أنا منذ حوالي ساعة أتقلب على فراشي عاجزة عن النوم، حاولت جاهدة إيقاف سيل تفكيري، لكنني لم أفلح. فجأة، اجتاحتني رغبة عارمة لا أدري من أين أتت بركوب الدراجة الهوائية؛ فقد كانت هي الوسيلة الوحيدة التي كنت أستشعر بها نبض الحياة، وأتحسس بقائي على قيدها في زايو.
كان من الصعب جدًا أن أقنع والدي باستخدام الدراجة للذهاب إلى المدرسة؛ فكلما زاد إصراري كبرت حججه، فيشير بإصبعه إلى الحفر العميقة وسط طرقات مدينتنا، ويشرح لي بإسهاب ما يمكن أن يحدث لي بسبب تآكل جنباتها وضيقها
كانت جسري للعبور إلى الحرية التي يرهبها الجميع هناك، فيطلقون عنانهم للوصاية، أحيانًا عبر الإرشاد والتوجيه، وفي أحايين كثيرة أخرى عبر تحرش مكتمل الأركان. فأن تكوني أنثى، هذا يعني أن للجميع حق إلقاء الأوامر، وأنت عليك تطبيقها بحذافيرها دون أن تنطقي بكلمة، وإلا زجُّوا بك مرغمة في خانة "المتمردات اللواتي لا يصلحن للزواج".
كان من الصعب جدًا أن أقنع والدي باستخدامها للذهاب إلى المدرسة؛ فكلما زاد إصراري كبرت حججه، فيشير بإصبعه إلى الحفر العميقة وسط طرقات مدينتنا، ويشرح لي بإسهاب ما يمكن أن يحدث لي بسبب تآكل جنباتها وضيقها، كلما سنحت الفرصة ورافقته إلى مقر النقابة. لكن في الأخير فاز إصراري وخسر خوفه.
ذات يوم، بينما كنت عائدة إلى المنزل مكدسة بخواطر كثيرة تنتظر مني تشريحها والتدقيق فيها، تصادفت مع والد إحدى زميلاتي، وصديقتي في نفس الوقت حينئذ. كان الأساتذة لا يتوقفون عن ذكره في الفصل بفعل نشاطه الثقافي والحزبي وشعبيته الكبيرة! أليس من حقهم أن يفخروا وهم يدرّسون إحدى بناته، مع التركيز على خصها بمعاملة تليق بصدى عائلتها؟
تجريم ركوب الدراجة أكد لي أنني أعيش مع مجتمع يراني شاةً لا حول لها ولا قوة، عندما يقدمون لها ما تأكله، يجب أن تمتن لهم بمنحهم الهدوء بعدم الحركة!
في الصباح، ونحن ننتظر أستاذ الرياضيات الذي يأتي دومًا متأخرًا هو وتفوهاته اللامتناهية، كانت تقف أمامي في صف منتظم، فهمست لها في أذنها حتى نستهل حديثنا اليومي، لكنني لاحظت أنها أشاحت نظرها عني متعمدة.. استغربت للأمر واستفسرتها عن السبب، في البداية قالت إنها لم تنم جيدًا، لكنني لم أقتنع بجوابها واستفسرتها مرة أخرى، حتى استسلمت لأسئلتي التي لا تتوقف عن التقاطر في مثل هذه الحالات؛ فقالت باختصار إن أباها منعها من مصاحبتي لأنني "أتشبه بالرجال" بركوبي الدراجة الهوائية.
تأكدت حينها أنني أعيش مع مجتمع يراني شاةً لا حول لها ولا قوة، عندما يقدمون لها ما تأكله، يجب أن تمتن لهم بمنحهم الهدوء بعدم الحركة!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

