هل تصبح أوروبا الكعكة الجديدة للقوى العظمى؟

تصميم خاص - هل تصبح أوروبا الكعكة الجديدة للقوى العظمى؟ المصدر: الجزيرة - مولدة بالذكاء الاصطناعي
الكاتب: هل تتحول أوروبا من مقسم للعالم إلى كعكة تقسم على موائد القوى الجديدة؟ (مولدة بالذكاء الاصطناعي - الجزيرة)

لعدة قرون، لم تكن أوروبا موضوعا في التاريخ، بل كانت كاتبه وصانعه. من موانئ لشبونة ولندن ومارسيليا، انطلقت سفن لم تكن تستكشف العالم، بل تعيد تشكيله وفق مصالحها.

لم ترسم حدود أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية في عواصمها، بل في غرف أوروبية مغلقة، حيث كان العالم يختزل في خرائط، والثروات في دفاتر حسابات، والشعوب في خانة "مناطق النفوذ". كانت أوروبا هي الطاهي الذي يمسك بسكين القوة، يوزع الكعكة الاستعمارية، يقتطع منها ما يشاء، ويترك الفتات لمن يشاء.

لكن التاريخ، حين يدور، لا يفعل ذلك بدافع عدالة شعرية، بل بمنطق القوة الصارم. واليوم، يطرح الواقع الدولي سؤالا صادما كان يوما ضربا من الخيال: هل تنقلب الموازين؟ وهل تتحول أوروبا من مقسم للعالم إلى كعكة تقسم على موائد القوى الجديدة؟

الحرب في أوكرانيا ليست نزاعا حدوديا، بل هي زلزال يضرب أسس البنية الأمنية التي تشكلت بعد الحرب الباردة. إنها صراع على تعريف "أوروبا" هل هي فضاء أمني مغلق تقوده واشنطن؟ أم هي ساحة مفتوحة لإعادة رسم خرائط النفوذ كما كانت دائما؟

من مركز السيطرة إلى هامش القرار

بعد الحرب العالمية الثانية، خرجت أوروبا من تحت الأنقاض منهكة، لكنها لم تسقط بالكامل. لقد استبدلت إمبراطورياتها المنهارة بتحالفات إستراتيجية، وعلى رأسها التحالف الأطلسي مع الولايات المتحدة.

كان حلف الناتو بمثابة صفقة تاريخية: تتخلى أوروبا عن جزء جوهري من استقلالها الإستراتيجي وسيادتها العسكرية، مقابل الانضواء تحت مظلة حماية أميركية شاملة. لقد كان ثمنا للأمان، لكنه أمان مرهون بإرادة واشنطن.

غير أن هذا التوازن الهش بدأ يتآكل بسرعة. الولايات المتحدة، التي تدير صراعا وجوديا مع الصين وتواجه استقطابا داخليا حادا، لم تعد تنظر إلى أوروبا كأولوية مطلقة، بل كشريك يستهلك الموارد أكثر مما ينتج القوة.

تتصاعد في الخطاب الأميركي، من اليمين واليسار، نبرة "على أوروبا أن تدفع ثمن حمايتها بنفسها"، وتتكرر الإشارات إلى تقليص الالتزامات، إن لم يكن الانسحاب التدريجي من دور "الشرطي العالمي".

إعلان

ومع كل إشارة تراجع أميركي، تنكشف عورة أوروبا الإستراتيجية: قارة غنية لكنها بلا جيش موحد، متحدة اقتصاديا لكنها منقسمة سياسيا، وعاجزة عن صياغة رؤية جيوسياسية مستقلة تتجاوز ردود الفعل.

روسيا: عودة الجغرافيا إلى الانتقام

في الشرق، لا تقف روسيا كقوة صاعدة بالمعنى الاقتصادي، بل كقوة غاضبة تستدعي منطق التاريخ والجغرافيا للانتقام. الحرب في أوكرانيا ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي زلزال يضرب أسس البنية الأمنية التي تشكلت بعد الحرب الباردة. إنها صراع على تعريف "أوروبا" نفسها: هل هي فضاء أمني مغلق تقوده واشنطن ويتوسع شرقا؟ أم هي ساحة مفتوحة لإعادة رسم خرائط النفوذ كما كانت دائما؟

تدرك موسكو أن أوروبا ضعيفة وحدها، وقوية فقط بتحالفاتها. لذلك فإن الصراع ليس مع كييف فحسب، بل مع فكرة "الأمن الأوروبي" بأكملها. كلما طال أمد الحرب، استنزفت أوروبا اقتصاديا وسياسيا وأخلاقيا. مخزوناتها العسكرية تفرغ، ومجتمعاتها تتململ من التضخم، ووحدتها السياسية تتعرض لاختبارات قاسية، بينما تزداد تبعيتها للطاقة والسلاح من الخارج. روسيا تراهن على الزمن، وعلى أن الشتاء الأوروبي ليس مجرد فصل، بل حالة إستراتيجية.

لقد بنت أوروبا الحديثة مشروعها على ثالوث مقدس: العقلانية، وأخلاقيات العمل، والانضباط المجتمعي. لكنها انتقلت تدريجيا، على مدى عقود، إلى تقديس الرفاه المادي، والفردانية المطلقة، وتفكيك كل معنى جماعي يربط الأفراد بهدف أسمى

الصين: القوة التي تجاوزت أوروبا دون طلقة واحدة

في الوقت الذي تنشغل فيه أوروبا بأزماتها الوجودية وجدالاتها الداخلية، تجاوزتها الصين بهدوء وصمت. لم تعد بكين "مصنع العالم" الرخيص، بل أصبحت قوة تكنولوجية ومالية وإستراتيجية تضع معايير المستقبل. بينما كانت بروكسل تناقش هويتها وقيمها، كانت بكين تبني "طريق الحرير"، وتستحوذ على موانئ إستراتيجية في اليونان وإيطاليا، وتغزو الأسواق الأفريقية والأميركية اللاتينية، وتفرض نفسها كقطب لا يمكن تجاهله في أي معادلة دولية.

أوروبا، التي كانت يوما مهد الثورة الصناعية ومنطلق الحداثة، تجد نفسها اليوم في موقع المستهلك أكثر من المنتج، والسوق أكثر من القوة. لقد أصبحت تابعة في سلاسل الإمداد الحيوية، من أشباه الموصلات إلى المعادن النادرة، ومتأخرة في سباق الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. الصين لم تحتج إلى غزو أوروبا عسكريا لتفرض نفوذها، لقد فعلت ذلك عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، وهو ما لم تستوعبه القارة العجوز إلا بعد فوات الأوان.

البعد الفلسفي: حين تهزم القيم من الداخل

لكن التراجع الأوروبي ليس جيوسياسيا واقتصاديا فقط، بل هو أعمق من ذلك: إنه تآكل حضاري. لقد بنت أوروبا الحديثة مشروعها على ثالوث مقدس: العقلانية، وأخلاقيات العمل، والانضباط المجتمعي. لكنها انتقلت تدريجيا، على مدى عقود، إلى تقديس الرفاه المادي، والفردانية المطلقة، وتفكيك كل معنى جماعي يربط الأفراد بهدف أسمى.

تحولت الحرية من قيمة مسؤولة تمارس ضمن عقد اجتماعي، إلى حق فردي مطلق بلا ضوابط أو واجبات. وتحول الإنسان من مواطن فاعل في مجتمعه إلى كائن استهلاكي تقاس قيمته بقدرته على الشراء والترفيه.

وتفككت القيم الكبرى التي كانت إطارا جامعا، كالأسرة والدين والوطن، لتتحول إلى ساحة صراع هوياتي داخلي لا ينتهي. هذا الانقسام القيمي، والجدل الحاد حول الهوية والجنس والمعنى، أضعف التماسك الداخلي، وخلق مجتمعات مرهقة نفسيا وأخلاقيا، تعاني من فائض في الحقوق ونقص حاد في الغاية. فالحضارات لا تسقط حين تهزم عسكريا فقط، بل حين تفقد إيمانها بنفسها وتنسى لماذا توجد أصلا.

هل تمتلك أوروبا الشجاعة والرؤية لتعيد بناء ذاتها أخلاقيا وإستراتيجيا، وتوحيد إرادتها، قبل أن يعاد رسم مصيرها على موائد الآخرين؟

من مستعمر إلى كعكة؟

حين كانت أوروبا قوية، قسمت العالم باسم "نشر التمدين". واليوم، وهي ضعيفة، قد تقسم مناطق نفوذها باسم "ضمان الأمن" و"تحقيق الاستقرار". اللاعبون تغيروا، لكن المنطق لم يتغير: من لا يملك القوة لفرض إرادته، يصبح موضوعا لإرادة الآخرين.

إعلان

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل تصبح أوروبا الكعكة الجديدة للقوى العظمى؟ بل: هل تمتلك أوروبا الشجاعة والرؤية لتعيد بناء ذاتها أخلاقيا وإستراتيجيا، وتوحيد إرادتها، قبل أن يعاد رسم مصيرها على موائد الآخرين؟

فالتاريخ لا يرحم المترددين، والكعكة لا تسأل أبدا من كان يوما هو الطاهي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان