"ستذهب إلى بلاد بعيدة عنا، غريبة اللغة والثقافة، ولكن قلبك سيظل أسير بلادك التي أنجبتك، وسقتك من كأسها المر والحلو. ويجب أن تتصرف كرجل يعرف ما ينتظره، و ما يريده".. كانت هذه من بين الكلمات التي ودعني بها والدي صحبة عمي، وهما اللذان أصبحا في يومنا هذا من أهل الدار الآخرة.
وأنا على متن حافلة سياحية ستنقلني من مدينة أكادير الساحلية بالمغرب إلى باريس عاصمة الأنوار، بدأ شريط حياتي يمر نصب عيني مع كل شبر تقطعه عجلات حافلة مهترئة، كان معظم ركابها من جيل ما فوق الستينيات، جيل فضل الركون للصمت وعدم التحدث مع سائر المسافرين، وكأننا في منافسة لمن سيحظى بالجائزة الكبرى، رغم أنني أعرف أنهم أصبحوا متقاعدين، ولا يأتون إلى فرنسا إلا للبحث عن معاشاتهم، ومن أجل التطبيب.
ليس عيبًا البوح بسلبيات الماضي وجراحه، لأن ذلك يبين حجم ضعف المرء، ويدفعه إلى مزيد من التواضع، أو كما يقال في أحد الأمثال الأفريقية: "إذا كنت لا تعرف إلى أين أنت متجه، فانظر من حيث أتيت"
لم يكن بإمكاني السفر على متن الطائرة، إذ كانت إمكاناتنا المادية في حالة بئيسة، ولم يكن اختيار الهجرة من قبل والدي، بل كان توجها مني لطيّ صفحات ماضٍ عانيت فيه الأمرّين حتى ولجت إلى قسم الدراسات العليا في اللغة والآداب الفرنسية.
وقد راسلت عدة جامعات فرنسية بغية الترشح للسلك الثاني من المستوى الجامعي. كانت هاته الإجراءات تجري على قدم و ساق بعيدا عن أنظار الآخرين باستثناء والدتي، التي كانت على علم بكل التفاصيل، رغم شكها المسبق في إمكانية قبولي، أو حتى تحقق الحلم بالتأشيرة في ظرفية عرفت الهجوم على مبنى التجارة العالمي بنيويورك، وأحداث انفجار مصنع تولوز للمتفجرات في الحادي والعشرين من سبتمبر/ أيلول 2001.
وكان الإعلام قد بدأ يدق ناقوس الخطر ببلوغ اليمين المتطرف في فرنسا لأول مرة منذ نشأته الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية. وما هي إلا بضعة أشهر حتى بدأنا نسمع عن وزير داخلية فرنسي بدأ الترويج لمحاربة الهجرة، وتحقير المهاجرين من خلال عباراته التي لقيت صدى واسعا من قبيل: "فرنسا، عليك أن تحبها أو أن تغادرها".. كان ذلك نذير بداية فكر شعبوي قد يصل مداه إلى كل البلدان الأوروبية، وكان من حظي أن آتي إلى فرنسا في هذه الظرفية المشحونة بالكراهية للأجانب من جهة، وبتنامي الإسلاموفوبيا من جهة أخرى تحت غطاء "احترام قواعد العلمانية".
عم الصمت في الحافلة، وكأننا في عزاء أو في مراسيم دفن أطبق عليه سلطان الموت بحزنه، ورنت أجراسه التي ينقبض لها القلب.
بعد ربع قرن من حياتي ونشأتي بهذا البلد الطيب، تشربت خلاله ألوانا من المرارات والاختبارات على المستوى الشخصي، إلى درجة أنني لم أتمتع بطفولتي، ولم أعرف لسنوات شبابي طعما حلوا.
وليس عيبا البوح بسلبيات الماضي وجراحه، لأن ذلك يبين حجم ضعف المرء، ويدفعه إلى مزيد من التواضع، أو كما يقال في أحد الأمثال الأفريقية: "إذا كنت لا تعرف إلى أين أنت متجه، فانظر من حيث أتيت".
هأنذا أقف على بعد خطوات من الوصول إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، الذي يفصل بيبنا ببضع كيلومترات، وكأنني ابن بطوطة الذي بُعث من جديد لاستكشاف عالم خيمت عليه العولمة بظلالها.. والغريب أن بضعة كيلومترات كانت كافية لتغيير لغة أمة بأسرها، بين اللسان الإسباني والبرتغالي والفرنسي والإيطالي.. أمة أوروبية، لم تبعدها المسافة الجغرافية بقدر ما فعلت اللغة، لغة أصلت لكل ما هو ثقافي، هوياتي وقومجي.
لم يكن المشوار بالسهل، كما هو مع سرعة الطائرة التي لا تستغرق سوى ثلاث ساعات لترسو بمطار أورلي أو مطار شارل ديغول الشهيرين بل ظل السفر على متن هاته الحافلة ثلاثة أيام بليلها ونهارها، في خريف أشبه ببداية موسم صيف حار. هنا تذكرت رواية جون ستاينبيك "عناقيد الغضب"، التي تتحدث هي الأخرى عن مأساة الطبقة العاملة الأميركية في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، وفي فصل صيف حار أطبق عليه الجفاف بجبروته، ليمسح عن المشهد فكرة الحلم الأميركي.
تسلل الخوف للحظات إلى نفسي، كانت خشيتي من الفشل في هجرتي، وأن أعود إلى بلدي خالي الوفاض، بدون بطاقة إقامة تضمن لي العيش الكريم، وكنت من المتخوفين من شماتة الأعداء، فمعظم الذين يتظاهرون بحبهم تجدهم وقت الامتحان يكشّرون عن أنيابهم، لا للهجوم على شخصي بل للشماتة مني، وهذا أدهى وأمرّ.
تذكرت بطولات المسلمين الفاتحين التي هزت كل الجنوب الفرنسي في فترة لم تعرف الحكم المركزي كيومنا هذا، بل كان النظام الإقطاعي وسيطرة الكنيسة هما المهيمنان على المشهد في فرنسا
مع ولوجي التراب الإسباني عادت إلى ذاكرتي صور الماضي الإسلامي، يوم قرر طارق بن زياد عبور البحر من شمالي المغرب إلى الضفة الإسبانية، وأضرم بعد ذلك النار في السفن التي أقلتهم، وقال عبارته الشهيرة: "البحر وراءكم والعدو أمامكم"!. كان ذلك عام 711 للميلاد، في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، وتلت ذلك حروب تُوِّجت بنهاية حكم القوط في إسبانيا.
مرت الحافلة بمدن، وكأن التاريخ يعيد نفسه ليقول إنه في يوم من الأيام كان للمسلمين وجود حضاري هنا، في إشبيلية، وغرناطة، وقرطبة، والأندلس أو -كما يسميها الإسبان- أندلسية.
ولا أقصد هنا الأندلس المذكورة في الكتب التاريخية، بل الأندلس كمدينة إسبانية، إذ إن الأندلس المذكورة في الكتب التاريخية، كان يقصد بها إسبانيا والبرتغال، أو -بمعنى أصح- شبه الجزيرة الإيبيرية.
مرت الحافلة وكأنني أحضّر لمعركة "وادي لكة" الشهيرة (Guadalete)، التي أودت بحياة ملك القوط رودريك (Rodéric). ثم ما فتئت أستيقظ من فراري نحو سراب التاريخ حتى وقفت على اندحار الحضارة الأندلسية، التي صغرت حتى صار الوجود الإسلامي منحصرا في غرناطة دون غيرها، مع آخر ملوكها أبي عبد الله محمد الثاني عشر، الذي سماه الإسبان "El Chico".. كان هذا آخر ملوك الأندلس، وقد استسلم لفيرديناند وإيزابيلا في 2 يناير/ كانون الثاني 1492.
ومع مرور الحافلة، بدأت قصيدة "جادك الغيث" تُسمع كلماتها في أذني، تستعيد ذكرى فقدان الأندلس.
بدأت على إثرها محاكم التفتيش التي تجبر كل من تبقى من المسلمين واليهود على اعتناق الكاثوليكية.. وظل شريط الذكريات التاريخية يأسر مخيلتي في حافلة أسرها سلطان الصمت.
وبعد اجتيازنا كل التراب الإسباني، دخلت الحافلة على المعبر الحدودي مع فرنسا، والمعروف بأونداي (Hendaye).
هنا تذكرت مرة أخرى بطولات المسلمين الفاتحين التي هزت كل الجنوب الفرنسي في فترة لم تعرف الحكم المركزي كيومنا هذا، بل كان النظام الإقطاعي وسيطرة الكنيسة هما المهيمنان على المشهد في فرنسا، التي كانت تسمى بدولة الفرنجة نسبة إلى العائلة الملكية التي كانت تحكم العاصمة، أو "Le Royaume du Franc" كما يسميها الفرنسيون.
وأنا أمر على الطريق السيار الرابط بين بوتيي (Poitier) وباريس (Paris)، تذكرت الهزيمة التي لحقت بالفاتحين المسلمين أمام جيش شارل المطرقة (Charles Martel) سنة 732 للميلاد.
لم تنتهِ الكلمات، وللحديث بقية..
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

