أثار الدكتور علي جمعة – مفتي الديار المصرية السابق – زوبعة جديدة بحديثه عن أعداد الناس المحتمل دخولهم الجنة. فقد قال جمعة في مقابلة تلفزيونية إن هناك سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وكل واحد منهم يشفع في سبعين ألفًا آخرين؛ أي إنه يدخل الجنة – وفق حسابات الدكتور جمعة – سبعون ألفًا ضرب سبعين ألفًا، فيكون الناتج قرابة الخمسة مليارات من بني آدم.
ووفقًا لكلامه، فإن عدد المسلمين الآن ملياران فقط، وإذا أضفنا إليهم أعداد المسلمين السابقين فلن يصل عدد ساكني الجنة إلى هذا الرقم المحتمل، وهو خمسة مليارات.
وهنا يشير الدكتور جمعة إلى أن دخول الجنة ليس قاصرًا على المسلمين وحدهم، وهي الفكرة التي عبر عنها العام الماضي في أحد برامجه التلفزيونية وكان اسمه "نور الدين".
حسابات الدكتور جمعة تفترض – ضمنيًّا – أن عدد المسلمين حاليًّا (المليارين) بلغ منتهاه، وسدَّ الرجلُ البابَ أمام أي احتمال لزيادة أعدادهم؛ أو افترض أن القيامة باتت حاضرة الآن ولن يزيد عدد المسلمين عما هم عليه الآن
مغالطات
وهذا الكلام الذي ذكره الشيخ جمعة يتضمن بعض المغالطات العلمية التي يمكن إجمالها في النقاط التالية:
ذكر الدكتور جمعة أن أعداد المسلمين السابقين مع المسلمين الحاليين لا تصل إلى الرقم الذي توصل إليه (نحو خمسة مليارات)، وهذا طرح صحيح إن كان التعداد قاصرًا على المسلمين من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وحدهم دون سائر الأمم.
لكنَّ هناك أممًا كثيرة على ملة التوحيد اتبعت أنبياء، قال تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ". فهؤلاء الرسل منذ آدم (عليه السلام) إلى عيسى بن مريم (عليه السلام)، بهذه الأمم الكثيرة على مرّ تلك العصور، لا يوجد لدينا أي حصر بأعدادهم ولا يستطيع أحد التنبُّؤ بذلك.
يضاف إلى هذا أعداد البشر – في شتى بقاع الأرض وفي مختلف العصور – الذين يوصفون بأنهم "أهل الفترة"، وهم الذين لم تبلغهم رسالة أي نبي.
وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير في تفسيريهما عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة: المعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف؟ ولم تأتِنا رسل! قال: وايم الله، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا. ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه".
قال أبو هريرة (رضي الله عنه): اقرؤوا إن شئتم {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا}. فهؤلاء هم أهل الفترة، ولا يوجد لدينا أيضًا حصر دقيق بأعدادهم.
حسابات الدكتور جمعة تفترض – ضمنيًّا – أن عدد المسلمين حاليًّا (المليارين) بلغ منتهاه، وسدَّ الرجلُ البابَ أمام أي احتمال لزيادة أعدادهم؛ أو افترض أن القيامة باتت حاضرة الآن ولن يزيد عدد المسلمين عما هم عليه الآن!
هذا الكلام صدّ عن سبيل الله، بل ربما كان في ذلك دفع للناس في الجرأة على الله، تعالى، فلو سمع آحاد الناس – مسلمًا كان أو غير مسلم – أن الله، تعالى، سيعفو (أو قد يعفو) عن الجميع يوم القيامة؛ فما الذي يضيره إن اتبع الإسلام أو تخلف عنه؟!
ما الضرر؟
وقد يسأل سائل: وما الذي يضيرك أن يعفو الله عن الخلق مؤمنِهم وكافرِهم؟! من كان موحدًا ومن كان مشركًا؟! فالجنة والنار والوعد والوعيد، كل هذا بيد الله، وهو قادر على كل شيء.
ما يضير في هذا الكلام هو مساواة الحق بالباطل، واعتبار أن محلة الكفر والإيمان في الآخرة مآلها واحد، كل ما هنالك أن من لم يؤمنوا بالله أو من أوغلوا في المفاسد والمظالم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودات.
وفي هذا صدّ عن سبيل الله، بل ربما كان في ذلك دفع للناس في الجرأة على الله، تعالى، فلو سمع آحاد الناس – مسلمًا كان أو غير مسلم – أن الله، تعالى، سيعفو (أو قد يعفو) عن الجميع يوم القيامة؛ فما الذي يضيره إن اتبع الإسلام أو تخلف عنه؟! إن آمن بالله أو أشرك به؟! ما الذي يمنعه من اقتراف ما شاء من الذنوب والمعاصي، وأن يرتكب ما يشاء من الجرائم وانتهاك الحقوق، ما دام أن الأمر سيان يوم القيامة (إن كانت هناك قيامة)؟!
وكيف يتحقق – لدى من آمن بالإله الواحد واتبع طريقه – مبدأ العدل الإلهي؟! أين الجزاء الإلهي تجاه المظالم والمفاسد التي ارتكبها ويرتكبها المفسدون والمتجبرون والمجرمون عبر العصور؟! وما الذي يدفعني لاعتناق الإسلام ما دام أنه دين يقول لي – وفق تصور الشيخ جمعة – إن أسلمت فخير وبركة، وإن لم تسلم فلا تبتئس؛ لأن هناك خمسة مليارات سيدخلون الجنة وأعداد المسلمين غير مُجزية، فهناك احتمال أن تكون واحدًا من هؤلاء حتى وإن لم تكن مؤمنًا بهذا الإله!!
ورد في صحيح البخاري عن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) أنه قال: "كنت ردف النبي (صلى الله عليه وسلم) على حمار يقال له عفير، فقال: يا معاذ، هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا".
فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر به الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا". فهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخشى على الناس – وهم مؤمنون موحدون – أن يتكلوا لو علموا أن الله تعالى لا يعذب من لم يشرك به شيئًا؛ فما بالك – يا مؤمن – لو قلنا للناس – مسلمهم وكافرهم – اطمئنوا، آمنوا أو لا تؤمنوا، رحمة ربنا واسعة والجنة واسعة ومحتاجين عددًا!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

