كيف مهد فلاسفة اليونان لولادة العلم الحديث في أوروبا؟

أوروبا لم تبدأ نهضتها من فراغ، بل أعادت اكتشاف أسئلة فلاسفة اليونان الكبار، حيث التقت الفلسفة بالعلم، وتحوّل الحلم القديم إلى معرفة حديثة تعيد طرح السؤال الإنساني الأول (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
الكاتب: حين ننظر إلى المسافة الممتدة بين الفلاسفة والعلماء ندرك أن أوروبا لم تبدأ من الصفر في عصر النهضة بل بدأت من حيث انتهى الإغريق (مولدة بالذكاء الاصطناعي - الجزيرة)

يقال إن أوروبا اخترعت كل شيء مرتين، كما أشار فولتير ذات تأمل؛ المرة الأولى في زمن فلاسفة اليونان، والمرة الثانية في عصر النهضة وما بعده.

وكأن أوروبا، تلك القارة التي اعتادت أن تنظر في مرآة ماضيها كلما أرادت أن تبصر مستقبلها، ما زالت تعيد اكتشاف ذاتها في دورة فكرية لا تنتهي.

بل إن ألفريد نورث وايتهد ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن الفلسفة الغربية كلها ليست سوى هوامش على محاورات أفلاطون. عبارة بدت لكثيرين مغرقة في المبالغة، لكنها تحمل في طياتها حقيقة لا يمكن إنكارها؛ فالعقل الأوروبي ما زال حتى اليوم يدور حول الأسئلة نفسها التي طرحها سقراط وأفلاطون وأرسطو، وإن تغير لسانه من اللغة الجدلية إلى اللغة العلمية، ومن التأمل إلى التجريب.

وحين يتأمل المرء مسيرة الفكر الغربي، يخال أن أوروبا قد صنعت العجلة مرتين بالفعل؛ مرة بالفكر ومرة بالفعل، وما بين الاختراعين مسافة قرون طويلة، اختلفت فيها الأدوات، لكن لم يتبدل جوهر السؤال الإنساني الواحد: ما أصل الوجود؟ ومن أين جاء كل هذا الكون الممتد بين العتمة والنور؟

فيثاغورس، حمل الفلسفة إلى عالم الأرقام، ورأى في المثلث القائم سرا من أسرار الوجود؛ إذ لم يكن المثلث عنده شكلا هندسيا جامدا، بل رمزا للانسجام الذي يقوم عليه الكون

كان أناكسيماندر أول من أطل على هذا السؤال من شرفة التجريد. وقف في القرن السادس قبل الميلاد ليقول إن أصل الأشياء جميعا ليس الماء كما ظن أستاذه طاليس، بل هو شيء مطلق لا محدود ولا ملموس أسماه الآبيرون. كان عقله يومها يسبح في فضاء لا يعرفه أحد، يلمس فكرة لا ترى، كأنه يتحدث بلغة المستقبل قبل أن يولد المستقبل ذاته.

وتمر آلاف السنين، ثم يأتي العلم الحديث ليحدثنا عن المادة والطاقة المظلمتين اللتين تشكلان معظم الكون، فيما لا تتجاوز المادة المرئية 5% من هذا الفضاء الشاسع. فهل كان الآبيرون إلا ظلا من ظلال هذا المجهول الذي نسميه اليوم المادة المظلمة؟ هكذا، تلتقي الفلسفة بالعلم عند منتصف الطريق، حيث لا نعرف أين يبدأ الحدس وأين تنتهي التجربة.

إعلان

لم يكن أناكسيماندر فيلسوفا متأملا فحسب، بل كان أيضا جغرافيا يرسم العالم بخطوط الفكر قبل أن ترسمه الخرائط. قسم الأرض إلى ثلاث قارات: آسيا وأوروبا وليبيا، وجعل بينها بحارا وأنهارا تقطعها كما تقطع الفكرة الجهل بالنور.

كانت خريطته بسيطة، لكنها ولدت بذرة العلم الذي سيأتي بعد قرون ليتحدث بلغة الطول والعرض والمدار. ثم رفع نظره إلى السماء ليتخيل أن الكون الذي نعيش فيه ليس الوحيد، بل هو واحد من أكوان كثيرة تولد وتفنى كما تتنفس الكائنات. فكرة بدت خيالية في زمانه، لكنها اليوم تلمع من جديد في مختبرات فيزياء الكم حين يتحدث العلماء عن الأكوان المتعددة.

وهنا يدخل بروتاغوراس، فيلسوف النسبية الفكرية، ليقول عبارته الخالدة: «الإنسان مقياس كل شيء»؛ كان يقصد أن الحقيقة ليست مطلقة، بل تتشكل تبعا لزاوية النظر وموضع الإنسان منها. ومفارقة الزمن أن يأتي العلم الحديث ليعيد اكتشاف المعنى نفسه، ولكن في مختبر الإلكترون؛ فقد أثبتت التجارب أن الإلكترون يتصرف كموجة حين لا نرصده، ويتحول إلى جسيم حين نراقبه.

