أربيل الكردستانية.. باغرام الأفغانية

خط أنابيب كركوك جيهان لنقل النفط من كردستان العراق إلى تركيا (الصحافة التركية)

على مساحة 125 ألف متر مربع، وتكلفة قاربت 800 مليون دولار أمريكي، تم افتتاح مبنى القنصلية الأمريكية في إقليم كردستان العراق.

أمام ذلك المبنى العملاق وقف عراب سياسة التوازنات نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، وإلى جانبه مايكل ريكاس نائب وزير الخارجية الأمريكي، في لحظة يبدو أنها ستكون فارقة على طريق العلاقات الكردستانية الأمريكية. فهذا ليس مجرد مبنى تعمل فيه فرق سبع وزارات ووكالات أمريكية فحسب، بل هو حجر الأساس لمرحلة قادمة تؤسس لتواجد أمريكي أعمق في هذه المنطقة.

يبدو أن نيجيرفان بارزاني يريد توظيف هذا الإصرار الأمريكي لصالح إقليم كردستان، وخصوصا على الجانب الأمني، الذي يظهر جليا في محاولة نشر منظومات الدفاع الجوي الأمريكية على نطاق أوسع داخل حقول النفط والغاز

هذا المبنى الذي يعد أكبر مبنى لقنصلية أمريكية في العالم، قد يخفف بعض الشيء من الأسف الذي يبديه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فقدان بلاده عام 2021 قاعدة باغرام في أفغانستان.

هذا التواجد الأمريكي في إقليم كردستان، وعلى بعد 13 كم شمال شرقي العاصمة أربيل، أصبح أمرا جديا بعد أن كان حتى وقت قريب مجرد أمر واقعي. والفرق بين الجدية هنا والواقعية هناك يتمثل في المسافة التي يعمل عليها نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان، باعتباره الشخص الأكثر قبولا لدى معظم العواصم الإقليمية والأحزاب العراقية، الشيعية منها والسنية، والأحزاب الكردستانية، وبضمنها معظم التكتلات المعارضة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدو أكثر إصرارا على حماية هذا التواجد الأمريكي بمختلف تشعباته الاقتصادية والعسكرية والأمنية والاستخبارية في المنطقة، درءا لتكرار تجربة باغرام المرة بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية، في ظل هيمنة الصقور وقسوة العامل الاقتصادي.

ويبدو أن نيجيرفان بارزاني يريد توظيف هذا الإصرار الأمريكي لصالح إقليم كردستان، وخصوصا على الجانب الأمني، الذي يظهر جليا في محاولة نشر منظومات الدفاع الجوي الأمريكية على نطاق أوسع داخل حقول النفط والغاز في إقليم كردستان العراق، وتعزيز خط الدفاع الأول الذي يفصل بين قوات البيشمركة والجيش العراقي.

يظهر نيجيرفان بارزاني كقائد ورجل دولة يمكن الاعتماد عليه وإشراكه في عملية التحول الديمقراطي السلمي في عموم هذه المنطقة

لقد مثل الهجوم الأخير على حقول كورمور الغازية، التي تديرها شركة دانة الإماراتية بالشراكة مع شركات أجنبية، جرس إنذار بالنسبة للإدارة الأمريكية وللسلطة القائمة في إقليم كردستان على حد سواء. فعلى الرغم من أنه لم يكن الأول من نوعه، إلا أنه أوقع هذه المرة خسائر فادحة، تمثلت في توقف الإنتاج لأيام متتالية، وبالتالي خسارة ملايين الدولارات، وأيضا توقف المنظومة الوطنية لإنتاج الكهرباء، وغرق معظم مدن الإقليم في ظلام دامس.

إعلان

هذا الجرس شجع نيجيرفان بارزاني، الذي يحظى بمكانة مرموقة داخل الأوساط الأوروبية والأمريكية، على المطالبة بشكل أكبر بنصب منظومات الدفاع الجوي الأمريكية على طول الإقليم. ويبدو أن ترامب سيستجيب لهذه المطالبة ليقينه بأن الإقليم هو بديل باغرام لا محالة لمراقبة الأحداث في عموم هذه المنطقة. وفي هذا السياق يظهر نيجيرفان بارزاني كقائد ورجل دولة يمكن الاعتماد عليه وإشراكه في عملية التحول الديمقراطي السلمي في عموم هذه المنطقة.

صحيح أن بغداد هي العاصمة الاتحادية للدولة، وأن السفارة الأمريكية تنام على ضفاف نهر دجلة من جهة المنطقة الخضراء الآمنة، لكن هذا المبنى الجديد في أربيل، وبكل تفاصيله التي هي أقرب إلى تفاصيل القاعدة المتقدمة للسياسة الأمريكية، سيكون على الأغلب هو المكان الذي تتخذه واشنطن للتفكير بروية في تفاصيل سياستها الخارجية إزاء عموم المنطقة. وبالتالي، لا بد لواشنطن أن تسرع في ضمان أمن وسلامة المكان ومحيطه على نطاق أوسع ليشمل هذه المرة إقليم كردستان برمته. وهكذا سيحقق نيجيرفان بارزاني هدفه في ضمان أمن بلاده، التي يخطط، بشكل قد لا يقبل الشك، لتسنم مقاليد رئاستها لسنوات قادمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان