في غزة علينا أن ننعى الكتب أيضًا!

دمار كبير لحق بالمكتبة الرئيسية في غزة جراء القصف الإسرائيلي العنيف (الأناضول)

في هذا المقال نسلط الضوء على قصة مكتبة محب النحو "حمزة أبو توهة"، التي تتضمن عشرين ألف كتاب، لم يكن تجميعها سهلًا، لا من ناحية المبالغ، ولا المحصول الثقافي العلمي الذي استجمعه بدقة.

حمزة أبو توهة، الغزيّ المحب للنحو، حاصل على دكتوراه في اللغة العربية من الجامعة الإسلامية بغزة، وهو محقق في مخطوطات التراث، وكان أول عهده في هذا المسار، وتجلي حاسّة البحث عنده، بمخطوطٍ عمل عليه اسمه "البهجة الوفية" للإمام بدر الدين الغزي، وكان حينها في الثانوية العامة.

نشأ حمزة أبو توهة في بيئة مليئة بالكتب منذ نعومة أظفاره، تجلت ظلال كتب والده في تقدمه نحوها وقراءة ما تتضمنه تلك الكتب، وهو في الإعدادية فقط، كانت تشده مصطلحات "دراسة وتحقيق"؛ فمحا الغبار عن ظل الكتب، وبدأ الغوص في تلك البحور التي ستروي لنا حديقة مكتبته فيما بعد .

يظن البعض أن الكتب مجرد مساحة ثقافة نستزيد منها فقط!! لا، بل هي الرفيقة والروح والفؤاد، هي مساحة نفر بها من عالم يتخبط بالفراغ إلى عالم يرتب ذواتنا ويربت على أكتافنا

في الحديث عن فردوس حمزة، فقد استجمع تلك الكتب بصعوبة ودقة، كان يجوب بقاع البلاد بحثًا عن كل قطعة غنية تزيده علمًا ونفعًا وثقافة، يبحث عن اكتمال اللوحة الفنية التي شُكلت من نحو وصرف وفكرة!

لم يكن يهمه ما يدفع بقدر ما تهمه قيمة فحوى الكتاب، عليك أن تتخيل كيف استجمع ما يقارب عشرين ألف كتاب، كيف أمضى الليالي وهو يعتني بفردوسه، يداريها من أي غبار يحتلها، وأي قطرة ماء تفسدها، وأي هواء يقرب غِلافها.. كان حريصًا على ذلك؛ فهي مُلكه له وحده، يغترف منها ويعالج آلام الدهر بها.

في الثامن والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، كان حمزة عائدًا إلى المنزل يجرر الحرب خلفه، ومن أمامه ضباب ممزوجة رائحته بزناد مقاوم، وصل البيت ونظر مهولًا مما رأى.. ركام! نُسف كل شيء!. أول ما نظر إليه الغرفة التي فيها كتبه، ثروته وجنته، راح يبحث في الركام -تحديدًا- عند الزاوية التي تحتوي كتبه عن أي كتاب، أي ورقة تصلح أن تشفي ولو قليلًا من ألم الفقد.

ستعمرها يا حمزة وتزرع على أرض غزة مكتبتك التي ستفوح رائحتها بمسك الترميم بعد الفقد

يدق السؤال باب الفقد: كيف نام حمزة في أول ليلة فقد فيها كتبه؟! أم إنه لم ينم؟! يظن البعض أن الكتب مجرد مساحة ثقافة نستزيد منها فقط!! لا، بل هي الرفيقة والروح والفؤاد، هي مساحة نفر بها من عالم يتخبط بالفراغ إلى عالم يرتب ذواتنا ويربت على أكتافنا.

إعلان

ستعمرها يا حمزة.. تلك التي قلت فيها: "إذا كانت الحياة عند الناس هي قيمة الأموال والبنايات والعقارات، فأنا أعتبر كل ما أملك هي مكتبتي، هي فردوسي الذي أعيش فيه حرًّا طليقًا، وأهرم فيه من تعب هذه الحياة، وألجأ تحت ظلالها، وأعيش في أريكتها".

ستعمرها وتزرع على أرض غزة مكتبتك التي ستفوح رائحتها بمسك الترميم بعد الفقد، وأنت الذي قلت في غزة: "غزة لم تأخذ منا، ندفع الضريبة بصبر جميل".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان