كان ذلك قبل سنتين، خلال شهر رمضان المعظم في ليلة السابع والعشرين منه، ليلة القدر، وقبل أذان المغرب، حيث يجتمع الصائمون حول الموائد بانتظار ارتفاع صوت المؤذن مؤذنًا بالإفطار. وكان كعادته قد شارك ما يعده للإفطار مع أعوان الأمن الرئاسي، الذين يرافقونه ليل نهار ويراقبون بيته.
انحشر العشرات من قوات الأمن بسياراتهم حول بيته عند الغروب، اقتحم الأعوان البيت يبحثون عن "الخزنة"!. "أين الخزنة؟".
كذلك كانوا يصرخون، لم يكن في البيت "خزنة" ولا مال؛ فليس في البيت إلا الكتب والشيخ وزوجته. اختُطف الشيخ الثمانيني بسرعة، وزُجَّ به في إحدى السيارات، وأسرعوا به إلى مكان مجهول.
في السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم لهذه السنة، ستكون سنتان قد مرّتا على اعتقال القيادي الإسلامي المعروف، رئيس آخر برلمان يُنتخب ديمقراطيًا في تونس، قبل الانقلاب الشعبوي في الخامس والعشرين من يوليو/ تموز 2021.
يرفض الشيخ راشد الغنوشي المثول أمام أعوان قضاء التعليمات؛ فهو لا يريد أن يزيد في توريط ما بقي لدى بعض القضاة من نزاهة ومروءة في جريمة تطبيق تعليمات جائرة وظالمة، هو لا يريد أن يقطع شعرة معاوية مع غدٍ آتٍ تتوقف فيه روح الكراهية التي سكنت تونس.
كان اعتقاله إشعارًا بأن ظهرًا للديمقراطية التونسية قد تخلى عنه، فالرجل يقال إنه صديق الجزائر، ولا أحد يصدق أن الجزائر تسلم أصدقاءها.
كنت في المدينة الساحلية شمال المتوسط، في مدينة "بيسكارا" الإيطالية، وكانت المناسبة اجتماع الجمعية العامة للجنة الدولية لألعاب البحر الأبيض المتوسط في 15 أغسطس/ آب 2015، وكان قد ترشح لاستقبال دورة الألعاب الشاطئية 2022 كل من مدينة "وهران" الجزائرية، ومعها مدينة "صفاقس" منافسة لها، وقد فاز عرض مدينة "وهران" بفارق أصوات كبير.
من جهتي، لم أكن أحبذ التنافس بين دول المغرب العربي، والحقيقة أني سعدت لوهران، وتقدمت أمازح رئيس اللجنة الأولمبية الجزائرية وأهنئه بفوزه، ثم تقدمت لتهنئة السيد والي المدينة.. "الشيخ راشد ديالنا (هو منا)، هذا رجل ضحى من أجل بلاده، وانسحب من السلطة كي تتجنب بلاده حربًا أهلية".
جاء اعتقال الشيخ راشد على إثر تصريحه خلال مسامرة ليلة الخامس والعشرين من رمضان بأن الداعين للكراهية والإقصاء تجب إدانتهم؛ لأنهم يهددون السلم والتعايش الذي يتمتع به الشعب التونسي
كذلك خاطبني السيد الوالي عندما تبسطت معه بالحديث الذي لم يطل. أدركت أنه يجب أن تكون جزائريًا كي تفهم حجم وقيمة ما قام به الغنوشي كي يجنب تونس ويلات ما وقعت فيه دول أخرى، ومنها الجزائر.
من نكد الزمان أن الانقلاب في تونس وسم سنوات الانتقال الديمقراطي بـ"العشرية السوداء" وهي التسمية التي أطلقها الجزائريون على سنوات الدماء والحرب الأهلية التي مروا بها والتي يخشون عودتها.
فأي عقل يزيف الوعي بهذه الطريقة، ليحمّل هذا الاسم للسنوات الوحيدة التي تمتع خلالها الشعب التونسي بالحرية، والتي كان ينظر لتونس خلالها على أنها الاستثناء الديمقراطي في العالم العربي؟
والحقيقة أن هذه السنوات العشر كانت بلا شك سوداء على من وسمها بهذا الاسم، لأنها كانت سنوات حرية وديمقراطية؛ فهل يرى المستبدون مراحل حرية الشعوب وسيادتها على قرارهم إلا سوداء؟
ولعل هذا ما يفسر حجم كراهيتهم للشيخ راشد الغنوشي، وهو الرجل الذي تمكن من الحفاظ على حياة الديمقراطية والحرية في بلده لعقد كامل من الزمن، الأمر الذي لم تنجح في تحقيقه بقية التجارب الأخرى في العالم العربي للأسف، فوقعت بين الحروب الأهلية والانقلابات الخشنة.
وإن من بشائر الأيام أن تحتفي بالغنوشي وفكره بلاد المغرب الشقيق، وتعقد الندوات العلمية عن نظريته في "الإسلام الديمقراطي"، يؤثثها الطيف المغربي بتلوناته وتنوعاته.
لا شك أن مساحة الحرية بالمغرب الأقصى ما زال فيها متسع كي تبشر بالفكر الديمقراطي الإسلامي، كما أن لشوارعها متسعًا للشعب المغربي كي يخرج لأكثر من سنة ونصف مساندةً لنضال الشعب الفلسطيني الصامد والمقاوم.
تستعر نار الانقلاب هذه الأيام بمحاكمات ضد الجميع، وكان قد سلط حكمًا على الشيخ الثمانيني الصامد غير الآبه باثنتين وعشرين سنة دون القضايا الأخرى المتراكمة.
ابتسم الشيخ عندما جاءته إدارة السجن ومعهم طبيب ليعلموه بقرار المحكمة ضده، وهم يخشون عليه أزمة صحية بسبب هول الصدمة والفاجعة، فطفق يهون عليهم وقع ما يحملونه، ويروي لهم لطائف الحديث ليسري عنهم، بالنسبة له هذه أحكام سياسية ولا علاقة لها بالقانون، وليس لها من حل إلا الحل السياسي، وهو لا يتوقع من النظام إلا شرًا، ولا يأمل منه ميلًا للعقل والحكمة، ولا يرى فيه إلا دفعًا للكراهية بين أبناء الشعب التونسي المستضعف والمغدور.
لم يعر الشيخ راشد خبر الحكم بما يشبه الإعدام بالسجن بالًا؛ فهو مهموم بطوفان الأقصى الذي يرى فيه طوفانًا سيعم كل المنطقة وسيغير ملامحها؛ وهو بالنسبة إليه قدر لن يستطيع أحد إيقافه.
جاء اعتقال الشيخ راشد على إثر تصريحه خلال مسامرة ليلة الخامس والعشرين من رمضان بأن الداعين للكراهية والإقصاء تجب إدانتهم؛ لأنهم يهددون السلم والتعايش الذي يتمتع به الشعب التونسي، والذي من أجله دُفعت أثمان باهظة، كانت الحركة التي يرأسها الغنونشي الدافع الأساسي لأثمانها، وكان مناضلوها الرافعة الأساسية لتلك التضحيات.
الديمقراطية، كآلية، من أفضل ما أنتج العقل البشري السياسي من آليات للتوافق، والوصول إلى تسويات بين المختلفين، وسبيل إلى حسم الخلافات بعيدًا عن العنف. ولكن عندما حشرت وسجنت في خندق القومية والعرق واللون تعطلت آلياتها
دعا الغنوشي لتجريم هؤلاء حتى وإن انتسبوا للإسلام، واعتبرهم من أعوان الثورة المضادة، وزاد أنه ليس هناك نقطة التقاء معهم، فالغنوشي – المعروف بالتنازل والتحاور والدعوة للتوافق- لا يرى مساحة للتوافق مع الاستبداد والانقلاب.
سألته وهو في سجنه، وبعد طوفان الأقصى، عن مدى صمود تبنيه للديمقراطية؛ فكيف تصمد هذه القيم وحاله يشهد على نفاق العالم تجاهها، فهو سجين اليوم بيد رئيس شعبوي، بينما يقف العالم "الحر" متفرجًا غير آبه، في حين يبرر بعض من يتجرأ من أصحاب الدبلوماسية الغربية بالحديث عن تفكك المعارضة، وإعوار مرحلة الانتقال الديمقراطي! ثم ماذا عن نفاق العالم وإجرامه بحق الشعب الفلسطيني؟
جاء رد الشيخ راشد هادئا ومؤمنًا بالقيم التي دعا إليها من بداية الثمانينيات، ولم تهزه ظلمات السجن بأمواج الشك فيما ربّى عليه أجيالًا، وناضل من أجل الإقناع به وتأسيسه في الفكر السياسي الإسلامي.. قال:
- "أنا في السجن اليوم لأني دعوت إلى قيم الديمقراطية الوطنية، وهي جزء من الديمقراطية الكونية للإنسان، ولأن الصراع في تونس هو صراع بين الديمقراطية واللاديمقراطية. إن أعداء الديمقراطية يعتمدون الحداثة كقاعدة لإقصاء الخصوم الإسلاميين، ونحن في تونس وجدنا تقريبًا بسبب أننا انطلقنا من قيم الإسلام، ولا نجد مبررًا لإقصاء من يخالفنا أو من يؤمن بالإسلام برؤية أخرى، لأننا لا نرى أن هناك ناطقًا رسميًا باسم الإسلام.
- أنا في السجن لأن قسمًا كبيرًا من الحداثيين غير ديمقراطيين، هم يدعون إلى ديمقراطية تخصهم.. ديمقراطية إقصائية.
- نحن في نضال من أجل تونس للجميع، ومن أجل ديمقراطية تسع الجميع داخل تونس وخارج تونس.
- البلاد محكومة اليوم بثنائية الخير والشر، الحق والباطل، الوطنية والخيانة، هذا هو جوهر انقلاب 25 يوليو/ تموز 2021: احتكار الوطنية واحتكار الإسلام واحتكار الصلاح. لذلك، النظام القائم هو في حرب لا هوادة فيها ضد الديمقراطية بكل معانيها، ولا يمكن لهذا المنظور أن يجمع التونسيين لأن الله خلق الناس مختلفين، هو نظام يرى الاختلاف نقمة، أما نحن فنراه رحمة.
- إن فلسطين لم تفضح الديمقراطية فقط، وإنما أيضًا الرؤية القومية للديمقراطية (nation state). الديمقراطية، كآلية، من أفضل ما أنتج العقل البشري السياسي من آليات للتوافق، والوصول إلى تسويات بين المختلفين، وسبيل إلى حسم الخلافات بعيدًا عن العنف. ولكن عندما حشرت وسجنت في خندق القومية والعرق واللون تعطلت آلياتها في أكثر من حالة، خاصة أمام الامتحانات الكبيرة مثل امتحان فلسطين.
الخلل إذًا ليس في فكرة الديمقراطية، ولكن في فكرة "الدولة القومية خارج إطار الأخلاق"، ولا إطار للأخلاق خارج إطار الإنسان.. خليفة الله في الأرض. لذلك، نحن نطالب بالديمقراطية، ونضيفها لإسلام يخرج من ضيق الإنسان (الفرد) إلى سعة الإنسانية".
وللمقال تتمة..
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

