لم يكن اسم الحشد الشعبي العراقي على طاولة النقاش والتفاوض طوال فترة تأسيسه، بل كان هذا الكيان المستحدث أمرًا مسلمًا بوجوده كما النظام السياسي، وكما أجهزة الدولة، وكما الأرض بالنسبة لقادتهِ.
العرف السياسي ودورة التأريخ تقول إن الشيء الوحيد الثابت في التأريخ هو التغيير فقط، وهذا ما لم يتم حسابه من قبل قادة ورعاة وفصائل ومؤيدي الحشد الشعبي العراقي، وهو القوة التي تم تأسيسها بموجب فتوى المرجع الشيعي الأعلى بعد انهيار معظم القوات الأمنية في العراق عام 2014، والتي كان قوامها عشرات الآلاف من العراقيين، معظمهم من الشيعة، والذين نظموا لاحقًا بقانون عام 2016، يفسر طبيعة عملهم وارتباطهم الرسمي بالدولة وتمويلهم لمحاربة تنظيم الدولة.
الهجمات توجتها الفصائل بالمشاركة في أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، من خلال الطائرات المسيرة والصواريخ وغيرها، وصولًا إلى لحظة الانفجار العسكري الإسرائيلي الشامل، الذي كان بكل الاتجاهات، بعدما اكتشفت أنها (محاصرة إيرانيًا) من خلال أذرعها
بداية الصراع
بعد انتهاء العمليات العسكرية عام 2018، توغلت الفصائل المسلحة داخل النظام السياسي العراقي بواسطة ممثلين في البرلمان والسلطة التنفيذية، بمناصب تم منحها لهم أثناء تسنّم عادل عبدالمهدي رئاسة الوزراء، وكان جزء من هذهِ الفصائل يمثل العمود الفقري للحشد الشعبي.
هذهِ العملية، بحد ذاتها، كشفت عن ظهر هذا الكيان العسكري، وأدت إلى وضعهِ بهذهِ السرعة على طاولة النقاش والحل، أو إعادة الهيكلة لأسباب عديدة، أهمها التدخل السياسي بقرارات الدولة، وميول الفصائل العقائدية، والظروف التي تحيط بالمصالح الأميركية في العراق، والهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة على السفارات والقواعد الأميركية، والتي لم تسيطر عليها الحكومة ولم تحد منها.
تلك الهجمات توّجتها الفصائل بالمشاركة في أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، من خلال الطائرات المسيرة والصواريخ وغيرها، وصولًا إلى لحظة الانفجار العسكري الإسرائيلي الشامل، الذي كان بكل الاتجاهات، بعدما اكتشفت أنها (محاصرة إيرانيًا) من خلال أذرعها ومن تدعمهم في سوريا، ولبنان، وغزة، وبوضع لا تحسد عليه.
ومنهُ تمت جدولة أهداف ضخمة للإطاحة بكل المصالح الإيرانية بالمنطقة، ضمنها قوات الحشد الشعبي وفصائل مسلحة عراقية، مستندة – أي هذهِ الأهداف – لدعم وتوجه الإدارتين الأميركيتين؛ المنتهية والجديدة.
يصرح العراقيون الذين يصطفون مع هذا الخيار بأن قصة حل الحشد هي قصة وجود مذهبي عقائدي سياسي، لا يمكن نقاشها حتى مع العراقيين الذين لهم آراء أخرى
ماهية صراع الإرادات العراقية حول حل الحشد
هنالك ثلاث إرادات عراقية لها مبرراتها حول مصير الحشد الشعبي، وهذهِ الإرادات تصادمت وبرزت فيما بينها مشاكل ظهرت إلى العلن، خاصة بعد زيارة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، محمد الحسان، إلى المرجع السيستاني. هذهِ الإرادات السياسية والعسكرية والمصلحية تُقسم إلى ثلاثة فرق:
- الفريق الأول: اقترح عدم حل الحشد والفصائل، ومواجهة كل ما يتعلق بهذا الموضوع بقوة المقاومة والسلاح، مدعومًا بجزء من القرار الإيراني الذي له مبرراته الإستراتيجية. حيث يمثل العراق، بالنسبة للإيرانيين المؤيدين لعدم حل الحشد، خط الصد الأول للمحور الإيراني، وكذلك أرضًا تمثل آخر معاقل عمق الأمن القومي والمدى الإستراتيجي الخارجي الأخير قبل خط التماس الإيراني المباشر.
فيما يصرح العراقيون الذين يصطفون مع هذا الخيار بأن قصة حل الحشد هي قصة وجود مذهبي عقائدي سياسي، لا يمكن نقاشها حتى مع العراقيين الذين لهم آراء أخرى.
- الفريق الثاني: يقول إن دمج الحشد مع الوزارات الأمنية ضرورة ملحّة للحفاظ على الحشد نفسه، والنظام السياسي، وتجنب ما قد يتم اتخاذه ضد العراق أولًا، وإيران ثانيًا.
هذا الفريق يسلّم بحل ودمج الحشد والفصائل غير المنضوية بهيكلهِ، وتسليم سلاحها للدولة، أو لا توجد مشكلة حتى في دخولها إلى المؤسسة العسكرية بعد تنظيم هذهِ الفصائل بقانون.
هذا الفريق تمثله شريحة كبيرة من جيل النظام السياسي العراقي بعد 2003، مدعومًا بشريحة رأي إيرانية إصلاحية وضعت هذا الخيار للتفاوض مع المحور الأميركي في المرحلة القادمة.
- الفريق الثالث: يقول إن حل الحشد يتحول إلى ورقة تفاوض عراقية موزعة على طاولتين: الأولى تمثل الحشد كمنظومة رسمية يتم التفاوض عليها، بضمها كليًا أو إعادة صياغتها وهيكلتها وارتباطها، أسوة بجهاز مكافحة الإرهاب، على أن تخضع لكل تعليمات وسياسات الدولة الأمنية.
الطاولة الثانية كمحور مقاومة وإمكانية حل الفصائل غير المرتبطة بالحشد مع الإبقاء على الحشد كمؤسسة رسمية. هذا الفريق يحاول تقليل الأضرار المحتملة والموجهة تجاه الحشد الشعبي بصورة عامة. ومن دعاة هذا الفريق زعماءُ فصائل انخرطوا ضمن النظام السياسي، وسياسيون.
هذهِ الإرادة تقابلها إرادة معكوسة تمامًا، تفضل حل الحشد على أن يتم مسّ الفصائل التابعة لإيران، التي تتمثل بثلاثة فصائل رئيسية فاعلة على المستويين: الإقليمي والعراقي.
هنالك دعاة لضم الفصائل المسلحة تحت لواء الدولة، قبل تفاقم هذهِ الأزمة وأثناء تأسيس قوات الحشد الشعبي، وقد تمثل ذلك من خلال نص الفتوى التي على إثرها تشكل الحشد الشعبي، والتي كانت تشير إلى الانخراط مع القوات الأمنية لمحاربة الإرهاب
قلق المواجهة المباشرة
يعتقد جزء من قادة الفصائل أن هنالك إرادة عراقية سياسية جدية للتخلص من الحشد والفصائل، متمثلة بشخصياتٍ شيعية رئيسية، ومن صناع النظام السياسي العراقي لما بعد فترة 2003، ممن كانوا من أبرز داعمي الحشد، وآخرين من القادة السنة والكرد.
هذهِ الدوافع تهدف للحفاظ على مكاسبهم داخل النظام السياسي من جهة، وعلاقتهم بالإدارة الغربية والخارطة الجديدة في المنطقة من جهة أخرى.
بات هذا الهاجس لدى قادة الفصائل أمرًا مقلقًا، يشير إلى إمكانية وصول الأمور إلى عمل مسلح حكومي رسمي، أو قرارات سياسية تجاه الفصائل غير المنضوية تحت ألوية الحشد الشعبي من قبل إدارة الدولة العراقية، في ظل انخفاض الأسهم الإيرانية، أو تعرضها لعمل مسلح أو سياسي دولي، أو عقوبات قاتلة تعرض تلك الفصائل إلى عزلة جغرافية سياسية إستراتيجية، لا تمكنها من مزاولة أية نشاطات محتملة.
يقابل ذلك تضخم الدور السياسي الرافض لوجود الفصائل المدعوم من الدور الأميركي الجديد في العراق، ما يصنع ظروفًا استثنائية للتخلص من تلك الفصائل بصورة نهائية عبر ليلة من السكاكين الطويلة.
تجدر الإشارة إلى أنه كان هنالك دعاة لضم الفصائل المسلحة تحت لواء الدولة، قبل تفاقم هذهِ الأزمة وأثناء تأسيس قوات الحشد الشعبي، وقد تمثل ذلك من خلال نص الفتوى التي على إثرها تشكل الحشد الشعبي، والتي كانت تشير إلى الانخراط مع القوات الأمنية لمحاربة الإرهاب. كذلك، كانت هنالك دعوات حديثة من قبل المرجعية لحصر السلاح بيد الدولة، مشيرة بذلك إلى سلاح الفصائل التي لم تكن ضمن هيكلية الحشد الشعبي.
وفي النهاية، هذهِ ليلة طويلة ربما تمتد لأكثر من عشرة أعوام لتغيِّر وجه المنطقة كليًا، بعد هذهِ الهزات العنيفة التي لم يتوقعها أحد. ولا نعلم ما هي ردات الفعل القادمة لتلك الفصائل إذا ما تم اتخاذ أي إجراء ضدها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

