- لو أن مظلوما واحدا خرج من السجون لكفى!
ما أسرع مرور الأيام! فها هو عام قد مر على نجاح الثورة السورية وفرار الرئيس بشار الأسد بعد ربع قرن قضاها في السلطة، ومن قبلها نحو ثلاثين عاما لأبيه حافظ الأسد.
هي إذن مناسبة لإراقة الحبر على الأوراق والحديث عما جرى وعما يجري أو سيجري على الأصعدة السياسية والاقتصادية، وغيرها.
هي أيضا مناسبة لاختلاف وجهات النظر بشأن المسار الحالي بين من يرون الإنجازات ومن تغلب عليهم الهواجس والمخاوف.
بالنسبة لي أفهم كل ذلك، لكني أختار زاوية أخرى هي الإنسان، ذلك الذي آمنه التحرير من خوف جثم على الصدور لعشرات السنين.
كانت ليلة عجيبة لم أصادف مثلها عبر مسيرة تتجاوز ربع قرن في العمل الصحفي، ومع أنها كانت الأكثر إرهاقا إلا أن هذا كان آخر ما شعرت به
في ذلك اليوم، الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 أشرقت الشمس على واقع جديد، وبدت وكأنها تغسل وجوه أهل الشام لأول مرة منذ عقود، وذلك بعد أيام ارتعشت فيها الأرض، وكأنها تنفض عنها غبار السنين.
انتصرت إرادة الحياة على سطوة الجلاد، وشعر الناس أنهم عادوا بشرا بعد أن فر الطاغية وترك جلاديه بين من لاذ بالتخفي والكمون، ومن لاذ بالفرار أو حاوله.
أصبح بإمكانهم أن يتحدثوا دون خوف، وأن يفتحوا نوافذهم دون أن يتلصص عليهم الهلع أو تتربص بهم عيون الأجهزة الأمنية، التي كانت تعتبر الهمس جريمة وتحول الحلم إلى تهمة.
بالنسبة لي كنت على موعد مع دوام ليلي يبدأ في منتصف الليل، وتصادف أن كان زميلي الذي أتسلم منه العمل سوريًا من حمص وأخبرني بأنه يأمل ألا تنتهي الليلة إلا وقد نجحت قوات الثورة في دخول حمص، بعد أن نجحت في الأيام السابقة في دخول حلب ثم حماة.
توالت الأحداث المثيرة في تلك الليلة فلم تتحقق فقط أمنية زميلي وإنما واصل الثوار طريقهم ليكملوا عملهم بتحرير العاصمة دمشق مع نسمات صباح الثامن من ديسمبر/كانون الأول.
كانت ليلة عجيبة لم أصادف مثلها عبر مسيرة تتجاوز ربع قرن في العمل الصحفي، ومع أنها كانت الأكثر إرهاقا إلا أن هذا كان آخر ما شعرت به.
ما تم كشفه بعد نجاح الثورة كان مهولا، تخيل معي أن تكون أو يكون أحد من أهلك بين مئات آلاف قضوا نحبهم في السجون تحت التعذيب من دون ذنب أو جريرة
ذهبت إلى صفحتي بالفيسبوك لأختصر مشاعري ورأيي الأولي فيما جرى، فكتبت: "لو أن مظلوما واحدا خرج من السجون لكفى"، ثم عدت بعد ساعات إلى العمل لأكتب مقالا سيطرت عليه نفس الفكرة فجاء عنوانه يقول: "سجون سوريا.. الفرج يأتي ولو بعد حين".
إن كنت عزيزي القارئ ممن يهتمون بالتطورات السياسية أو يعطون الأولوية للآثار الاقتصادية أو العلاقات الإقليمية، فاعلم أني لا أغفل أهميتها لكني في مثل هذه الأحداث أعطي الأولوية للإنسان.
لمن تعرض لظلم بشع دون ذنب جناه، لأم ثكلى فقدت ابنها ولم تعرف شيئا عن مصيره، لأب أصابه القهر وهو لا يستطيع أن يدفع الظلم عن أبنائه أو يكون بإمكانه حتى أن يتظلم أو يشكو.
ما تم كشفه بعد نجاح الثورة كان مهولا، تخيل معي أن تكون أو يكون أحد من أهلك بين مئات آلاف قضوا نحبهم في السجون تحت التعذيب من دون ذنب أو جريرة.
تقول صحيفة تلغراف البريطانية في تقرير نشرته في ذكرى التحرير إن فظائع حكم بشار الأسد الذي استمر 24 عاما، ما تزال تتكشف تباعا بعد عام على انهيار نظامه.
وبعد استحضار أمثلة منها بشاعة سجن صيدنايا وتحوله مع غيره إلى مسالخ بشرية، فضلا عن استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، تخلص الصحيفة إلى أنها خطوة ضرورية تأخرت سنوات طويلة، وأن فهم الحجم الحقيقي لجرائمه سيستغرق زمنا طويلا.
ليس غريبا أن تكون تركة نصف قرن من الاستبداد ثقيلة مؤلمة، لكن الأمل أن تكون ذكرى الثورة فرصة للاحتفال وللتقييم أيضا، فنجاح الثورة ليس نهاية طريق بل بداية أمل
أما صحيفة لوموند الفرنسية فقالت إن فتح المعتقلات الممتدة من دمشق إلى حلب وحماة ودرعا، أظهر حجم المنظومة الأمنية التي رسختها عائلة الأسد الأب حافظ والابن بشار، التي حولت البلاد إلى فضاء خانق يضم أكثر من 128 مركزا رسميا وسريا للاعتقال.
واستعرضت الصحيفة شهادات تتحدث عن منظومة تعذيب ممنهج، من الضرب إلى التجويع والإذلال ثم انتزاع الاعترافات، وكذلك الاختفاء القسري الذي امتد سنوات.
تنقل لوموند عن سجين من درعا خرج من صيدنايا بعد ست سنوات، إن السجن بقي يسكنه وإن خرج هو منه، بينما يقول شاب آخر إنه كان يشك في كل شيء، حتى في نظرات أمه وابنته، لأنه يعتقد أن كل من حوله قد يبلغ السلطات عنه.
لكن الصحيفة الفرنسية تختم مقالها بالتعبير عن قلقها من أن آثار عقود من القمع يصعب محوها سريعا.
ليس غريبا أن تكون تركة نصف قرن من الاستبداد ثقيلة مؤلمة، لكن الأمل أن تكون ذكرى الثورة فرصة للاحتفال وللتقييم أيضا، فنجاح الثورة ليس نهاية طريق بل بداية أمل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

