الشيخ الخليلي وكتابه عن الاستبداد

الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان (الصحافة العمانية)
المفتي العام لسلطنة عمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (الصحافة العمانية)

يعتبر سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عمان، من مجموعة قليلة من الشيوخ والعلماء المعروفين لدى الجماهير العربية والإسلامية بنصرهم القضية الفلسطينية من موقعهم، وتأييدهم المقاومة الفلسطينية دون تردد أو كلام عام مبهم، خاصة خلال الحرب الأخيرة على غزة؛ بل يكاد الشيخ الخليلي أن يكون الوحيد الذي يجهر بهذا الموقف علنا بين من يتبوؤون مناصب رسمية في المؤسسات الدينية.

ويضاف لمواقفه المعروفة من قضية فلسطين موقفه الرافض للظلم والاستبداد؛ وهو ما دفعني لقراءة كتابه "الاستبداد.. مظاهره ومواجهته".

وحسب خاتمة الكتاب فإن الشيخ قد فرغ من كتابته في تونس الخضراء في أوائل صفر الخير سنة 1434هـ، أي أواخر 2012؛ أي عندما كانت تونس تعيش أجواء انتصار ثورتها، وهي الأولى في ثورات الربيع العربي.

يتناول القسم الأول من الكتاب انتشار الظلم وقبول الناس له، حتى يتحول إلى طبيعة في نفوسهم بحيث يستعذبون الهوان ويتأقلمون مع الذل

كتاب بلا دار نشر!

الكتاب يقع في 431 صفحة من القطع المتوسط، ولم يصدر عن أي دار نشر، وصدرت طبعته الأولى في 2013؛ فالشيخ يوضح أن طباعة الكتاب ونشره تكفل بهما الشيخ سعود بن علي الخليلي من حر ماله.

  • مقدمة ثورية

في مقدمة الكتاب يظهر للقارئ أن دافع الكاتب لتأليفه هو ثورات الربيع العربي، ويبدي احتفاء كبيرا بها، وينتقد بقوة فتاوى دينية أدانت تلك الثورات.

وهو یشید بالحكم الراشدي وينتقد بلا مواربة ما بعده، ويرى أن الفتاوى الرافضة للثورات العربية- بما فيها السلمية منها- صاغها فقه سياسي نشأ في ظل الظلم والاستبداد.

وينقسم الكتاب إلى قسمين اثنين هما: مظاهر الاستبداد، ومواجهة الاستبداد..

يتناول القسم الأول انتشار الظلم وقبول الناس له، حتى يتحول إلى طبيعة في نفوسهم بحيث يستعذبون الهوان ويتأقلمون مع الذل. ويتحدث عن دور القيادات الروحية ذات السلطة الدينية في ترسيخ قبول الظلم والرضوخ للظالمين في نفوس الناس؛ ويضرب أمثلة تاريخية عن الفراعنة وأباطرة الرومان وأباطرة الفرس.

المذهب الإباضي ظل ربما مجهولا عند كثير من المسلمين، وموصوفا بأنه يتبع مدرسة الخوارج، وهو ما حرص الشيخ على تفنيده في غير موضع من الكتاب، بل هاجم مدرسة الخوارج وتبرأ منها ومن معتقداتها وأفعالها

ويأتي إلى ظهور الإسلام ونسفه هذه المفاهيم، مستشهدا بآيات من الذكر الحكيم، ويؤكد أن الحكم هو صفقة بين الحاكم والمحكومين وأن كليهما ملزم بالانقياد للشرع دون إذلال، وعلى الحاكم الإنصاف وعدم محاباة أحد وعدم البخس. ثم يعرج على تطور الحكم في الإسلام من عهد النبوة إلى الحكم الراشدي.

إعلان

وهنا لا بد من التوقف قليلا للإشارة إلى أن الشيخ أحمد الخليلي ينتسب إلى المذهب الإباضي، وهو السائد في سلطنة عمان، وله أتباع في شمالي أفريقيا العربي، إضافة إلى بعض الدول الأفريقية والآسيوية وغيرها.

والحقيقة أن المذهب الإباضي ظل ربما مجهولا عند كثير من المسلمين، وموصوفا بأنه يتبع مدرسة الخوارج، وهو ما حرص الشيخ على تفنيده في غير موضع من الكتاب، بل هاجم مدرسة الخوارج وتبرأ منها ومن معتقداتها وأفعالها.

وفي الصفحتين 22 و23 أشاد بعثمان وعلي (رضي الله عنهما)، مع أنه اعتبر أن الخلافة الراشدة بعظمتها وتألقها كانت في عهد أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)، وهنا يرد الشيخ ضمنا على شبهة بغض الإباضية لعثمان وعلي.

وجدير بالذكر أن ابن الشيخ أحمد- واسمه "أفلح"، وهو الذي يشير الشيخ إلى مساعدته له في تأليف هذا الكتاب- قد ظهر في مقابلة مصورة (بودكاست)، وأجاب عن الأسئلة المثارة حول الإباضية، خاصة ما يتعلق بعثمان وعلي، وكلام الابن يؤكد كلام الأب بتجاوز الإباضية مسألة أخذ موقف سلبي من عثمان وعلي، كما أن الموقف لم يكن بغضا أو تفسيقا أو تكفيرا أو تقليل مكانة، بقدر ما هو ملاحظات على سياسات محددة.

يشيد الشيخ بعمر بن عبدالعزيز، وأنه نقض ما أسسه بنو أمية من الجور، وأعاد دور الخلافة الراشدة في العدل، بل يرى أن عمر بن عبدالعزيز يمثل ثورة سلمية على الوضع الذي كان قبله

ولكن الشيخ لا يخفي في أماكن كثيرة من الكتاب موقفه الحاسم والحاد من الحكم الأموي ابتداء من معاوية؛ وهو موقف يؤكد عليه ويقدم له تأصيلا شرعيا، مستعرضا الكثير من ممارسات الحكم الأموي، التي يبين مخالفتها للشرع وتسببها في أذى المسلمين.

ومع ما ينسب للإباضية -وهو جهل أو خطأ- من بغض وكراهية لعلي (كرم الله وجهه)، فإن الشيخ في كتابه يدافع عنه مطولا، خاصة فيما يخص الخلاف مع معاوية.

وينتقد الشيخ الخليلي الآراء الأخرى، ومنها ابن تيمية (ص60) خاصة موقفه من والد السبطين (كرم الله وجهه) بناء على بعض ما ورد في كتاب ابن تيمية "منهاج السنة النبوية/ ج." 4

يشيد الشيخ بعمر بن عبدالعزيز، وأنه نقض ما أسسه بنو أمية من الجور، وأعاد دور الخلافة الراشدة في العدل، بل يرى أن عمر بن عبدالعزيز يمثل ثورة سلمية على الوضع الذي كان قبله.

ومن ص80 وحتى نهاية القسم الأول (مظاهر الاستبداد) يفرد الشيخ صفحات كثيرة لمهاجمة بني أمية، عدا عمر بن عبدالعزيز، ويتهمهم بإيجاد الفقه السياسي التبريري، الذي يجيز أخذ السلطة عنوة، ويحرم الثورة على من فعل ذلك دفعا للظلم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان