الفلسفة الإسلامية بين الأصالة والتبعية: قراءة في المواقف والنقاشات

ابن رشد
ابن رشد (الجزيرة)

يثار الجدل منذ قرون حول ما إن كانت الفلسفة الإسلامية تمثل فكرًا أصيلًا أم إنها مجرد تلخيص وشرح للفلسفة اليونانية.

هذا النقاش بين الباحثين والمفكرين يسلط الضوء على الأبعاد المعرفية والفكرية للفلسفة الإسلامية، ويستعرض آراء المؤرخين والمفكرين الذين طرحوا تساؤلات حول أصالة الفلسفة الإسلامية.

في هذا المقال، سنناقش مواقف هؤلاء الباحثين، من الموقف الذي يرى في الفلسفة الإسلامية امتدادًا للفكر اليوناني، إلى المواقف التي تدافع عن أصالتها وتفردها.

يثور تساؤل لطالما كان محل جدل بين المؤرخين والباحثين: أتوجد حقًّا فلسفة إسلامية أصيلة، أم إنها مجرد شروح وتلخيصات وجمع لآراء الفلسفة اليونانية؟

 

الموقف الأول: الإنكار والاستمداد من الفلسفة اليونانية

ذهب بعض المستشرقين إلى أن مفكري الإسلام لم يقدّموا فلسفة خاصة بهم يمكن وصفها بـ"الإسلامية"، بل رأوا أن ما عندهم من آراء ومذاهب فلسفية مستمدٌّ في جوهره من الفلسفة اليونانية.

ومن أبرز القائلين بذلك تنمان الألماني (ت: 1234هـ / 1819م)، حيث ذكر في كتابه "المختصر في تاريخ الفلسفة" أن العرب استرعى انتباههم أرسطو وشروحه من خلال المذهب الأفلاطوني الجديد، ولكن عبر ترجمات ناقصة جدًا.

ورغم دراستهم للعلوم الرياضية والطبيعية، فقد وقفت أمام تقدمهم في الفلسفة عدة عقبات، منها: القرآن الكريم، وتمسك أهل السنة بالنصوص، وسلطان أرسطو على عقولهم، فضلًا عن عدم فهمهم الكامل لمذهبه. وبناءً عليه، لم يتمكنوا -حسب رأيه- من تجاوز مجرد شرح فلسفة أرسطو، مع ما صاحب ذلك من تشويه لها.

وكذلك ذهب إرنست رينان (ت: 1309هـ/ 1892م) في "تاريخ اللغات السامية"، حيث رأى أن الفلسفة عند العرب يشوبها الاضطراب، ومن الخطأ -برأيه- تسميتها "فلسفة عربية"، لأن نشأتها لم تكن من جزيرة العرب، بل من أطراف العالم الإسلامي، مثل الأندلس وسمرقند، وغالبية المشتغلين بها -كما يقول- لم يكونوا من العرب أصلًا، وإنما كتبوا بلغة عربية فحسب.

إعلان

وأما برتراند راسل (ت: 1390هـ/ 1970م) في "تاريخ الفلسفة الغربية" فقد اعتبر الفلاسفة المسلمين، مثل ابن سينا وابن رشد، مجرد شارحين لأفكار أرسطو والأفلاطونية الجديدة، وسخِر من الحضارة الإسلامية بقوله إن المدينة الإسلامية كانت مزدهرة في الفنون، لكنها تفتقر إلى "القدرة على التفكير التأملي المستقل"، وإن أهميتها اقتصرت على دور "الناقل".

ويمكننا أن نشير إلى بعض ما ورد عنه، حيث يقول: "فقد كانت المدينة الإسلامية أيام مجدها تدعو إلى الإعجاب في الفنون وفي كثير من الأساليب الفنية، لكنها لم تبينّ شيئًا من القدرة على التفكير التأملي المستقل في الأمور النظرية، فأهميتها التي لا ينبغي أن يقلَّل من شأنها هي أهمية الناقل".

كما ذهب ليون جوتييه (ت: 1313هـ/ 1897م) إلى أن المسلمين لم يبدعوا فلسفة حقيقية؛ لأن العقل الإسلامي -كما يرى- عقل ضيق وغير عقلاني، فكان أقصى ما استطاع أن يفعله هو التوفيق بين الفلسفة اليونانية والدين الإسلامي.

ويؤكد هذا الاتجاه ما جاء في دليل أكسفورد في الفلسفة من أن: "الفلسفة الإسلامية تقوم أساسًا على ترجمة نصوص يونانية إلى العربية، وهي تغطي نشأة وتطور فكر فلسفي توفيقي، لكنه نسقي، في العالم الإسلامي من الأندلس حتى الهند، بدءًا من القرن التاسع حتى اليوم".

وبناءً على هذا الرأي، فإن ما يُعرف بـ"الفلسفة الإسلامية" لا يعدو كونه امتدادًا للفكر اليوناني، خاليًا من الإبداع والأصالة.

الموقف الثاني: إثبات الأصالة والتميّز

في المقابل، يرى بعض المفكرين والباحثين أن هناك فلسفة إسلامية أصيلة، لها خصائصها التي تميّزها عن الفلسفة اليونانية. وممن يبرز في هذا السياق:

هورتن (ت:1364هـ/ 1945م) يقول: "ولتقدير ما للفلسفة الإسلامية من الشأن يجب بيان ما في مذهب أرسطو من النقص. ولا نظير لأرسطو في ضبط المعاني الجزئية، لكنه لم يفلح في تقدير نسق شامل للعالم كله معتبرًا في ثنايا صورة ذهنية واحدة… ثم جاءت الفلسفة الإسلامية مستمدة من المذهب الأفلاطوني الجديد، فجاءت معها فكرة قوية هي فكرة الإمكان التي تحيط بجملة الموجودات وتجمعها في وحدة".

وكذلك هنري كوربان (ت: 1388هـ/ 1968م)، الذي رأى أن الفلسفة الإسلامية ترتبط ارتباطًا جوهريًا بالواقع الديني والروحي للإسلام، ولا يصح اختزالها في الأسماء التي وصلت إلى الغرب اللاتيني، بل يجب فهمها في سياقها التأملي الكامل داخل الحضارة الإسلامية.

وأما ويليام جيمس ديورانت (ت: 1401هـ/ 1981م)، في "قصة الحضارة الإسلامية"، فأكد أن الفلسفة العربية في الشرق شهدت ازدهارًا بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين، وأن ما وصلنا منها لا يمثل إلا جزءًا صغيرًا من تراث ضخم لا يزال مغمورًا في المكتبات، حيث أشار إلى ذلك بقوله: "وإن مما يؤسف له أن يكون علمنا بتلك القرون الثلاثة (750-1050)، التي ازدهر فيها التفكير الإسلامي، ناقصًا كل النقص، ويرجع سبب ذلك إلى أن آلافًا من المخطوطات العربية في العلوم والآداب، والفلسفة لا تزال مخبوءة في مكتبات العالم الإسلامي.. وليس ما نعرفه من ثمار الفكر الإسلامي في تلك القرون الثلاثة إلا جزءًا صغيرًا مما بقي من تراث المسلمين".

إعلان

وكذلك مصطفى عبد الرازق (ت: 1356هـ/ 1937م)، الذي نفى أن تكون الفلسفة الإسلامية مجرد صورة مشوّهة من فلسفة أرسطو، مؤكدًا أن لها كيانًا مستقلًا يميزها عن غيرها، حيث أشار إلى هذا بقوله: "تلاشى القول بأن الفلسفة العربية أو الإسلامية ليست إلا صورة مشوهة من مذهب أرسطو ومفسريه، أو كاد أن يتلاشى، وأصبح في حكم المسلّم به أن للفلسفة الإسلامية كيانًا خاصًا يميزها عن مذهب أرسطو ومذاهب مفسريه".

وهذا ما أكده إبراهيم مدكور (ت: 1416هـ/ 1996م)، بقوله: "نعم، هناك فلسفة إسلامية امتازت بموضوعاتها وبحوثها، بمحاولتها التوفيق بين الوحي والعقل، والعقيدة والحكمة، والدين والفلسفة، وتبين للناس أن الوحي لا يناقض العقل، وأن العقيدة إذا استنارت بضوء الحكمة تمكنت من النفس وثبتت أمام الخصوم، وأن الدين إذا تآخى مع الفلسفة أصبح فلسفيًا، كما تصبح الفلسفة دينية. فالفلسفة الإسلامية وليدة البيئة التي نشأت فيها والظروف التي أحاطت بها، وهي كما يبدو فلسفة دينية روحية".

وفي خضم معمعة الجدل بين المؤرخين والباحثين، فيما يتعلق بشأن الفلسفة الإسلامية بين الأصالة والتبعية، ما حفز علي النشار على اقتراح تقسيم الفلسفة في الإسلام إلى قسمين:

  • الفلسفة الإسلامية: وهي التي مزجت الفلسفة الأرسطية بالأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة، وحاولت التوفيق بينها وبين العقيدة الإسلامية، كما نرى عند الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وغيرهم. ورأى النشار أن هذه المحاولات كانت غير مكتملة، بل مشوهة أحيانًا.

وبصدد ذلك يقول: "وقد تناول هذه الفلسفة بعض المفكرين الإسلاميين بمنهج تنسيقي، حاولوا في ضوئه التوفيق بين مختلف المذاهب اليونانية، ثم حاولوا التوفيق بينها وبين الإسلام، واصطنعوا في هذا كل وسيلة ممكنة، وقد بدت المحاولة مشوهة وناقصة، وتسمى هذه المحاولة بالفلسفة الإسلامية، ويسمى أصحابها بفلاسفة الإسلام، كالكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن باجة، وابن طفيل، وكل ما وصل إلينا عنهم لم يكن شيئًا جديدًا، كان عبارة عن صورة مختلطة ومختلة من المشائية أو الأفلاطونية أو الأفلاطونية الحديثة، مع محاولة غير ناجحة للتوفيق بينها وبين الفكر الإسلامي.

  • وأما الفلسفة المسلمة فهي -في رأيه- الفلسفة الكامنة في علم الكلام، وأصول الفقه، والتصوف السني، وعلم الاجتماع، وفلسفة السياسة والنحو.

وتميزت بمادتها الإسلامية، أي الكتاب والسنة، ومنهجها الاستقرائي والتجريبي. ويخبرنا أن هذه الفلسفة (فلسفة المتكلمين من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وشيعة معتدلة، وصوفية أخلاقية سنية) هي الفلسفة الإسلامية، أو -بمعنى أدق- "الفلسفة المسلمة"، لم تقبل فلسفة اليونان، بل لفظتها، ولم تكن أبدًا تمثّل فلسفة إسلامية.

ويمكن تلخيص ما سبق بتأكيد صحة القول إن الفلسفة الإسلامية مصدرها الفلسفة اليونانية، وبالأخص فلسفة أرسطو، وأنها سيطرت عليها في بداية نشأتها، ولكنها ما لبثت أن فقدت سيطرتها شيئًا فشيئًا، وتقلصت حتى أصبحت لها منظومة تختص بها، وصار لها كيانها الخاص بها؛ فلم يكن ما دخل في إطارها فلسفة من نسميهم "فلاسفة الإسلام" فحسب، كالفارابي وابن سينا وابن رشد، بل وضع هذا الإطار أيضًا -وبجانب هذه الفلسفة- علم الكلام، ثم أضيف إلى هذا الإطار أيضًا فلسفة التصوف في العقود الأولى من القرن العشرين، وفي أواخر العقد الثالث من هذا القرن أضافت المدرسة الإسلامية الحديثة إلى هذا الإطار فلسفة أصول الفقه.

وتأسيسًا على ذلك يكون علم الكلام، والتصوف، وأصول الفقه، من مكونات الفلسفة الإسلامية. وبصدد ذلك يقول مصطفى عبد الرازق: "وعندي أنه إذا كان لعلم الكلام ولعلم التصوف من الصلة بالفلسفة ما يسوِّغ جعل اللفظ شاملًا لهما، فإن علم أصول الفقه -المسمى أيضًا علم أصول الأحكام- ليس ضعيف الصلة بالفلسفة، ومباحث أصول الفقه تكاد تكون في جملتها من جنس المباحث التي يتناولها علم أصول العقائد الذي هو علم الكلام، بل إنك لترى في كتب أصول الفقه أبحاثًا يسمونها مبادئ كلامية، هي من مباحث علم الكلام. وأظن أن التوسع في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية سينتهي إلى ضم هذا العلم إلى شعبها".

إعلان

وقد سار النشار على خطى أستاذه مصطفى عبدالرازق، حيث أدرج علم الكلام، وأصول الفقه، والتصوف، وفلسفة النحو، وعلم الاجتماع -أو فلسفة السياسة-، ضمن الفلسفة الإسلامية وضمن -على حسب تعبيره- الفلسفة المسلمة، حيث يرى أن "أصول الفقه" انتهى إلى مذهب فلسفي متكامل: نظرية في المعرفة، ونظرية في المنهج، وتطبيق لهذا المنهج، ثم بحث ميتافيزيقي وفيزيقي وأخلاقي.

ولا يفوتنا في هذا المقام كلام جميل للجابري بهذا الصدد؛ حيث يقر بأن فلاسفة الإسلام قد أعجبوا بالمنطق الأرسطي، ولكن هذا لا يعني أنهم طبقوه والتزموا به في مناقشاتهم وأبحاثهم، لأن بنية الفكر الإسلامي تختلف اختلافًا جذريًا عن بنية الفكر اليوناني، هذه تقوم على ثابت أساسي هو "لا شيء من لا شيء"، وتلك مؤسسة على ثابت آخر مخالف تمامًا هو: "الخلق من عدم".

وإذا كان الأمر كذلك إذن، فنحن أمام بنيتين مستقلتين لا يمكن إرجاعهما إلى أصل واحد، أو إلى أصول مشتركة، وعندما يكون الأمر على هذا الشكل يصبح تمرير عنصر من البنية الأولى إلى البنية الثانية متطلبًا إحداث تعديل في مضمونه، وتلوينه بلون البنية المنقول إليها، أي قراءته قراءة جديدة مستوحاة من النسق العام الذي يراد نقله إليه، فتصبح المسألة مسألة دمج وتأصيل وتصحيح.

ويعطينا الجابري مثالًا على ذلك مسألة العقول ومراتبها وأسمائها، حيث جعل أرسطو العقول السماوية سبعة وأربعين، بل خمسة وخمسين، كما نجدها عند أفلوطين، الذي قال بالفيض وجعل العالم الإلهي ثلاثة (الواحد، والعقل الكلي، والنفس الكلية)، وقد أخذ الفارابي فعلًا فكرة العقول عن أرسطو، وفكرة الفيض عن أفلوطين، ولكنه أعطى ذلك مضمونًا جديدًا مستمدًا من بنية الفكر الإسلامي؛ فجعْل العقول عشرة ينسجم مع مراتب العالم العلوي في المنظور الإسلامي، وهي الله، ثم سدرة المنتهى، ثم السماء العليا، ثم السماوات السبع الطباق.

ويخلص الجابري إلى نتيجة مفادها: نحن أمام بنيتين فكريتين لكل منهما منطقها الخاص، وسيكون من الخطأ تفكيك عناصر إحداهما والنظر إليها بمعزل عن النسق الذي تنتمي إليه.

وهو ما أكدته الدكتورة زينب عفيفي، أستاذ الفلسفة الإسلامية، بقولها: نود أن نشير إلى أننا نعتبر أن المصدر الإسلامي هو رابع المصادر الرئيسية، لما له من أثر كبير في تعديل أكثر النظريات والآراء اليونانية التي اعتنقها الفارابي، وخاصة التي تتعلق بالفيض، فلقد أخذ الفارابي فكرة العقول عن أرسطو، وفكرة الفيض عن أفلوطين، ولكنه عندما أراد إدخالهما في بنية الفكر الإسلامي أعطاهما مضمونًا جديدًا مستمدًا من هذه البنية نفسها، وهكذا جعل العقول "عشرة"، بشكل ينسجم مع مراتب العالم العلوي في العقيدة الإسلامية، وهي الله، ثم سدرة المنتهى (العرش العظيم)، ثم السماء العليا (الكرسي)، ثم السماوات السبع الطباق، يضاف إلى ذلك أنه أطلق أسماء إسلامية على موجودات العالم العلوي؛ فسمى العالم العلوي عالم الربوبية، وفي الوسط عالم الأمر الذي يتصل طرفه الأعلى بعالم  الربوبية، ويتصل طرفه الأدنى بعالم الخلق.

ويذكر في هذا السياق -كما هو مقرر- أن أفلاطون لم يبين كيفية صدور الأشياء عن عالم المثل، أي إنه يرى أن الأشياء ظلال للمثل، ولكنه لم يوضح كيفية تأثير هذه في تلك، أما الفارابي فإنه جعل المثل في العقل الإلهي لإبداع ما يبدع، ولا تفسد ولا تزول، فالله عنده صور ما يريد إيجاده؛ لأنه لا يوجِد شيئًا جزافًا وعلى غير قصد. فالأشياء بعد أن كانت في عالم الله صورًا عامة وماهيات فقط، تتحول إلى هويات وتصبح حقائق فعلية. هكذا أصبح تحقيق المثل عند الفارابي هو منح الهوية للماهيات الممكنة القائمة في العقل الإلهي.

ويقول الفارابي بصدد ذلك: لأن الله هو العلة الموجدة للعالم فيجب أن توجد صور الأشياء لديه قبل الإيجاد، وذلك لأن فقدان العلم المسبق بالمعلول يعني عبثية فعل الفاعل، وحضرة الحق، تعالى، منزه عن هذا النقصان، وبناءً عليه يجب أن تكون صور العالم موجودة في عالم سابق على عالم المادة، وهو عالم أبدي لا يفنى ولا يفسد، وهذا العالم الإلهي هو عالم حضرة الحق، وبناءً على ذلك يعتقد الفارابي أن المثل هي نفس الصور العلمية لله، تعالى، وما ذهب إليه يتعارض مع ما قاله أفلاطون من أن المثل تتصف بأنها جوهرية، وخارجية، ومستقلة، ولا يثبت لها سوى الوجود العلمي.

إعلان

وكذلك حاول فلاسفة مثل الكندي والفارابي وابن رشد التوفيق بين الفلسفة اليونانية والعقيدة الإسلامية، معتبرين أن الحكمة الفلسفية لا تتعارض مع الشريعة.

هذا التوفيق أدى إلى ظهور مفهوم "فلسفة إسلامية" مستقلة، حيث تم دمج المنطق الأرسطي مع المفاهيم الإسلامية مثل الوحي والنبوة، حيث إن النبي هو شخص يصل إلى أعلى مراتب المعرفة العقلية، ويتلقى الوحي من العقل الفعال، كما ذهب إليه الفارابي، واعتبر أن النبوة ظاهرة عقلية وروحية يمكن تفسيرها بشكل فلسفي.

وكذلك من المسائل التي اختصت في الفكر الإسلامي -على سبيل المثال- مسألة أصالة الوجود، وحدة الوجود، الوجود الذهني، أحكام الوجود السلبية، مناط احتياج الشيء إلى علة، اعتبارات الماهية، المعقولات الثانية، وحدة النفس والبدن، وغير ذلك كما ألمحنا سابقًا.

وأشار مرتضى مطهري أن جهد المسلمين لم يقتصر في المجال الفلسفي على ترديد ما تعلموه من الآخرين، وإنما كانت لهم أصالتهم وكان لهم إبداعهم في هذا المجال، فقد كان عدد المسائل التي ورثها الفلاسفة المسلمون من اليونانيين حوالي (200) مسألة، لكنها بلغت على أيدي فلاسفة المسلمين (700) مسألة.

ختامًا، تظل الفلسفة الإسلامية محورًا مهمًا في نقاشات الفكر الفلسفي حول أصالتها وعلاقتها بالفلسفة اليونانية. وبينما يرى بعض المفكرين أن الفلسفة الإسلامية لا تخرج عن كونها امتدادًا للفكر اليوناني، يؤكد آخرون على أصالتها وتفردها من خلال دمجها بين العقل والوحي، وابتكارها مفاهيم ومباحث خاصة بها تتناسب مع العقيدة الإسلامية.

وإذا كان الفكر الإسلامي قد تأثر بالفلسفات السابقة، فإنه في الوقت نفسه قد استطاع أن يقدم إضافات فكرية رائدة، مستفيدًا من التراث اليوناني ومعدّلًا إياه بما يتلاءم مع متطلبات الواقع الديني والعقائدي.

ولعل ما يميز الفلسفة الإسلامية هو قدرتها على التوفيق بين العقل والنقل، وخلق حوار فلسفي مستمر بين الفكر الإسلامي والفلسفات الأخرى. وبذلك، يمكننا القول إن الفلسفة الإسلامية قد نمت وتطورت لتكون كيانًا فكريًا مستقلًا، يؤكد تفرد العقل المسلم وقدرته على الإبداع والتجديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان