هل فشل التفوق الجوي الإسرائيلي أمام الصواريخ الإيرانية؟

Israel flag vs Iran in the middle of ruins, Conflict, Missiles, War, Attack, blue aesthetic
الكاتب: أصابت الصواريخ الإيرانية أهدافها بدقة عالية وسط عجز واضح في أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية (شترستوك)
  • السماء المتنازع عليها: هل فشل رهان نتنياهو على التفوق الجوي أمام إيران؟

عبارة «التفوق الجوي الإسرائيلي» لا يزال رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو يرددها، حتى بعد انتهاء حرب الـ12 يوما مع إيران.

ففي خطاب له، قال نتنياهو إن التفوق الجوي لإسرائيل في الشرق الأوسط يعد حجر الأساس في أمنها القومي، مؤكدا أن تل أبيب ستعمل على منع دول إقليمية، من بينها تركيا، والسعودية، والإمارات، من الحصول على أسلحة أميركية من شأنها الإخلال بميزان القوى في المنطقة، في إشارة إلى طائرات «إف-35» الأميركية. واعتبر أن إسرائيل أثبتت، بعد الحرب مع إيران، مدى تفوقها الجوي.

لكن، هل كان هناك فعليا تفوق إسرائيلي حقيقي خلال هذه الحرب؟ لنتناول خطاب نتنياهو نقطة بعد نقطة.

خلال أيام الحرب، قدرت كلفة الخسائر المادية على الاقتصاد الإسرائيلي بنحو 285 مليون دولار يوميا، فيما أشارت التقديرات إلى أن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية لم تكن قادرة على الصمود لأكثر من 12 يوما

في البداية، قال إن إسرائيل تتفوق جويا في الشرق الأوسط، لكن هل هذا الادعاء دقيق؟ وهل يقتصر مفهوم السيطرة الجوية على الطائرات الحربية فقط؟ ففي الوقت الذي كانت فيه سماء بعض المناطق الإيرانية مخترقة ومفتوحة أمام الطائرات الإسرائيلية، كانت السماء الإسرائيلية، في المقابل، مفتوحة أمام الصواريخ الإيرانية التي وصلت إلى منازل مسؤولين كبار في الكيان المحتل، من بينهم نجل رئيس وزراء الاحتلال السابق يائير لبيد.

كذلك، قصفت الصواريخ الإيرانية عمق تل أبيب وحيفا وبئر السبع، التي تضم مفاعل ديمونة النووي. وتعرض معهد وايزمان للأبحاث لدمار واسع، مع خسائر قدرت بنحو مليار دولار، علما بأن ثمن مجهر واحد في هذا المعهد يتجاوز مليون دولار، وقد دمر 52 مختبرا، وأُلحقت أضرار بنحو 60 مبنى آخر.

أصابت الصواريخ الإيرانية أهدافها بدقة عالية، وسط عجز واضح في أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، رغم استخدام منظومات متعددة مثل «حيتس»، و«مقلاع داود»، و«القبة الحديدية»، و«باتريوت». وخلال الحرب، استخدمت إيران تكتيكات جديدة، تمثلت في إرسال موجات من الطائرات المسيرة لإرباك منظومات الدفاع، قبل إطلاق الصواريخ، التي شملت طرازات متقدمة مثل «خيبر شكن»، و«فتاح-1»، و«خرمشهر»، و«عماد»، و«قدر».

إعلان

وبعض هذه الصواريخ كان "فرط صوتي"، بسرعة تفوق سرعة الصوت بنحو 15 مرة، فيما زود بعضها برؤوس عنقودية، ما صعب عملية اعتراضها، وقيد فعليا أي ادعاء بتحقيق تفوق جوي إسرائيلي.

وخلال أيام الحرب، قدرت كلفة الخسائر المادية على الاقتصاد الإسرائيلي بنحو 285 مليون دولار يوميا، فيما أشارت التقديرات إلى أن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية لم تكن قادرة على الصمود لأكثر من 12 يوما. فهل يمكن وصف ذلك بالتفوق الجوي الإسرائيلي؟ وهل يعد هذا نجاحا لنتنياهو في السماء؟

منذ نهاية الحرب مع إيران، يعمل نتنياهو على تعزيز الترسانة العسكرية لكيانه، من صواريخ وطائرات ومنظومات دفاع جوي

على الأرض، لم تستطع إسرائيل تحقيق تفوقها على إيران. فرغم نجاحها في اختراق الداخل الإيراني عبر شبكات تجسس كشف عنها خلال الحرب الماضية، فإن طهران، في المقابل، نجحت أيضا في اختراق الداخل الإسرائيلي. ودليل ذلك إلقاء القبض على جاسوس يهودي بعد رصده وهو يصور محيط منزل رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت.

ويشار إلى أن هذا الجاسوس يعد رقم 35 الذي يعتقل بتهمة التخابر مع المخابرات الإيرانية، وكان يعمل مقاول ترميم وصيانة في مقر وزارة الحرب الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن المقاولين المسموح لهم بدخول مبنى الوزارة يخضعون لفحوصات أمنية معقدة وصارمة، فإن طهران تمكنت من تجنيده، ما يسلط الضوء على هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية في هذا الجانب.

منذ نهاية الحرب مع إيران، يعمل نتنياهو على تعزيز الترسانة العسكرية لكيانه، من صواريخ وطائرات ومنظومات دفاع جوي. وفي المقابل، يسافر إلى الولايات المتحدة حاملا أجندة يتهم فيها إيران بتعزيز قدراتها الصاروخية والدفاعية بعد الحرب عليها. فكيف يمكن تبرير هذا المنطق؟ هو يعزز أسلحته، ويسعى إلى شن حرب على دولة أخرى بدعم أميركي، بحجة أنها تقوم بتعزيز قدراتها العسكرية للدفاع عن نفسها.

نتنياهو، الذي يقود كيانا يمتلك برنامجا نوويا عسكريا سريا غير خاضع لأي رقابة دولية، يشن حربا على دولة تمتلك برنامجا نوويا سلميا خاضعا لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إنها ازدواجية معايير صارخة يحاول تسويقها للعالم.

فهل هناك منطق يقبل أن يسمح له بإعادة ترميم صواريخه وطائراته ومنظومات دفاعه الجوي، فيما يمنع الطرف الذي تعرض للهجوم من إعادة إنتاج الصواريخ التي دافع بها عن نفسه؟

هذه الصواريخ هي نفسها التي أجبرت نتنياهو على مطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوقف الحرب في أسبوعها الثاني، وهي التي أفشلت مخططه الرامي إلى إسقاط الدولة الإيرانية وتقسيمها وإغراقها في الفوضى.

ومن هنا، يبدو نتنياهو واهما في اعتقاده أن إيران ستتخلى عن هذه الصواريخ، وواهما أكثر في محاولته إقناع العالم بأن طهران ترتكب فعلا محرما أو مخالفا لمنطق الدفاع الطبيعي عن النفس، إن كان يدرك أصلا ما تعنيه القوانين الإنسانية والطبيعة البشرية.

الولايات المتحدة تعتقد أن العقوبات والحصار أسلوبان كفيلان بإخضاع الدول وتركيعها، لكنها في الواقع دفعت بعض هذه الدول إلى البحث عن مسارات بديلة لتعزيز قدراتها الدفاعية

قال نتنياهو إنه يسعى إلى منع دول حليفة للولايات المتحدة من امتلاك سلاح جو متطور، ولا سيما طائرات «إف-35». وهنا تجد واشنطن نفسها أمام اختبار بالغ الصعوبة، لتثبت لحلفائها أن من يتخذ القرار في البيت الأبيض هو من يجلس في واشنطن، لا في تل أبيب.

إعلان

فنتنياهو يتصرف وكأنه صاحب الأمر والنهي في الولايات المتحدة، التي لم تنفذ حتى الآن وعدها للإمارات بتزويدها بطائرات «إف-35»، وقد مضى على ذلك الوعد أكثر من أربع سنوات.

وقبل ذلك، كانت واشنطن قد وعدت بهذه الطائرات تركيا، ثم السعودية لاحقا، غير أن هذه الوعود بقيت معلقة. ويبدو في هذا السياق أن القرار النهائي لا يصدر عن ساكن البيت الأبيض بقدر ما يخضع لحسابات تفرضها تل أبيب، وكأن نتنياهو هو من يحدد مسار هذه الملفات الحساسة.

يعد التفوق الجوي عقدة إسرائيلية لن تتمكن من تحقيقها بشكل كامل، ولا سيما في ظل وجود خصم إستراتيجي دائم مثل إيران، التي طورت أساليبها في الحرب الجوية، واعتمدت على الصواريخ والطائرات المسيرة بوصفها بدائل للطائرات الحربية التقليدية، ما أوجد شكلا جديدا من التنافس الجوي.

الولايات المتحدة تعتقد أن العقوبات والحصار أسلوبان كفيلان بإخضاع الدول وتركيعها، لكنها في الواقع دفعت بعض هذه الدول إلى البحث عن مسارات بديلة لتعزيز قدراتها الدفاعية. وقد فشلت بعض التجارب، كما في فنزويلا، وكوبا، بينما نجحت أخرى، كما هو الحال في إيران، وكوريا الشمالية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان