أيامي وطموحاتي (4)

الكاتب: قرأت وأنا تلميذ في الثانوية، روايات المنفلوطي، والسيرة الذاتية لطه حسين "الأيام" (مواقع التواصل الاجتماعي)

كان الحصول على كتاب واحد من أشباه المستحيلات، نظرًا للظروف المادية الصعبة ولقلة الإنتاج في هذا المجال، الذي يخضع -كسائر المجالات- إلى قانون العرض والطلب.

ثم انتشرت بين العوام فكرة، مردها أن الكتاب لا يؤدي إلا إلى الجنون، وأن معظم من خاضوا هذا المجال صاروا معدمين فقراء، ولم يزدهم هذا العلم الذي أخذوه سوى محنة على محنة..  محنة الفقر والحرمان، وعيشهم على هامش الأغلبية التي دبت فيها معضلة الأمية.

والأدهى والأمرُّ هو أنهم كانوا يسخرون من طلاب العلم، بدعوى أن أناملهم لم تتعود سوى على الورقة والقلم.

كيف لأمة تسمى أمة اقرأ، ونزلت فيها أول آية تحث على القراءة، أن تصل إلى هذا المستوى المتردي من الأمية والجهل؟ تذكرت للتوّ هذا البيت الشعري لأبي الطيب المتنبي:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله    وأخو الجهـالة في الشقاوة ينعم

إن كان الغرب قد مر بتجارب مريرة، واستقى منها العبر، فلماذا لا نكون أجدر بأن نتجنب أخطاء الماضي، ونربي أجيالًا جديدة على حب المطالعة، وتكريس ثقافة الوعي السياسي من خلال تجارب الماضي، التي رسخها علم التأريخ في الكتب

ولم يكن من المعيب أن يشتغل الناس في الأعمال اليدوية والحِرف، وحمل مقتنيات الزبائن في الأسواق على ظهورهم، ولم يكن معيبًا الشغل كنادل في المقاهي.. بل كان كل العيب أن تكون من الأقلية التي تهتم بالعلم والفهم!

هكذا أريد لنا أن نبقى جهالًا أميين، مغيبين عن الوعي السياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد، في الوقت الذي نص فيه ميثاق حقوق الإنسان والمواطن المنبثق عن الثورة الفرنسية، الصادر في 26 أغسطس/ آب 1789، على حق الإنسان في التعليم والتعبير واختيار ممثليه في مجلس الأمة.

وليس هذا تعظيمًا للغرب على الشرق، إذ إن هذا المجتمع الغربي عمومًا، والفرنسي على وجه الخصوص، عرف تقلبات سياسية حتى بعد الثورة الفرنسية لأزيد من 83 سنة متتالية، ومنها: الثورة الفرنسية 1789، ثم انقلاب نابليون بونابارت سنة 1804، أو ما عرف بالإمبراطورية الأولى، ثم عودة الملكية سنة 1815، ثم عودة الإمبراطورية الثانية سنة 1852، بعدما انقلب لويس نابليون بونابارت على الحكم في 2 ديسمبر/ كانون الأول 1851، ثم حروب فرنسا ضد البروس -أو الألمان- قبل أن تأتي الجمهورية الثالثة، التي ضمنت الأمن للمواطن.

إعلان

والشيء نفسه وقع في الولايات المتحدة الأميركية، التي تعد رمز الديمقراطية والسيادة في الوقت الحاضر؛ إذ بعد استيلاء بريطانيا عليها، ظهرت معاناة الرقيق، ثم ثورة الأثرياء ضد النظام الجبائي، الذي أدى بالمتظاهرين إلى رفع شعار "لا ضرائب بدون تمثيل"، تلتها مذبحة بوسطن سنة 1770، ورمي أكياس الشاي بميناء بوسطن في ديسمبر/ كانون الأول 1773، ودخلت البلاد في دوامة من الحرب الأهلية قبل أن يعلَن عن استقلال الولايات المتحدة الأميركية في 3 سبتمبر/ أيلول 1783 بموجب معاهدة باريس.

فإن كان الغرب قد مر بتجارب مريرة، واستقى منها العبر، فلماذا لا نكون أجدر بأن نتجنب أخطاء الماضي، ونربي أجيالًا جديدة على حب المطالعة، وتكريس ثقافة الوعي السياسي من خلال تجارب الماضي، التي رسخها علم التأريخ في الكتب؟

والحق أن ظروفي المادية في فترة طفولتي وشبابي كانت أصعب بكثير من شباب اليوم، لكن هذه العراقيل لم تقف حاجزًا أمام حبي للاستطلاع وفهم العالم الذي نعيش فيه؛ فقد كنت أمشي على الأقدام لأكثر من 10 كيلومترات كي أصل إلى الخزانة البلدية التي لم تكن -للأسف- في مدينتنا، بل في مدينة مجاورة لنا تسمى إنزكان.

كنت أمشي هذه المسافة كي أقرأ للحظات بعض الصفحات من الكتب التي كنت أستلهم ما فيها؛ إذ لم تكن الإعارة ممكنة، وكان أكثر شيء يمكن فعله مع هذه الكتب هو نسخها، رغم أن ثمن النسخ كان فوق طاقتنا.

 كان المتنبي واحدًا من أنجب الشعراء الذين عرفتهم الأمة العربية، رغم أن شعره هو الذي كان السبب في هلاكه؛ مات الرجل بسبب بيت شعري ألقاه على الملأ يفتخر فيه بفروسيته

وأحببت في هذه الفترة قراءة ديوان المتنبي بين الفينة والأخرى، لأنني أعتبره واحدًا من أنجب الشعراء الذين عرفتهم الأمة العربية، رغم أن شعره هو الذي كان السبب في هلاكه؛ مات الرجل بسبب بيت شعري ألقاه على الملأ يفتخر فيه بفروسيته، لكن هيهات.. حين أتى بعض الفرسان للثأر منه امتطى فرسه استعدادًا للفرار، فناداه أحدهم بقوله:

– يا أبا الطيب! ألم تقل :

الـخـيـل واللـيــل والبيـداء تعرفني      والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فرجع، وقاتل حتى قُتل.

وكنت أحب قراءة أشعار الحكم، وقصيدة أبي نواس الشهيرة، التي كتبها حينما واتته المنية:

يا رب إن عظمت ذنـوبي كثرة         فلقـد علمت بأن عـفـوك أعـظـم

إن كان لا يـرجـوك إلا مـحـسن        فبمن يلـوذ ويسـتجـيـر الـمـجرم

أدعوك ربي كما أمرت تضرعا        فإذا رددتَ يـدي فـمـن ذا يـرحم

ما لي إلـيـك وسـيـلة إلا الـرجــا   وجـميـل عـفـوك، ثم أنـي مسـلم

وكذا البيت الشعري لقتادة أبو عزيز:

بلادي وإن جرت علي عزيزة       وأهـلي وإن ضنـوا علي كـرام

وفي المرحلة الثانوية غُصت في عالم الرواية.. تعرفت لأول مرة على روايات نجيب محفوظ، وما أزال أحتفظ بروايته: "بداية ونهاية" لأكثر من 27 سنة، وما أزال أتذكر أنه بعد هجرتي إلى الديار الفرنسية، دخلت ذات يوم إلى إحدى الخزانات البلدية بالضاحية الباريسية قصد الانخراط واستعارة الكتب. نظرت العاملة بالخزانة في بطاقة هويتي فقالت لي:

– هل أنت عربي؟

– نعم، من أصول مغربية.

قالت لي:

– إننا اليوم في حداد لفراق أحد أعمدة الفكر العربي.

– نعم.. إنه الكاتب العالمي نجيب محفوظ، الحائز جائزة نوبل للآداب.

استغربت المرأة من معلوماتي عن هذا الروائي المصري، فقلت إنني قرأت رواياته وأنا تلميذ في الثانوية، كما قرأت روايات لطفي المنفلوطي، والسيرة الذاتية لطه حسين (الأيام).

إعلان

قلت إنني أقرأ بكلتا اللغتين، العربية والفرنسية، وأتقنهما على حد سواء. بل، ولم أكتفِ بذلك، فقد قرأت كتاب "ذاكرة ملك"، والروايات المغربية التي يغلب عليها الجانب الفكري أكثر من الأدبي كـ"أوراق" لعبدالله العروي، والمجموعة القصصية "وادي الدماء" لعبدالمجيد بنجلون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان