أقبل شهر رمضان، فيا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، يا قلوب الصائمين اخشعي، يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي، ويا عيون المجتهدين لا تهجعي.
يا ذنوب التائبين لا ترجعي، يا أرض الهوى ابلعي ماءك ويا سماء النفوس اقلعي، يا خواطر العارفين ارتعي، يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي، قد مدت في هذه الأيام، موائد الإنعام للصوام، فما منكم إلا من دُعِيْ: يا قومنا أجيبوا داعي الله [الأحقاف: 31].
أقبل علينا شهر رمضان المبارك، فيه تفتح أبواب السماء، ويستجاب الدعاء، وتغفر الذنوب، وكان السلف – رضوان الله عليهم- يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم. وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان، وتسلمه مني مُتقبلًا.
فتحُ أبواب الجنة وغلق أبواب النار صرفٌ للهمم عن المعاصي المؤدية بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين هو إعجازهم عن الإغواء وتزيين الشهوات
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين). وذلك علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، وفيه إشارة إلى كثرة الثواب، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمُصفّدين.
وفتحُ أبواب الجنة وغلق أبواب النار صرفٌ للهمم عن المعاصي المؤدية بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين هو إعجازهم عن الإغواء وتزيين الشهوات.
والصيام سرّ بين العبد وربه، والله -عز وجل- يحب من عباده أن يعاملوه سرًا، لا يطلع عليه غيره، لأن الصيام مُركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله، وترك لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها دائمًا، ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة.
بدأت المسابقة، فيا باغي الخير أقبِل.. نتذكر أناسًا كانوا معنا في العام الماضي، انتقلوا إلى ربهم، وهم اليوم من الموتى، لم يدركوا رمضان هذه السنة، فهل نستشعر هذه الحقيقة، هل نستشعر هذا الفضل من رب العالمين علينا، بأن جعلنا ندرك هذا الشهر، وأعطانا فرصة أخرى لكي نعود إليه.
نرى موت الفجأة يحوم حولنا من كل ناحية وفي أي لحظة، ومن عاش هذه الحقيقة يخاف ويحزن على هذه الصلاة التي صلاها ولم يخشع فيها؛ لأنه لا يضمن أن يعيش إلى الصلاة التي تليها، ماذا لو استحضرنا هذه الفكرة في حياتنا كلها وعشنا بها في رمضان؟
إننا في أمسِّ الحاجة إلى حسنة تثقل الميزان عند العرض على الله -تعالى-، لا سيما أننا في زمان كثرت فيه الفتن والقلوب ضعيفة والنجاة عزيزة، والسعيد من اغتنم مواسم الطاعة، واستفاد منها والشقي من غفل عنها وضيع نفسه.
يستحب الإكثارُ من تلاوة القرآن في رمضان ليلًا، فالليل تنقطع فيه الشواغلُ وتجتمع فيه الهمة، ويتواطؤ فيه القلب واللسان على التدبر
ورمضان شهر القرآن، قال -عليه الصلاة والسلام-: من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنه والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف. رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
وإذا كان الإقبالُ على القرآن يطيب في كل حال وزمان، فالأمر في رمضان مُختلف، فقد شرَّف الله -تعالى- هذا الشهر بنزول القرآن فقال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).
ويستحب الإكثارُ من تلاوة القرآن في رمضان ليلًا، فالليل تنقطع فيه الشواغلُ وتجتمع فيه الهمة، ويتواطؤ فيه القلب واللسان على التدبر، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين.
وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل والرضا والتفويض، والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة، والتي بها فساد القلب وهلاكه".
شهر رمضان شهر العتق من النيران، شهر فكاك الرقاب من دار الشقاء والحرمان، والخذلان والهوان
ورمضان فرصة لمن أراد التوبة لما فيه من مغفرة الذنوب والعتق من النيران وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه ، وفي صحيح مسلم أنّ النبيّ قال: ورمضانُ إلى رمضان مكفِّرات لما بينهنّ إذا اجتُنِبت الكبائر.
شهر رمضان شهر العتق من النيران، شهر فكاك الرقاب من دار الشقاء والحرمان، والخذلان والهوان، فعن أبي أمامة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله: لله -عزَّ وجل- عند كل فطر عتقاء. أخرجه أحمد والطبراني، فلنجتهد ما استطعنا في إعتاق رقابنا، وفكاك أبداننا، وشراء أنفسنا من الله، جل جلالُه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

