لم تتعثر "بغلة" بل تهاوت أمة!

تأثر الخلفاء العباسيون بملوك الفرس في كثير من آداب مجالسهم
الكاتب: على الرغم من علو القصور في زماننا، فإن قرارات الأنظمة المنبعثة من القصور الفارهة تعمّق الفقر ثم تتعجب من انتشار الفساد (الجزيرة-مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لم تكن الدابة أكثر حظًا من إنسان عاش في ظل عدالة "عمر"، ولم يكن الإنسان الأعرابي بتكامله الاجتماعي والسياسي يخشى أن يقف في وجه عمر فيقول له: "والله لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا"، ولم تكن هناك توجيهات للحراس لاعتقال ذلك الرجل، ولم يعش "الفاروق" حالة الغضب، بل رآها نعمة تستوجب الشكر.

إن التعثر أقل وطأة من السقوط، وبحجم الفعل اهتز وجدان عمر؛ فكان أكثر خشية وخوفًا من أن تزل قدمه في رسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فتلك العبارة التي لا تحمل شكًا في خطابه كانت جبل الأمانة الذي حمله؛ فيخشى أن يسأله الله عن البغلة التي تعثرت في العراق!

على نهج المسلَّمات في حاضرنا الراهن، فإن البغلة لم تتعثر وحدها بل تساقطت معها بغداد ودمشق وصنعاء والقدس وليبيا والخرطوم وبيروت..، فتحوّلت الوحدة الممتدة بحسب التشكّل الجغرافي من كيان واحد إلى خرائط ممزقة، يُستباح فيها الإنسان قبل الحيوان، وتقسّم ثرواته، وتشعل الفتن ليكون القتل ثأرًا جاهليًّا عند الغارق في الجهل والخيانة وهو يدّعي الحكمة.

لقد تعثرت الأوطان لأسباب كثيرة، تعود بأثرها إلى النتيجة الحتمية لغياب الضمير الذي لم يعد فيها حتى مستترًا خلف سقوط المسؤولية، لتصبح مسؤولية الحكم ترفًا للتسلط والسلطة

إن فرضية تعثر البغلة لم تكن مجرد حادثة خطابية وردت في الأثر، بل كانت مؤشر أداء في العدل واليقظة، وإدراكًا من الناس لخوفهم من الله وليس من "عمر"، بخلاف الخوف الحالي الذي تحول إلى نمط حياة، فأصبح إنسان الوضع الراهن يخاف أن يسأل عن حقوقه، ويخاف أن يفكر بحرية.

لقد تعثرت الأوطان لأسباب كثيرة، تعود بأثرها إلى النتيجة الحتمية لغياب الضمير الذي لم يعد فيها حتى مستترًا خلف سقوط المسؤولية، لتصبح مسؤولية الحكم ترفًا للتسلط والسلطة، وأهم الأسباب هو خذلان الشعوب لذواتها قبل أن تخذلها أنظمتها، لتتنوع صنوف التعثر وتصبح العدالة انتقائية، والخيانة وجهة نظر، والكذب سياسة، والانتهازية مهارة، وسرقة الثروات إصلاحًا اقتصاديًّا، والعلم شهادات بلا معرفة، والتفسخ تطورًا.

إعلان

لعل الأكذوبة التي تسللت بحجمها جيلًا بعد جيل، والتي امتشقت سذاجة الشعوب، كانت تدور حول تجارة "الأمل" الذي تحوّل إلى وهم، فصدقنا كل الأكاذيب، وهتفنا باسم كل مستبد ألبسنا رداء الحياة لنصبح عُراة من كل شيء إلا من الهزائم!

لأننا غبنا وغُيّبنا عن المشهد فقد ولدنا متعثرين، حتى وإن كان لباسنا يواري سوءاتنا في الظاهر، ففتحنا عقولنا في استقبال كل ما يدفعنا إلى الانهزامية، التي لم تعد تحتاج إلى جيش يجتاح النهر، ليختلط الدم بلون مداد الكتب على مشهد اجتياح المغول لبغداد عام 1258، فآنذاك عكس ذلك المشهد الهزيمة الحضارية التي ما زالت تدوي بيننا، ونحن اليوم أمام مد كبير من القوى الناعمة التي هندستنا كما يريد المستعمر، دون الإغراق في ضغط الزناد.

عمر لم يكن يجلس على الأرائك في القصور، بل كان هو من يصنع الحدث خبزًا للفقراء، ويروي آمال وطموحات العطشى، والفرق بين ما كان وما يكون ليس في الزمان وإنما في المنهج؛ فعلى الرغم من علو القصور في زماننا، فإن قرارات الأنظمة المنبعثة من القصور الفارهة تعمّق الفقر ثم تتعجب من انتشار الفساد، فتبحث في تحسين مؤشرات مدركات الفساد، وتصدر قرارات وموازنات تفوق ردم هوة الفقر.

إن عدل عمر لم يكن القطب الموجه لمسار الأمة، بل إن الشعوب التي حكمها كانت تمتلك المعرفة الموجهة للعدل، وكانت تعرف حقوقها ولا تخشى الحاكم إن ظلم، لذلك كان الصلاح هو السمة الأبرز في العلاقة الإنسانية، بخلاف الوضع الراهن الذي لا يستقيم فيه الصلاح، فكيف ترقى أمة تصفق للطغاة وتسدن الذل، وتكافئ الفاسدين؟

المشكلة ليست في عدم وجود "عمر" يتناسب مع مقاييس العصر الحالي، بل إن الشعوب قاطبة ما زالت تعيش تحت وطأة الاستعباد، وتعشق الطغاة وتخشى الحرية، وتكره من يوقظها من سباتها وغفلتها

لا يمكن أن ننعم بالحرية التي ترتفع شعاراتها في ظل غياب المنهجية الدينية، ولا يمكن المطالبة بها دون إدراك بالثورة والثوار، ولا يمكن أن نبكي على الوضع في غزة وفلسطين بينما نوقع على التطبيع، ولا يمكن أن نلعن الفقر بينما نقتدي بالفاسدين، ونزكيهم بين الركوع والسجود.. ولا يمكن فهم العثرات إن كان في الآذان وقر وفي القلوب ران.

بين نهم السذاجة التي أغرقت المجتمعات العربية، تحول العقل العربي إلى ساحة معركة في دوائر ضيقة، تضيق بقصور وعيه وتتسع بالتبعية التي تقوده إلى مقصلة البلادة، وهذا ما يؤكده المفكر الأميركي نعوم تشومسكي في كتابه "السيطرة على الإعلام"، إذ يقول: "إن أبسط طريقة للسيطرة على الشعوب هي توجيه وعيهم بحيث لا يدركون أصل مشكلاتهم الحقيقية"، إذًا، دفع العقل إلى السذاجة هو سلاح الغرب في تحطيم الأمة.

ويمكن قياس هذا التنميط في التحول الخطير في معرفة شكل العدو، الذي لم يعد حاملًا للسلاح، بل أصبحت عقولنا منصات استقبال والتقاط، أسرع من أفضل الرادارات تطورًا، لغث العدو الذي يتشكّل في مواقع ومنصات ترفيهية سرقت مداركنا، وصنعت لنا مشاهيرَ وهميين وسطحيين يروّجون العبثَ، ورسائل وخطبًا جوفاء تكرّس الفرقة لتبقينا في دائرة الاستسلام.

لماذا نخدع بسهولة اليوم؟

إعلان

الفاروق لم يؤمّن نهضة الأمة بالمكر والخداع: "لستُ بالخبّ، ولا الخبُّ يخدعني"!. وفي المقابل لم يترك مجالًا لأحد أن يخدعه، فيما اليوم نرى أننا نُخدع بسهولة، فكثيرون منّا يصدقون بأن الزمن تغير وتبدل، وأصبح العدو صديقًا بعد أن طبّعنا معه، ونتجاهل بالنسيان وعزة الإثم أنه ما يزال يقتلنا!

ونصدق كذلك بأن الانحلال في الحواف والمتون هو تحرر، بينما هو تكبيل واستعباد بدون أغلال. ونصدق بأن الإرهاب يستوطن بلادنا فمن الضروري أن يحارَب بالطائرات الأميركية، ونصدق كذلك بأن الديمقراطية لا تتجلى إلا إذا عبرت من فوهة الدبابة الأميركية.. بعدها ندرك متأخرين بأنها الفوضى التي جاءت لصالحهم.

بمجمل تلك الأمور والظروف، فهي تأتي مكررة مع تحسينات صياغية فنسقط في الأخطاء نفسها، ونلدغ من الجحر مرارًا وتكرارًا، فهل نحن شعوب تهوى وتعشق السقوط ثم تبكي بكاء المؤجرة؟

لقد وقعنا في وحل "برمجة" الاختلال لإعادتنا إلى قبضة الاحتلال والسيطرة الغربية، وهذا ما شرحه وفنده المفكر الراحل محمد حسنين هيكل في كتابه "الأمة المستباحة"؛ حيث إن الغرب لم يعد بحاجة إلى فرض هيمنته بالقوة الصلبة، بل أعاد البرمجة والتحديث وفق هندسة إجراءات سريعة من بوابة الاقتصاد والثقافة والإعلام والتعليم، وليس انتهاءً بالخطاب الديني.

فاقتصاديًّا؛ ما زلنا في مستوى استهلاكي يستقبل كل شيء، تقابله ديون ومعاهدات مجحفة وثروات منهوبة. وإعلاميًّا؛ يساق الرأي العام كالنعاج في منصات رقمية بإطارات موجهة نحو قضايا سطحية، بعيدة عن نكباته ونكساته.

ودينيًّا؛ تُشعل المنصات بالترويج لخطابين متناقضين: خطاب متطرف يقتل باسم الدين، ويتقاطع معه خطاب مستسلم يفرغه من أي بعد سياسي أو ثوري، بهدف عدم الإبقاء أو السماح لأي شيء إسلامي يقاوم الظلم، كما كان في عهد عمر بن الخطاب وصلاح الدين.

هل نحتاج إلى نموذج عُمَريّ؟

نسمع في الآونة الأخيرة من كثيرين عن إدخال النموذج الأوروبي أو الأميركي أو الصيني في الإدارة، وآخرون يبحثون عن الممارسات الفضلى لإنزالها برًّا وجوًّا وبحرًا في إدارة شؤون الناس، دون أن يكون هناك أثر من تلك النماذج والممارسات، بل زادت تصنيفات الفساد، وصُرفت الموازنات الباهظة على إعادة "الحصان الميت" إلى الحياة من خلال استبدال الفارس.

إذًا، المشكلة ليست في عدم وجود "عمر" يتناسب مع مقاييس العصر الحالي، بل إن الشعوب قاطبة ما زالت تعيش تحت وطأة الاستعباد، وتعشق الطغاة وتخشى الحرية، وتكره من يوقظها من سباتها وغفلتها، والأهم أنها لم تعد تُريد عُمَرَ!

يقول ابن خلدون في مقدمته: "إذا رأيت الناس يكثرون الحديث عن العدل، فاعلم أن الظلم قد تفشى"، فالعدل نسمعه ولا نراه "إني أسمع جعجعة ولا أرى طِحنًا"، والبغلة تعثر معها القطيع والقطعان، والأمة لن تدرك ولن تستدرك فتعيد بناء وعيها، بل تنتظر من يكتب نعيها، و{إنّ الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم}.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان