قدّر الله أن أتتبع التعليم ومظاهره خلال رحلتي عن الأدب الأندلسي، وسوّدت صفحات عنه مبكرًا، ومن ثمرات التعليم تصنيف الكتب والعناية بتحبيرها وتجليدها، وأخبار المكتبات في الأندلس كثيرة، لكن أشهرها مكتبة الحكم المستنصر (350- 366 هـ) على ما جاء في وصفها عند ابن حزم. وعدت اليوم لأدون في المدونة بعض الومضات اللافتة للنظر.. لعلك تصحبني فيها..
روى ابن أبي الفياض (ت 459 هـ) في تاريخه كما نقله المراكشي أنه كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا في ناحية من نواحيها، فكيف بجميع جهاتها؟
الكتاب يتزين به الوجهاء
ومما رواه الحضرمي (كان حيّا سنة 771ﻫـ) أنه أقام بقرطبة مدة، يترقب فيها وقوع كتاب، كان حريصًا عليه، ففرح به أشدّ الفرح، وجعل يزيد في ثمنه، ويرجع المنادي عليه بالزيادة، حتى بلغه إلى ما لا يساوي؟ فأراه شخصًا عليه لباس الرئاسة، وظنه فقيهًا، فسأله عن سبب زيادته في سعر الكتاب، فقال: "لست بفقيه، لا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب، واحتفلت فيها، لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب!".
وللمرأة نصيب
ولم يكن دور المرأة أقل من أخيها الرجل فقد شاركت في ميادين كثيرة، واشتغلت بأكثر العلوم، وعرف عدد منهن بحسن الخط، فقد روى ابن أبي الفياض (ت 459ﻫـ) في تاريخه كما نقله المراكشي أنه كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا في ناحية من نواحيها، فكيف بجميع جهاتها؟
وكان في قرطبة واحدٌ وعشرون حيًّا.. ويفهم من الخبر هذا العدد من النساء اللائي احترفن هذه المهنة، وعُرفن بها، ويشي كذلك بوجود نساء أخريات في هذا المجال.
وجدت عددًا كبيرًا من أعلام النساء تحفل به كتب التراجم يوضح دور المرأة في الحياة اليومية، ونشاطاتها المتعددة، وهو يؤكد الصورة التي عكستها مؤلفات أندلسية في هذا المجال، ومنها كتاب طوق الحمامة في الأُلفة والألاف
ابن حزم العالم الفقيه والشاعر الأديب
- من ثمار النساء
ووجدت عددًا كبيرًا من أعلام النساء تحفل به كتب التراجم يوضح دور المرأة في الحياة اليومية، ونشاطاتها المتعددة، وهو يؤكد الصورة التي عكستها مؤلفات أندلسية في هذا المجال، ومنها كتاب طوق الحمامة في الأُلفة والألاف، وقد قدمت دراسات كثيرة حول تصوير الكتاب لنشاطات المرأة الأندلسية، فقد برزت المرأة مربية، ومدرسة، لأبناء الطبقة العليا، يصرح بذلك ابن حزم نفسه، حفظ القرآن، وأجاد الخط، وتذوق الشعر على يديها، "ومنهن كانت الطبيبة، والحجامة، والسَّراقة، والدّلالة، والماشطة، والنّائحة، والمغنية، والكاهنة، والمعلمة، والصّناع في الغزل والنسيج".
ويجتمع العلم والكرم عند ابن كوثر
من ذلك ما أورده ابن بشكوال في ترجمة أحمد بن سعيد بن كوثر الأنصاري (ت 403هـ): إنه كان يقيم في قلعة رباح، ويقصده طلاب العلم من داخل الأندلس ومن المشرق كذلك في أشهر الشتاء: (نوفمبر/ تشرين الثاني، وديسمبر/ كانون الأوَّل، ويناير/ كانون الثاني) في مجلس مفروش بالبسط ووسائد الصوف فيلقي دروسه عليهم، ثم يقدم لهم موائد بلحوم الخرفان والزيت العذب، ويلبثون على حالهم هذه ثلاثة أشهر، وكانوا نيفًا على أربعين تلميذًا.
والرواية تدل على شدة حرص العالم على التعليم، والعكوف عليه مع قصر النهار في الشتاء وعدم تبديده بالرجوع للمنزل، كما تدل على رحلة طلاب العلم إلى الأندلس لطلب العلم.
ويثبت ابن خير الإشبيلي في فهرسته مكان القراءة لبعض قصائد أبي عبدالله بن أبي الخصال (ت 540 هـ) فيقول: "قراءة مني عليها في منزله".
أبو عمر أحمد بن فرج الجياني (ت 366هـ) صاحب كتاب الحدائق حين سجن في "سجن جيّان" أقام في السجن أعوامًا سبعة أو أزيد منها لم ينقطع عن العلم فكان أهل الطلب يدخلون إليه في السجن ويقرؤون عليه اللغة وغيرها
مناسبات احتفالات الزواج فيها تعليم
فمن طريف ما يروى في مجال ميادين التعليم، أن طائفة من فقهاء طليطلة ونبهائهم ذهبوا سنة 451 هـ في وفد لأمير طليطلة المأمون بن يحيى بن ذي النون للعقد لابنته للمظفر عبدالملك بن أبي عامر أمير بلنسية، فلما جلسوا فيها لأداء مهمتهم، وجدوا أن الفرصة مواتية وثمينة ليسمعوا على أبي عمر يوسف بن عبدالبر، فسمع عليه من أعضاء الوفد أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الصدفي، وأبو الحسن عبدالرحمن بن أبي بكر محمد الصدفي. ومعلوم أن السماع طريقة في الأخذ والتعلم، حفظتها المخطوطات التي بين أيدينا، إذ يسجل فيها السماع.
وفي السجن تجد التعليم
وأطرف من هذه الصورة في التعليم، أنّ أبا عمر أحمد بن فرج الجياني (ت 366هـ) صاحب كتاب الحدائق حين سجن في "سجن جيّان" أقام في السجن أعوامًا سبعة أو أزيد منها لم ينقطع عن العلم فكان أهل الطلب يدخلون إليه في السجن ويقرؤون عليه اللغة وغيرها.
أين المفتاح الذهبي؟
هشام الأول (172 ـ 180ﻫـ) كما جاء عند جودة هلال ومحمود صبح، ينوّهان بدوره الذي خطا خطوة عملية في سبيل توحيد اللغة، في الأندلس.. له منشور رسميّ، يحتّم فيه ضرورة تعميم اللغة العربية على المستعربين الذين يشاركون المسلمين في مدارسهم، "وبعد ذلك بأمد قليل أصدر منشورًا عامًا إلى جميع السكان.. بضرورة تعلم اللغة العربية لتكون اللغة الرسمية"، هذا المنشور مهم جدًا يبين أهمية القرار السياسي في تثبيت دعائم العلم والتعليم وانتشار اللغة العربية، ومعه لا يستغرق ذيوعها وقتًا طويلًا، وأن نسبة المقبلين عليها كانت في ازدياد يومًا بعد آخر. القرار السياسي هو المفتاح الذهبي.
الموهوبون من شبان النصارى لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون أموالًا طائلة في جمع كتبها، ويفخرون في كل مكان، بأن هذه الآداب حقيقة بالإعجاب
كيف فتح المفتاح الأبواب؟
وبعد حوالي ربع قرن من قرار الأمير هشام نقف على وثيقة تاريخية مهمة، تأتي بصيغة شكوى أطلقها أحد رجال الدين الإسبان هو القس آلبرو أو ألفارو القرطبي، يتألم فيها لانتشار اللغة العربية، ولا نجد بين أيدينا إشارة إلى المصدر الذي أخذت منه هذه الشكوى، ولكن مما يوثقها إيثارهم استعمال لغة العرب وأسمائهم، وأزيائهم، حقيقة يعرفها كل الناس، بل إن المستعربين اجتهدوا في أن يأخذوا الطابع الإسلامي، في كل مناحي حياتهم، وهي مكتوبة بخط القس نفسه:
"إن إخواني في الدين يجدون لذة كبرى، في قراءة شعر العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلسفة المسلمين، لا ليردوا عليها وينقضوها، وإنما لكي يكتسبوا من ذلك أسلوبًا عربيًّا جميلًا صحيحًا، وأين تجد الآن واحدًا من غير رجال الدين يقرأ الشروح اللاتينية التي كتبت على الأناجيل المقدسة؟ من ـ سوى رجال الدين ـ يعكف على دراسة كتابات الحواريين، وآثار الأنبياء والرسل؟ يا للحسرة!!
إن الموهوبين من شبان النصارى لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون أموالًا طائلة في جمع كتبها، ويفخرون في كل مكان، بأن هذه الآداب حقيقة بالإعجاب.
لقد أُنسي النصارى حتى لغتهم، فلا تكاد تجد في الألف منهم واحدًا، يستطيع أن يكتب إلى صاحبه كتابًا سليمًا من الخطأ، فأمّا عن الكتابة في لغة العرب، فإنك واجد منهم عددًا عظيمًا يجيدونها، في أسلوب منمق، بل هم ينظمون من الشعر العربي، ما يفوق شعر العرب أنفسهم فنًا وجمالًا".
والرسالة فيها ما فيها من الدلالة على شدة إقبال الإسبان على تعلم اللغة العربية، وتذوقهم لآدابها، ويأسف المستشرق الإسباني بالنثيا، لأنه لم يقف على أمثلة للنتاج الأدبي الذي يشير إليه ألفارو، إلا أنه مما يؤكد هذه الحقيقة وقوفه في ختام مخطوط محفوظ في المكتبة الأهلية، في مدريد، يضم مجموعة من قوانين الكنيسة، وقراراتها، بقلم قس يسمى "بنچنسيس" يهديه إلى أسقف اسمه عبدالمالك وجاءت عبارة الإهداء بصيغة أربعة أبيات عربية بلغة بليغة، وأمّا الهوامش والتعليقات التي كتبت باللغة العربية في كتبهم اللاتينية فهي كثيرة.
ولم يكن ممكنًا، تصور مثل هذه الحالة لدى بعض المستشرقين الإسبان، ولذلك رأوا أن التعريب الحيوي لإسبان الأندلس، ربما لم يتحقق أبدًا!
والحقيقة الساطعة، التي لا غبش فيها: أن العربية ظلّت تخلب الألباب، وتستميل مجامع القلوب، للمسلمين، وغيرهم حتى عهود متقدمة، ففي القرن السادس الهجري، نلاحظ أن يهودا الحريزي يسخط وينكر على أهل ملته اليهود، حين رآهم يقبلون على قراءة اللغة العربية، ويفضلونها على اللغة العبرية، ولذلك يقبل على ترجمة مقامات الحريري إلى العبرية، ليثبت أن لغتهم لا تقل عن العربية ثروة وجمالًا!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