يأتي أرسطو، المعلم الأول، الذي أعطى للعقل طريقه الممهد. وضع لبنات المنطق، وأسس للتفكير الاستنباطي، فصار العقل يسير من الكلي إلى الجزئي، ومن الفكرة إلى الحكم

كأن بروتاغوراس يتحدث من وراء آلاف السنين ليقول: حتى في أعماق الذرة، لا تنفصل الحقيقة عن الوعي الذي يدركها. وهكذا تمتد نسبية الفكر لتغدو نسبية فيزيائية، يختلط فيها الوجود بالملاحظة، والواقع بالنظر إليه.

أما فيثاغورس، فقد حمل الفلسفة إلى عالم الأرقام، ورأى في المثلث القائم سرا من أسرار الوجود؛ إذ لم يكن المثلث عنده شكلا هندسيا جامدا، بل رمزا للانسجام الذي يقوم عليه الكون. في علاقته البسيطة بين الأضلاع زوايا من الجمال واليقين معا، كأن الكون كله ينتظم على نغمة رياضية خفية.

وقد آمن بأن الأرض كروية، دائرة تسبح في فضاء لا نهائي، يوم كان الناس يظنونها مسطحة كرقعة من تراب. وربما كانت كروية الأرض عنده ليست فكرة علمية فحسب، بل موقفا فلسفيا من الوجود نفسه: أن كل شيء يدور ليعود إلى ذاته، وأن لا بداية بلا نهاية ولا نهاية بلا عودة.

ثم يأتي أرسطو، المعلم الأول، الذي أعطى للعقل طريقه الممهد. وضع لبنات المنطق، وأسس للتفكير الاستنباطي، فصار العقل يسير من الكلي إلى الجزئي، ومن الفكرة إلى الحكم.

كان يؤمن بأن الحقيقة لا تدرك بالفوضى، بل بالنظام، وأن التفكير مثل البناء لا يقوم بلا أعمدة من المقدمات. وعلى يديه تحولت الفلسفة إلى علم، وأصبح العلم عقلا منظما يبحث في العالم على ضوء البرهان، ومنه استلهم الغرب بعد قرون منهجه العلمي، فكان أرسطو الحاضر الغائب في كل مختبر وكل نظرية.

إن أوروبا لم تخترع العجلة مرتين وحسب، بل استدارت بها حتى صارت تدور إلى الأبد؛ ففي كل مرة تظن أنها وصلت إلى الحقيقة النهائية، تعود لتسأل السؤال الأول من جديد: من نحن؟

وفي الأفق ذاته يطل أناكسيمينيس، تلميذ أناكسيماندر، ليقول إن الهواء هو أصل كل شيء، وإن اختلاف الكثافة يصنع تنوع المادة. فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تلخص ما نعرفه اليوم عن تحولات المادة من صلبة إلى سائلة إلى غازية.

إعلان

ومن بعده جاء ديموقريطوس وأناكساغوراس ليبشرا بعالم يتكون من ذرات صغيرة غير مرئية، تتحرك وتتعانق وتنفر، فتخلق ما نراه من الأشياء. تلك الذرات التي سيتحدث عنها العلم بعد قرون طويلة كما لو كانت اكتشافا جديدا، وهي في حقيقتها فكرة قديمة ألبسها العصر ثوب التجربة.

وهكذا، حين ننظر إلى المسافة الممتدة بين الفلاسفة والعلماء، ندرك أن أوروبا لم تبدأ من الصفر في عصر النهضة، بل بدأت من حيث انتهى الإغريق. كانت أفكارهم بذورا ألقتها الرياح على أرض التاريخ، ثم نبتت من جديد حين تغير المناخ الفكري؛ فالعلم الحديث ليست له قطيعة مع الفلسفة القديمة، بل هو استمرار لها بلغة أخرى، أكثر دقة وأقل شعرا. لقد كانت الفلسفة حلما بالعلم، وصار العلم تحقيقا لذلك الحلم.

إن أوروبا لم تخترع العجلة مرتين وحسب، بل استدارت بها حتى صارت تدور إلى الأبد؛ ففي كل مرة تظن أنها وصلت إلى الحقيقة النهائية، تعود لتسأل السؤال الأول من جديد: من نحن؟ وما هذا الكون الذي نحيا فيه؟ وبين السؤال والإجابة تتأرجح الإنسانية كلها، كإبرة بوصلة تبحث عن الشمال، ولا تهتدي إلا حين تدور.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان