غزة وأحرار العالم: سقوط الرواية الصهيونية وصعود الضمير الإنساني!

جهود فلسطينية لإعادة ترميم موقع أثري دمرته الحرب الإسرائيلية على غزة
الكاتب: أهل غزة ظاهرة استثنائية في عالم تحكمه لوبيات المال والتكنولوجيا لا يعترف بحق لمظلوم ولا يقيم للقانون وزنا (وكالة الأنباء الألمانية)

يقول الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري في مطلع إحدى قصائده: "يا سيدي أسعف فمي" (أي أغث لساني)، كناية عن طلب الإعانة ليقول شعرا جميلا يليق بالمناسبة، وليعبر عن مشاعره بصدق دون زخارف ومداهنة.

وأنا هنا أستنهض محاولتي، وكل من يكتب عن غزة وأهلها وأحرار العالم، بتحريض بنيات فكري لعلها تجود بما تستطيع من جميل القول وبلاغة الوصف ودقة المعنى، لأنزل أهل غزة ومن ناصرهم المنزلة التي تليق بهم؛ فهم الفئة المنصورة بإرادة الله وحبله المتين.

إنهم، رغم الإبادة والمآسي التي نزلت عليهم وما زالت، قد أخذوا الكتاب بقوة يحيى عليه السلام، وبإصرار وعزيمة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وبصبر وجَلد أيوب، وتعرضوا لما تعرض له يوسف من غدر وخذلان الأقربين، فمضوا بعزيمة واطمئنان إلى الله وعلى وعد منه.

ذهبت أموال المتعهدين بالقضاء على المقاومة الفلسطينية هباء منثورا، فلا هدف تحقق ولا ثروة بقيت، وتحقق فيهم قوله تعالى: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون}

نعلم أن غزة تم تدميرها تماما وأصبحت أثرا بعد عين، ولكن أهلها لم تُكسر عزيمتهم، ولن تلين لهم قناة؛ فهم ماضون في تمسكهم بأرضهم، ولسان حالهم يقول: اقتلوا كما شئتم، ولن تجدوا منا إلا التحدي والثبات فوق الأرض وتحت الأرض.

وعلى إثر ذلك، ارتجت الميادين بأحرار العالم تأييدا لهم، واهتزت عروش الطغاة، وتبعثرت معها أجندات ومخططات الصهيونية العالمية ومن يدور في فلكها، ممن يُحسبون كإضافة زائدة على الباقي. كان دور هؤلاء التآمر، ودفع المليارات لإبادة الأطفال والنساء والشيوخ، وهم جوعى وجرحى ومرضى ومكلومون.

في آخر بيت من القصيدة التي يرثي فيها الشاعر حال الأندلس، وما أشبه الليلة بالبارحة، يقول الشاعر أبو البقاء الرندي:

لمثل هذا يبكي القلب من كمد .. إن كان في القلب إسلام وإيمان

إعلان

لقد ذهبت أموال المتعهدين بالقضاء على المقاومة الفلسطينية هباء منثورا، فلا هدف تحقق ولا ثروة بقيت، وتحقق فيهم قوله تعالى: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون} (الأنفال: 36).

هنا سأتحدث عن الدعم السياسي والإعلامي لأحرار العالم لأهل غزة، وسيكون للإسناد الحربي مقال آخر لاحقا.

المخزي المعيب أن يتوعد رئيس الكيان الغاصب، وبملء فمه وعلى الملأ، بأمنياته الزائفة باحتلال أقطار عربية أخرى أو أجزاء منها، ليقيم دولة إسرائيل الكبرى المزعومة

أهل غزة ظاهرة استثنائية في هذا العالم المختطف من قبل لوبيات المال والتكنولوجيا، من الذين لا يعترفون بحق لمظلوم ولا يقيمون لقانون وزنا ولا قيمة. ولقد غيرت فظاعات غزة مزاج العالم، فتجمع أنصار العدل من أصقاع الأرض ليقولوا كلمة واحدة: إن العالم يزخر بمن يشعر بإنسانيته، وإنهم قادرون أن يقولوا للمجرم المستبد: كفى ظلما وإجراما.

وفي المقابل، غُيبت حرية التعبير في العالم العربي بفعل سياسات الهيمنة والتبعية؛ فحُجبت الميادين عن المتظاهرين المساندين لأهل غزة، وأغلقت المعابر بأمر المجرم"نتنياهو"، وامتثل الجميع لقراره، واكتفى العرب بمتابعة المجزرة عبر البث المباشر، وأصبح الدعاء لأهل غزة في بعض الدول تهمة كفيلة بأن تُدخل صاحبها السجن.

والمخزي المعيب أن يتوعد رئيس الكيان الغاصب، وبملء فمه وعلى الملأ، بأمنياته الزائفة باحتلال أقطار عربية أخرى أو أجزاء منها، ليقيم دولة إسرائيل الكبرى المزعومة، فلا يثير ذلك القول المستفز أي ردة فعل تُذكر، كطرد سفرائه من تلك الدول، أو الاستدعاء والاحتجاج والمطالبة بالاعتذار، حسب بروتوكولات السياسة في العالم.

فبهذا تكون هيبة الأمة قد وصلت إلى القاع، وتآكلت في مائها الآسن الذي سمم البدن وبلّد الإحساس، وكأن الأمة قد خرجت من نطاق التكليف. عندئذ تكفل أحرار العالم بالدفاع عن مظلوميتها أمام المحافل الدولية.

من قارة الأحرار جنوبا هدرت الجماهير في الميادين، وتعالت أصوات الثوار بالهتاف لغزة وأهلها، يتقدمهم أبناء وأحفاد مانديلا في تنظيم المسيرات الشعبية، وإعداد ملفات الإدانة للمحكمة الجنائية الدولية ضد دولة الكيان الغاصب

يقول الشيخ محمد الغزالي معلقا على ابن خلدون في وصف الجنس العربي: "إن العرب جنس حاد المشاعر جامح الغرائز، عندما يطيش يفقد وعيه، وعندما يعقل يبلغ الأوج. ولقد قرأت رأي ابن خلدون في العرب وترددت في تصديقه، ثم انتهيت أخيرا إلى أن العرب لا يصلحون إلا بدين، ولا يقوم لهم مُلك مهاب إلا بنبوة، وأن العالم لا يعترف لهم بميزة إلا إذا كانوا حملة وحي، فإذا انقطعت صلتهم بالسماء ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وغشيهم الذل من كل مكان".

هذا واقع تعيشه الأمة الآن، وبسببه حدثت في غزة الفظاعات التي استفزت العدالة في نفوس أحرار العالم، وحركت ضمائرهم الحية، وأعلنوا العصيان في وجه الإرادة الرسمية العالمية الظالمة؛ فنظموا المسيرات لمقاطعة المجرمين ومحاصرتهم على الأرض وفي الفضاءات الافتراضية، وتكونت الرابطة الإنسانية للحرية والعدالة، التي تفوقت على رابطة الدم والدين.

إعلان

أبحرت عشرات السفن لكسر الحصار، وعلا صوت الماكينة الإعلامية الحرة ضد جرائم الاحتلال، وتولد الوعي الجديد لدى محبي السلام في كل بقاع الأرض، وانكشف الغطاء، وتعرّت الصهيونية العالمية لأول مرة منذ أن أقام الكيان الغاصب دولته المزعومة على أرض فلسطين.

من قارة الأحرار جنوبا هدرت الجماهير في الميادين، وتعالت أصوات الثوار بالهتاف لغزة وأهلها، يتقدمهم أبناء وأحفاد مانديلا في تنظيم المسيرات الشعبية، وإعداد ملفات الإدانة للمحكمة الجنائية الدولية ضد دولة الكيان الغاصب، فلم تُخفهم تهديدات أميركا وحلفائها؛ لأنهم ذاقوا طعم الحرية والكرامة، وعافوا العبودية والتبعية التي يعشقها كثيرون.

دمعة رئيس البرازيل لولا دا سيلفا الحارة على خده لأجل أطفال غزة، فكانت أشد حرارة وحرقة على قلوب المجرمين الصهاينة وأعوانهم، وأكثر تهديدا من ترسانات الأسلحة العربية المكدسة في المخازن

يقول الزعيم نيلسون مانديلا: "حريتنا منقوصة بدون حرية الفلسطينيين"، ويقول أيضا: "ليس حرا من يُهان أمامه إنسان ولا يشعر بإهانة".

ومن القارة الشمالية تداعت الإنسانية كذلك، وتعالت النداءات لنصرة غزة رغم بعد المسافات وتباين الثقافات؛ ففي إسبانيا وقفت الحكومة موقفا إنسانيا مشرفا، تجلى في قول رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز: "نحن لا نملك وقف الهجوم الإسرائيلي على غزة، لكن ذلك لا يعني التوقف عن المحاولة". وكانت إسبانيا من الدول التي أوقفت شحنات السلاح التي تمر عبر موانئها إلى الكيان الغاصب، وفتحت الميادين للمتظاهرين الأحرار في كل المدن الإسبانية.

أما في إيطاليا فالأمر مختلف، ولكنه يعكس حرية الرأي التي يتمتع بها الشارع الإيطالي، حيث وقفت الجماهير الإيطالية مع حقوق الشعب الفلسطيني، رافضة ما يعانيه سكان غزة من جرائم، وهذا الموقف يختلف تماما عن الموقف الرسمي للحكومة الإيطالية المتواطئة مع جرائم إسرائيل. وهكذا الحال في كثير من الدول الأوروبية، ومع حرية التعبير زاد التعاطف الجماهيري الواسع مع غزة، وقابلته مواقف رسمية داعمة للعدوان.

أما في غربي الكرة الأرضية، في بلاد الزعيم اللاتيني سيمون بوليفار وتشي جيفارا، فهناك قصة أخرى ترويها الأجيال الثائرة في وجه الإمبريالية الصهيونية، العدو اللدود لكل حر شريف.

فتحية إجلال للأمهات اللاتينيات اللائي يفطمن أبناءهن على الكرامة والكبرياء؛ فعطاؤهن متجدد، ضارب في أعماق الأرض كسلسلة جبال الأنديز الشامخة، وأمواج الكاريبي الهادرة التي تتحطم على شطآنها سفن الغزاة.

فتلك البلدان البعيدة تربطنا بها وشائج القربى؛ فهناك جزء من أبناء المهجر العربي الواسع والممتد عبر المحيطات، لم يقبلوا بالسكوت والخنوع أمام ما يحصل في غزة من إبادة. فقامت معظم الدول هناك إما بطرد سفراء الكيان من عواصمها، أو تجميد العلاقات التجارية والسياسية مع دولة الاحتلال، حيث دعا الزعيم الكولومبي الحر غوستافو بيترو إلى تكوين جيش من أحرار العالم لتحرير فلسطين، وخاطب أهل غزة بقوله: "أنتم تمثلون شرف المقاومة العالمية وكرامة الإنسانية في مواجهة القهر والإبادة"، ومنح وسام بوليفار لأهل غزة.

أما دمعة رئيس البرازيل لولا دا سيلفا الحارة على خده لأجل أطفال غزة، فكانت أشد حرارة وحرقة على قلوب المجرمين الصهاينة وأعوانهم، وأكثر تهديدا من ترسانات الأسلحة العربية المكدسة في المخازن، التي أنفقت عليها مليارات الدولارات من قوت فقراء بلدانها.

تتفاوت مواقف الدول بين محايد خشية الضغوط الأميركية والغربية، وبين مؤيد للكيان الإسرائيلي وداعم له طمعا في مكانة وهيمنة، لن تبلغ مداها بفعل تآكل النفوذ الصهيوني ومحاصرة مخططاته على مستوى العالم

حرب غزة أماطت اللثام عن كل مستور، وحركت مؤشرات الوعي العالمي صعودا وهبوطا؛ فصعودا كان ذلك ضد جرائم الصهيونية، حيث تعرّت معها دعاياتها الكاذبة الممجوجة، التي كانت تسيطر على إعلام الشعوب لعقود طويلة، فأصبح كل ما يصدر عن دولة الاحتلال وأعوانها في خانة الشك والريبة، وفي دائرة الدعاية السوداء التي لا تنطلي على أحد، وظهر جليا أن أهداف الصهيونية تشكل خطرا حقيقيا على الإنسانية جمعاء.

إعلان

أما التحريك هبوطا فكان بانحدار أسهم الصهيونية في بورصات الوعي الاجتماعي على مستوى العالم، وخير دليل على ذلك فوز المرشح المسلم الديمقراطي زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، مدينة الأغنياء واللوبيات الصهيونية.

واتضح جليا أن مواقف الشعوب العربية كلها داعمة ومؤيدة للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وفي القلب منها أهل غزة وما يتعرضون له من إبادة جماعية؛ فهذه الأمة تضعف وتمرض ولكنها لا تموت.

أما المواقف الرسمية العربية فمتباينة بين مؤيد وداعم حسب المتاح، وحكومتنا الرشيدة مواقفها دائما واضحة ومشرفة تجاه القضايا العادلة في محيطنا العربي والعالم، وهذا نتاج سياسة وحكمة سلاطين عمان على مدار التاريخ.

وتتفاوت مواقف الدول بين محايد خشية الضغوط الأميركية والغربية، وبين مؤيد للكيان الإسرائيلي وداعم له طمعا في مكانة وهيمنة، لن تبلغ مداها بفعل تآكل النفوذ الصهيوني ومحاصرة مخططاته على مستوى العالم.

هذا التباين في المواقف السياسية العربية تجاه بعض القضايا المصيرية أضعف الموقف العربي الرسمي في المحافل الدولية تجاه قضايانا، وأهمها قضية فلسطين وشعبها المكافح لاستعادة أرضه ومقدسات الأمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان