- الحرية في الإسلام: العبودية كمدخل إلى التحرر الحقيقي
في الإسلام، الحرية ليست مفهومًا منفصلًا عن السياق الوجودي للإنسان، بل هي حالة تتشكل من خلال علاقته بالمطلق، أي الله. الإنسان -كما يصوره القرآن- مخلوق مكرَّم، لكنه في الوقت ذاته عبدٌ لخالقه. هذه العبودية ليست نقيض الحرية، بل هي جوهرها الأعمق.
ففي الخضوع لله، الذي هو الحق المطلق والوجود الواجب، يتحرر الإنسان من كل ما يُذله: من أهواء النفس، من الشهوات العمياء، من أوهام الاستقلال التي تجعله عبدًا للمادة أو للآخرين. القرآن يقول: {فأين تذهبون} (التكوير: 26)، وكأنه يذكّر الإنسان بأن كل محاولة للتحرر خارج إطار الحق الإلهي هي ضلال يقود إلى عبودية أشد.
الحرية ليست اختيارًا بين خيارات متنافسة، بل حالة وجودية تتجاوز الثنائيات، فلا يبقى عبد ولا حر، بل كائن يعيش في انسجام مع الحقيقة الأزلية
الغزالي، في "إحياء علوم الدين"، يصف هذه الحرية كتحرر القلب من كل ما سوى الله؛ فعندما يتطهر القلب من الشوائب، يصبح الإنسان حرًّا لأنه لم يعد أسيرًا لما هو زائل.
هذا التصور يتجاوز فكرة الحرية كحق فردي إلى رؤية كونية تربط الفرد بالجماعة والكون.
فالإنسان في الإسلام ليس كيانًا منعزلًا، بل هو جزء من نسيج وجودي يحكمه ناموس إلهي. الحرية هنا تتطلب المسؤولية، لأنها ليست انفلاتًا، بل اختيارًا واعيًا للحق والخير. قوله تعالى: {إنَّا عرضنا الأمانة على السَّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحَمَلها الإنسان} (الأحزاب: 72) يكشف عن عمق هذه الحرية: إنها قدرة الإنسان على الاختيار في ظل الارتباط بالغاية الإلهية، وهي أمانة ترفعه فوق الخلق كله.
الصوفية تضيف بُعدًا آخر لهذا المفهوم من خلال فكرة "الفناء".. الجنيد البغدادي يرى أن الحرية الحقيقية تتحقق عندما يفنى الإنسان عن ذاته في الحق، فيصبح حرًّا من كل قيد لأنه لم يعد يرى نفسه ككيان منفصل. هذا الفناء ليس تلاشيًا، بل تجاوزًا للذات نحو الكل، حيث يصبح الإنسان مرآة تعكس الجمال الإلهي.
في هذا السياق، الحرية ليست اختيارًا بين خيارات متنافسة، بل حالة وجودية تتجاوز الثنائيات، فلا يبقى عبد ولا حر، بل كائن يعيش في انسجام مع الحقيقة الأزلية.
الليبرالية: الحرية كاستقلال الفرد وحدودها
في المقابل، تقدم الليبرالية رؤية مغايرة للحرية، ترتكز على الفرد كمركز للوجود. منذ عصر التنوير، مع فلاسفة مثل جون لوك وجان جاك روسو، أصبحت الحرية تعني حق الفرد في امتلاك ذاته، في التصرف بجسده وممتلكاته، وفي تحديد مصيره دون تدخل خارجي.
هذه الرؤية، التي تبلورت في إعلانات الحقوق والدساتير الحديثة، تضع العقل البشري كمعيار أسمى، وترى أن الحرية تتحقق عندما يصبح الفرد سيد نفسه، كما عبر عن ذلك كانط في فكرته عن "الاستقلال العقلي".
لكن هذه الحرية تحمل تناقضاتها الداخلية؛ فبينما تسعى الليبرالية إلى تحرير الفرد من القيود الخارجية، قد تقوده إلى عبودية جديدة: عبودية الرغبات اللامحدودة، السوق، أو حتى العقل نفسه عندما يصبح معيارًا مطلقًا منفصلًا عن أي أفق ميتافيزيقي.
هوبز، في "الليفياثان"، يرى أن الحرية الفردية الطبيعية تؤدي إلى "حرب الكل ضد الكل" ما لم تُقيد بعقد اجتماعي، ما يكشف عن هشاشة الحرية المطلقة في غياب إطار يوازن بين الفرد والجماعة.
جون ستيوارت ميل، في "عن الحرية"، يحاول معالجة هذا التناقض بتحديد الحرية كعدم إيذاء الآخرين، لكنه يترك السؤال مفتوحًا: من يحدد معنى "الإيذاء" إذا كان كل فرد يرى الحرية من زاويته الخاصة؟
سارتر، في "الوجود والعدم"، يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الحرية هي عبء وجودي لا مفر منه، إذ "الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًّا"، كما يقول، وهذه العبارة تعكس مأزق الليبرالية: الحرية هنا ليست تحررًا بالمعنى الإيجابي، بل حالة من القلق والتيه في عالم بلا غاية. على عكس الإسلام، الذي يربط الحرية بمعنى متجاوز، ترى الليبرالية الحرية كانفصال عن أي مرجعية خارجية، ما يجعلها عرضة للتحول إلى فراغ وجودي.
الإسلام يرى الحرية كحالة داخلية وروحية تتحقق بالارتباط بالمطلق، بينما ترى الليبرالية الحرية كاستقلال خارجي يتطلب التحرر من أي سلطة مفروضة
مقارنة فلسفية: المطلق مقابل النسبي
إذا تأملنا في هذين المنظورين، نجد أن الإسلام والليبرالية يشتركان في السعي إلى تحرير الإنسان، لكنهما يفترقان جذريًّا في تعريف مصدر هذا التحرير وغايته. الإسلام يرى الحرية كحالة داخلية وروحية تتحقق بالارتباط بالمطلق، بينما ترى الليبرالية الحرية كاستقلال خارجي يتطلب التحرر من أي سلطة مفروضة. هذا الاختلاف ليس سطحيًّا، بل هو انعكاس لرؤيتين متباينتين للوجود.
في الإسلام، الحرية مرتبطة بالمطلق الإلهي، حيث يصبح الإنسان حرًّا عندما يتجاوز نسبية وجوده الفردي ليتصل بالحقيقة الأزلية. ابن عربي، في "فصوص الحكم"، يتحدث عن "الإنسان الكامل" كمن يتحقق فيه التوازن بين العبودية والحرية، حيث يصبح حرًّا لأنه مستسلم للحق. هذا الاستسلام ليس ضعفًا، بل قوة تتجاوز حدود العقل البشري لتصل إلى ما هو أبعد من الوجود المحسوس.
في المقابل، الليبرالية ترى الحرية كنسبية، مرتبطة بالفرد وتجربته الشخصية، ما يجعلها عرضة للتشتت في غياب مرجعية ثابتة. هايدغر، في "الكينونة والزمان"، يصف القلق كحالة أساسية للإنسان في مواجهة العدم، وهو قلق يمكن أن نراه نتيجة طبيعية للحرية الليبرالية التي تترك الإنسان دون أفق ميتافيزيقي. في الإسلام، هذا القلق يذوب في الإيمان، لأن الحرية تُربط بغاية تتجاوز الذات.
الحرية والغاية: الإسلام كأفق أعلى
الفرق الأعمق بين الإسلام والليبرالية يكمن في الغاية من الحرية. في الإسلام، الحرية ليست غاية بذاتها، بل وسيلة لتحقيق القرب من الله. هذا ما يجعلها تتجاوز الحرية الليبرالية، التي تتوقف عند حدود الذات؛ فبينما تسعى الليبرالية إلى تحرير الإنسان من أجل نفسه، يسعى الإسلام إلى تحريره من أجل ما هو أكبر منه. هذا الفرق يظهر في المسؤولية: الحرية في الإسلام تكليف، بينما في الليبرالية هي حق يُمارس دون التزام بغاية محددة.
نيتشه، في "هكذا تكلم زرادشت"، يتحدث عن "الإنسان الأعلى" كمحاولة لتجاوز الفراغ الذي خلفته الحرية الليبرالية، لكنه يظل أسيرًا لعالم بلا إله.
في الإسلام، "الإنسان الكامل" ليس نتاجًا بشريًّا، بل هو تجسيد للعبودية لله، كما نرى في النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي كان عبدًا وحرًّا في آن واحد. هذا التكامل بين العبودية والحرية هو ما يمنح الرؤية الإسلامية تفوقها الفلسفي على الليبرالية.
الليبرالية، رغم إنجازاتها في تحرير الفرد من الاستبداد، تبقى أسيرة النسبية والمادية، عاجزة عن الوصول إلى الأفق الذي يقدمه الإسلام
الحرية كصراع أم كانسجام؟
الليبرالية ترى الحرية كصراع مع الحدود، سواء كانت طبيعية أو اجتماعية، بينما يرى الإسلام الحرية كانسجام مع الناموس الكوني.
في الليبرالية، الحرية هي تحدٍّ دائم للسلطة، لكن هذا التحدي قد يتحول إلى عبودية للذات أو للعالم المادي.
في الإسلام، الحرية ليست تحديًا، بل استسلامًا للحق يُحرر الإنسان من كل ما دونه. هذا الانسجام يظهر في قوله تعالى: {ألا بذكر اللَّه تطمئنُّ القلوب} (الرعد: 28)، فالحرية هنا هي الاطمئنان الذي يأتي من الارتباط بالمطلق.
الحرية كشهادة على الأبدية
في النهاية، الحرية في الإسلام هي شهادة على وحدة الوجود وجماله، حيث يصبح الإنسان حرًّا عندما يرى نفسه كجزء من كل متكامل، متصل بالمطلق الذي لا يزول.
الليبرالية، رغم إنجازاتها في تحرير الفرد من الاستبداد، تبقى أسيرة النسبية والمادية، عاجزة عن الوصول إلى الأفق الذي يقدمه الإسلام.
الحرية الحقيقية -كما يعلمنا الإسلام- ليست في الانفصال، بل في الاتصال؛ ليست في الذات، بل في تجاوزها؛ ليست في الزمن، بل في الأبدية. وفي هذا التجاوز، يجد الإنسان نفسه حرًّا كما خلقه الله: عبدًا للحق، وحرًّا من كل ما دونه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

