أيامي مع الطموحات (2)

مكتبة الكتب في مقهى قهوة وكتاب
الكاتب: كنت أقضي طوال النهار في المحاضرات الجامعية وفي الخزانة، وسط أكوام كبيرة من الكتب (الجزيرة)

دخلت الجامعة في سن الحادية والعشرين، وهو سن أبدو معها أكبر بكثير من زملائي في الجامعة. لم يكن الأمر ضربًا من الصدفة، وإنما لأنني لم أدخل المدرسة إلا على مقربة من عشر سنين. كان والدي يرفض تضييع ماله ووقته في دراسة قد تأخذ سنين من الدهر، وتستنزف المال الكثير في انتظار الحلم بوظيفة، قل من ظفر بها آنذاك.

كان المغرب لا يزال في طور البناء والتشييد، بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي لما يقارب ثلاثة عقود، عرفت آنذاك بسنوات الرصاص، وهي التي سأتطرق إليها لاحقًا، خاصة أثناء الحديث عن وفاة الحسن الثاني في صيف العام 1999.

كانت الحياة الجامعية أشبه بتغيير جذري في حياتي؛ فبعد أن كنت أعتمد على الأساتذة في تلقي الدروس، وحفظها على طريقتهم، أصبحت لا آخذ إلا رؤوس الأقلام من الأساتذة الجامعيين، وأخصص كل الوقت للبحث في المراجع الأدبية والنقدية التي تزخر بها الخزانة الجامعية.

يظل القرن التاسع عشر هو الذي عرف تطورًا كبيرًا في الكتابة الروائية، بعد ظهور تيارات فكرية عديدة كالطبيعية، والعادية والواقعية والرومانسية، وصولًا إلى الرمزية. وعرف هذا القرن منافسة بين الكتاب في إنتاج روايات ذات سمت عالمي، كـ"البؤساء" لفيكتور هوغو

كنت متحيرًا في بداية أمري بين التخصص في الآداب الفرنسية أو الإنجليزية، وكنت أرغب في الأخيرة، لكنني فضلت الآداب الفرنسية نظرًا للإرث التاريخي الاستعماري، ولكون كل دواليب الدولة تعتمدها كلغة أجنبية أولى.

والحق أنني لم أكن أريد هذا الاختيار ولا ذاك، كنت في حقيقة الأمر أفضِّل ولوج كلية الحقوق، لما تضمنه من مستقبل زاهر للمتخرجين، خاصة في ميدان القضاء والمحاماة، لكن جامعة ابن زهر بأكادير لم تكن تضم هذا التخصص، والجامعة التي كانت توفره تبعد عنا بحوالي 500 كيلومتر، وهي جامعة القاضي عياض بمراكش.

ولأنني أنحدر من أسرة كان حظها في هذه الدنيا الفقر والحرمان المادي، فقد ارتأيت أن أواصل دراستي في اللغة والآداب الفرنسية بأكادير، وذلك بعد فشل كل محاولاتي في ولوج الوظيفة العمومية، التي لم تكن تتطلب آنداك سوى الحصول على شهادة البكالوريا، واجتياز المباريات.

إعلان

كان الفضاء الجامعي عالمًا آخر، عالمًا غنيًا بالحرية الشخصية، وفي الوقت نفسه يتطلب مجهودًا شخصيًا كبيرًا للنجاح. وكنا نراجع مقرراتنا طيلة السنة، إذ لم تكن الامتحانات الجامعية بصفة دورية، وإنما مرة كل سنة، في شهر يونيو/ حزيران على مستوى الاختبارات الكتابية، وفي أواخر يونيو/ حزيران على مستوى الاختبارات الشفوية.

وكان من لا ينجح يعيد السنة كلها، بكل موادها، على خلاف ما هو عليه الحال في أيامنا الحالية؛ إذ اعتمد النظام الجامعي طريقة أخرى تعفي من رسب في السنة من إعادة الامتحان في المواد التي حصل فيها على المعدل المطلوب.

وكنا ندرس تحليل الدواوين الشعرية والروايات على اختلاف العصور (العصر الوسيط في القرن السابع عشر، عصر الأنوار في القرن التاسع عشر – أو ما يسمى لدى الفرنسيين بالعصر الذهبي-، ثم القرن العشرين أو عصر المثقفين).

كنا ندرس أيضًا المسرح الفرنسي، بدءًا بمسرحيات القرن السابع عشر والتي كانت على شكل قصائد شعرية، ومن أشهر مسرحيي تلك الحقبة أتذكر بوالو Boileau ، وكورنيي Corneille، وراسين Racine، وموليير Molière .

أما القرن الثامن عشر، فقد عرف هيمنة بومارشي Beaumarchais عبر مسرحيته "زواج فيغار" (Le Mariage de Figaro). وأما القرن التاسع عشر، فقد عرف غزارة في الإنتاج الأدبي عموما، والمسرحي على وجه الخصوص، ومنه: "لا مزاح مع الحب" (On ne badine pas avec l’amour) لألفريد دو موسي"، ولورينزاشيو (Lorenzaccio) للكاتب نفسه، وهرناني (Hernani) لفيكتور هوغو (Victor Hugo)…

وظلت الرواية من الفنون التي انجذبتُ إليها، بدءًا بالروايات الشعرية للعصر الوسيط، وعلى رأسها رواية Chrétien de Troyes، أما القرن السابع عشر فاشتهر برواية "أميرة كليفز" لمدام دو لا فاييت (La Princesse de Clèves de Madame de Lafayette).

ثم أتى القرن الثامن عشر عبر الحرية الجنسية، التي ظهرت أول ما ظهرت في كتابات شودرلو دو لا كلو (Choderlot de Laclos) عن روايته "العلاقات الخطيرة" (Les Liaisons dangereuses)، ثم مع الماركيز دو ساد (Le Marquis de Sade) عبر روايته "الفلسفة في الدهاليز" (La Philosophie dans les boudoirs).

 

ويظل القرن التاسع عشر هو الذي عرف تطورًا كبيرًا في الكتابة الروائية، بعد ظهور تيارات فكرية عديدة كالطبيعية، والعادية والواقعية والرومانسية، وصولًا إلى الرمزية. وعرف هذا القرن (وأعني بذلك القرن التاسع عشر) منافسة بين الكتاب في إنتاج روايات ذات سمت عالمي، كـ"البؤساء" لفيكتور هوغو (Les Misérables de Victor Hugo)، و"الصديق" لموباسون (Bel Ami de Maupassant)، و"سلسلة لروروغون ماكار" لإميل زولا (Les Rougons Maquart de Zola)، و"مدام بوفاري" لفلوبير (Madame Bovary de Flaubert).

أذكر ذات مرة أنني كنت كلما أردت الخروج من المكتبة الجامعية، ترن صفارات الإنذار وكأنني سرقت كتابًا، وكل مرة يأتي رجل الأمن ليفتش محفظتي، فلا يجد إلا الكتب التي صرحت بها للإدارة، مطبوعًا عليها تاريخ الإعارة

أما في الشعر، فقد برزت مجموعة من الشعراء، يحملون لقب الشعراء الملعونين، ومنهم بودلير (Baudelaire) بديوانه الشعري الشهير "أزهار الشر"، ورامبو بقصيدته الشهيرة "السفينة الثملة" (Bateau ivre).

إعلان

كنت أقضي طوال النهار في المحاضرات الجامعية وفي الخزانة، وسط أكوام كبيرة من الكتب. وفي المساء، كنت أتسكع في الطرقات، وكانت فئة قليلة من الناس على دراية بأنني جامعي.. كان التسكع مساء يمكّنني من استخراج الشحنات التي أثقلت دماغي طوال النهار من كثرة التفكير والتركيز المتتالي. وكان كل يوم يمضي بمثابة فرصة جديدة لي، تمكنني من التهام كتب جديدة.

وأذكر ذات مرة أنني كنت كلما أردت الخروج من المكتبة الجامعية، ترن صفارات الإنذار وكأنني سرقت كتابًا، وكل مرة يأتي رجل الأمن ليفتش محفظتي، فلا يجد إلا الكتب التي صرحت بها للإدارة، مطبوعًا عليها تاريخ الإعارة.

استغربت كثيرًا!. لماذا ترن هذه الصفارات فقط لأجلي دون سواي؟!. وذات مرة وقع لي الشيء نفسه.. سألني رجل الأمن: هل لديك قنينة عطر؟ استغربت لسؤاله، ولكني أجبت بنعم.. أحب العطر وأحمله دائمًا معي في محفظتي. قال لي: ناولني القنينة من فضلك. وما هي إلا لحظات، حتى أزال من تحتها شريطًا شفافًا وقال لي إنه بعد اليوم لن ترن صفارات الإنذار ضدك!. سألته عن ماهية هذا الشريط الشفاف، فقال لي إنه وسيلة يستعملها أرباب الأسواق الممتازة لاصطياد اللصوص.

ذكر زميل لي لزميل آخر قصة صفارات الإنذار التي ترن فقط في حضوري دون الآخرين، فقال له هذا الأخير: إنه من كثرة قراءته للكتب، التهم الباركود أيضًا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان