اقتصاديات السعادة.. مفاهيم بدأت تنمو في سياساتنا

هل يشتري المال السعادة
الكاتبة: السعادة تعد أحد المكونات الجوهرية للرفاهية الذاتية والغاية الإنسانية المستمرة عبر العصور (شترستوك)

تثير كلمة "السعادة" ابتسامة فطرية على وجوهنا، وكأنها تبعث فينا طاقة متجددة بغض النظر عما تختزنه دواخلنا من مشاعر، وقد قيل: "السعداء يبتسمون بينما تحترق روما"، إذ تحمل السعادة في جوهرها طاقة استثنائية تتجاوز الواقع الآني.

وقد أكدت الدراسات أن السعادة ترتبط ارتباطا وثيقا بازدهار الحضارات، نظرا لعلاقتها المتينة بطبيعة مشاركة الأفراد في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

فعلى الصعيد السياسي، لا يعني كون المواطن سعيدا أنه أقل اهتماما، بل العكس، فالسعداء أكثر اهتماما بالقضايا العامة، وأكثر ثباتا في مواقفهم وولاء لمجتمعاتهم.

أما اقتصاديا، فإن المواطنين السعداء يميلون إلى التمتع بصحة أفضل، ومستويات إنتاجية أعلى، وكفاءة أكبر في القيادة والإدارة. وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن السعادة تعزز الروابط الإنسانية والعلاقات القائمة على التواصل الصادق والدفء الاجتماعي، مما يسهم في بناء نسيج اجتماعي أكثر تماسكا.

والسعادة ترفع من مستوى تقدير الذات، وهو شرط أساسي لمنح الحب وتلقيه. في المقابل، تؤدي التعاسة إلى الانغلاق والانشغال بالذات، في حين أن الفرد السعيد قادر على الانخراط بالآخرين بدلا من استخدامهم لملء الفراغات.

على الرغم من أن السعادة، تعد أحد المكونات الجوهرية للرفاهية الذاتية، فإن تناولها الاقتصادي بدأ فعليا عام 1974، متأثرا بنتائج الأبحاث النفسية التي درست أثر العواطف في السلوك الفردي

وعلى الرغم من غياب اتفاق جامع حول تعريف محدد للسعادة، أو الشروط الواجب تحققها لبلوغها، تظل السعادة مفهوما نسبيا معقدا يختلف باختلاف الأفراد، والأزمنة، والثقافات، والدول. كما تختلف دلالتها باختلاف المجال.

فالسعادة الاقتصادية لا تتطابق مع السعادة الاجتماعية؛ فقد تعرف السعادة الاقتصادية بأنها زيادة الدخل، أو التوازن بين الرغبة والقدرة على تحقيق الأهداف، أو تعظيم المنفعة والإشباع، أو تحقيق أمثلية باريتو وكفاءة تخصيص الموارد، أو رفع مستوى الرفاهية العامة. أما السعادة الاجتماعية، فتعرف بأنها الشعور بالعطاء، والراحة، والصحة، والاستقرار الأسري، والسلام الداخلي والخارجي.

إعلان

وقد قدم فينهوفن تعريفا للسعادة بوصفها "مقياسا لمنفعة جميع الأفعال"، بينما رأى ماسلو أنها ترافق النمو الذاتي وتشكل دافعا لتسارعه. أما إدجورث، فقد عرف سعادة الفرد خلال فترة زمنية معينة بأنها مجموع المنافع اللحظية التي يحققها الفرد خلال تلك المدة.

وعلى الرغم من أن السعادة، أو ما يعرف بـ"الرفاهية اليوديمونية"، تعد أحد المكونات الجوهرية للرفاهية الذاتية، والغاية الإنسانية المستمرة عبر العصور، فإن تناولها الاقتصادي بدأ فعليا عام 1974، متأثرا بنتائج الأبحاث النفسية التي درست أثر العواطف في السلوك الفردي، خصوصا في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. فالسعادة تعد محفزا للنمو والابتكار والإنتاجية، كما تعزز من وعي الأفراد بالاختيار العقلاني.

وتدعم هذه الفكرة نظرية "التوسع والبناء"، التي تفترض أن التأثير الإيجابي للسعادة يخلق عقلية نمو تساعد الأفراد على تجاوز التحديات، وتعزز امتلاك الموارد الشخصية الإيجابية.

وانطلاقا من هذه المعطيات، أثيرت تساؤلات واسعة حول الأبعاد الاقتصادية للسعادة، سواء على مستوى مؤشرات النمو القومي، أو على صعيد سلوكيات العمل والاستهلاك والاستثمار، أو في تعزيز الاستقرار واليقين الاقتصادي.

كما تصاعدت الدعوات إلى ضرورة تحسين جودة حياة الأفراد وتعزيز سعادتهم من خلال سياسات عامة جديدة، لا تقتصر على معالجة "فقر الدخل"، بل تمتد لتشمل "فقر الرضا" و"فقر السعادة" و"فقر جودة الحياة".

وفي هذا السياق، تناول ريتشارد لايارد في كتابه Happiness: Lessons From A New Science (2005) مفهوم "سباق الجرذان"، الذي يجسد اندفاع الإنسان نحو حياة مادية بحتة تبعده عن توازنه الروحي والنفسي، في ظل سعي محموم وراء الإنجازات المادية التي تفقده بوصلته تجاه ذاته وسعادته. ويؤكد لايارد أن السعادة تتحقق تلقائيا عندما يتجاوز الإنسان هذا السباق المرهق، ويسعى إلى معانٍ أعمق تتخطى المكاسب المادية.

أجري مسح وطني شمل عينة تتكون من 2500 مواطن لقياس رضا المواطنين عن مستوى حياتهم بشكل عام، وعن بعض العناصر الفرعية بشكل خاص. وقد بلغت نسبة رضا المواطنين، حسب نتائج المسح، 40%

وهذا بالطبع لا ينطبق على الفرد وحسب، وإنما أيضا على سياسات الدول التي كانت وما زالت في سباق دائم مع معدلات النمو الممثلة بإجمالي الناتج المحلي، الذي "يقيس كل شيء ما عدا ذلك الذي يجعل الحياة جديرة بالاهتمام"، كما وصفه السيناتور الأميركي روبرت كينيدي، منبها إلى أهمية أن تؤخذ مفاهيم الرضا والسعادة وجودة الحياة والرفاهية بعين الاعتبار جنبا إلى جنب مع الاقتصاد.

ولعله من المبشر أن نلمس هذا التوجه في رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية 2023-2033، التي جعلت من هذين الهدفين: النمو الاقتصادي وجودة الحياة، ركائز أساسية لها، بينما تشكل الاستدامة ركنا أساسيا في هذين الهدفين. حيث ينقسم مفهوم "جودة الحياة" في رؤية التحديث إلى مكونين رئيسين: مستوى المعيشة المتمثل في توفير المعايير الأساسية التي تضمن حياة كريمة وآمنة للمواطن، ونمط الحياة الذي يعبر عن الخيارات المتصلة بحياة مريحة.

إعلان

ويشكل هذان المكونان دورا محوريا في تحسين جودة الحياة للأردنيين، وذلك من خلال العمل عليهما بالتوازي للوصول إلى مستوى الرضا المنشود.

وقد تم تحديد 16 عنصرا تندرج تحت هذين المكونين، كخيارات الترفيه والثقافة والرياضة، والسفر والتسوق، والصحة والاستقرار، وغيرها من العوامل التي تسهم بشكل مباشر في النهوض بنوعية الحياة وخلق مستوى مرتفع ومستدام لجودة الحياة.

وفي إطار العمل على تطوير الرؤية، أجري مسح وطني شمل عينة تتكون من 2500 مواطن لقياس رضا المواطنين عن مستوى حياتهم بشكل عام، وعن بعض العناصر الفرعية بشكل خاص. وقد بلغت نسبة رضا المواطنين، حسب نتائج المسح، 40%.

وقد وضعت الرؤية بناء على ذلك هدفا مضاعفا بحلول عام 2033 لتكون النسبة المنشودة لركيزة "جودة الحياة" ورضا المواطنين حوالي 80%.

إن اعتماد الرؤية على التأسيس لمفهوم "جودة الحياة"، وما يتصل بها من مكونات تضمن الحياة الكريمة المريحة للمواطن، يجعل منها قفزة نوعية في عملية التحديث الاقتصادي الشمولي، الذي لن يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، وإنما سيكون له عظيم الأثر على تعزيز دور المواطن الإيجابي على المستويين الاجتماعي والسياسي أيضا، مما سيشكل للأردن ملامح مستقبل جديد، كتلك التي أرادها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين بإطلاقه الرؤية: "نريده مستقبلا نستعيد فيه صدارتنا..".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان