتمية لسياسة الإفراط في الاستغلال والتفريط في القيم الإنسانية؟
إذ الاحتراف في إنتاج حشوات البنيون مما تبقى من الصابلي والبوردوناج والبقلاوة وغيرها، ليست كتلك التي تستدعي أشلاء البسكويت الصناعي كي يمنحها مذاقًا حضاريًا للفوضى المهيمنة على اختياراتنا.
ولنقل إن الاحتفاء بالبنيون، دون الخضوع لتوصيف يدقق في شكله وحشوته، يكشف زيف ما يسمى بالمنتجات الاجتماعية لما بعد العولمة، ويفضح معها التهافت المستميت لإنسان الحضارة المادية المنشغل في استغلال القوالب الجاهزة والسريعة لتحقيق رغباته، بدل إعادة تدوير مخلفاته لحماية ثقافته، وصيانة تاريخه المترامي على عتبات الزيف والتلفيق.
إن مسألة الابتكار لا تعني بالضرورة استحداث أمر لم يكن من قبل؛ فتطوير المخلفات وتدويرها هو ابتكار في حد ذاته، يمنح سلع الحضارة سوقًا مفتوحة وفضاء بالغ الخطورة، ليضفي عليها طابعًا ثقافيًا عابرًا للعلاقات والقيم الإنسانية
الابتكار ثقافة
ثمة سؤال تقدم به أحدهم، يكمن حول اعتبار البنيون حلوى، أو بالأحرى: ما الذي يجعل "حلوى البنيون" تغزو مشاهد التفاخر الاجتماعي في الأعياد؟
وللإجابة عن السؤال نحتاج بداية إلى تحديد تكوين البنيون الذي يحيلنا إلى هوية المنتج، وقدرته الهائلة على التداول المستمر ضمن الطقوس الاجتماعية والثقافية، إذ العلاقة بين تفضيل الشيء والاختيارات الحتمية للمجتمعات الاستهلاكية لا تتوقف عند الرغبة والمشاعر المضمرة، ولا إكراهاتنا، بل يتعدى الأمر إلى اللامبالاة في فهم دواعي التطور الاجتماعي والقلق النفسي، ومنتوجاته المعبرة عن ثقافته وهويته، فالمتأمل في البنيون لا يسعه تحليل مكوناته بقدر ما يحشره ركام المخلفات في زاوية التسليم لمنطق إعادة تدوير رماد الحضارة، والتفاخر بها لكونها ابتكارًا إنسانيًا يمكنه اختراع تاريخ يليق بنا.
إن مسألة الابتكار لا تعني بالضرورة استحداث أمر لم يكن من قبل؛ فتطوير المخلفات وتدويرها هو ابتكار في حد ذاته، يمنح سلع الحضارة سوقًا مفتوحة وفضاء بالغ الخطورة، ليضفي عليها طابعًا ثقافيًا عابرًا للعلاقات والقيم الإنسانية؛ فابتكار موضوعات (سلع) استثنائية لن يكون بالصدفة، إذ يستوجب الحصول على تفسيرات لدوافع إنتاج نمط استهلاكي سريع، وفهم محتوى الثقافة التي تغزو التفكير السلطوي والتاريخ الهامشي، ووسائط التواصل الاجتماعي تعمل على ترويج الابتكار في محتواه الشكلي والسلعي، بعيدًا عن الخصوصية والحاجة الملحة للاستهلاك الإنساني.
ولننظر -بعيدًا نوعًا ما عن حلوى البنيون- إلى تلك الإحالات القيمية، والقوانين الإنسانية المتشابكة مع ثقافتنا وهويتنا، كيف يعاد ابتكار أدواتها لتطويع ما يفترض أنها حقوق إنسانية، وارتباط أخلاقي للاعتراف بسرديتنا لعالم الأشياء، وكوننا تقليديين وشرقيين في سلم توصيفات الآخر، فإن مهمة الابتكار لدينا تخضع للأشكال الأساسية والعناوين النهائية للحضارة، لا التفاعل الاجتماعي والانتماء التاريخي اللذين يضمنان إنتاج نمط ثقافي خاص بنا، غير استهلاكي تختزله العولمة في طقوس الاستلاب والهيمنة.
ومن منطلق المتعة في تحقيق لذة النفس البشرية، يفسر البنيون سخرية الحضارة وهشاشتها في الانتماء لقيم الإنسانية ومدى استجابتها للقوانين الأخلاقية، كونها مخلفات تختص بفئة معينة من البشر متى تعلق الأمر بالاستغلال والهيمنة، وتتمايز بالإنكار والقمع وإشباع شهوة الإبادة والتطهير العرقي، مع التفكير في ابتكار سلع جديدة تذعن للغزو الاستهلاكي السريع للأشياء، وقد فرضت الحروب وضعًا إنسانيًا تسرده صور المأساة والعنف، فليس ثمة حاجة لصناعة حلوى البنيون للذين يواجهون الخوف وويلات الإبادة والتهجير، إذ تبعث الرؤية الاستغلالية لحضارة ما بعد الإنسان شكل الابتكار الإمبراطوري المخيف لمخلفات الاستعمار، الذي يسعى جاهدًا لإعادة تدويرها وتصنيعها في محتواها الاستهلاكي العنيف.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

