تقدم قناة الجزيرة الإعلامية، من خلال برامجها التوثيقية المتناولة الشأن العربي في مختلف المجالات السياسية والتاريخية، خدمة جليلة للمواطن العربي، تعرفه عبر هذه الأفلام بالوقائع والحقائق التي لا يتناولها غالبا الإعلام الرسمي العربي.
ولعل حاجة المشاهد اليمني ربما تكون أبلغ من غيره لمثل هذه الأفلام الوثائقية، نسبة للغياب التام للمؤسسات الإعلامية اليمنية، خلال العقود الماضية، في تناول التاريخ اليمني الحديث تناولا موضوعيا عميقا، يبحث في دهاليز الأرشفة التاريخية والمؤسسات العلمية ليقدم إجابات واضحة عن حقب يمنية مؤثرة.
ولذلك جاء البرنامج الوثائقي "المتحري – اليمن وإسرائيل.. جذور الصراع"، الذي يقدمه الإعلامي المتميز جمال المليكي، مستعرضا التدخل الإسرائيلي في اليمن ومنطقة البحر الأحمر لأول مرة في برنامج وثائقي مستند إلى وثائق تاريخية وإعلامية، ومقابلات خاصة مع باحثين مهتمين بهذا المبحث العلمي الهام.
لعل أهم عقيدة عسكرية اعتنقها القادة الإسرائيليون في هذه الفترة هي عقيدة الهجوم الاستباقي، كما حدث في حرب 1967، عندما توسعت إسرائيل توسعا كبيرا
نجح معدو هذا الفيلم الوثائقي في إجراء مقابلات مهمة مع كبار الخبراء وأساتذة الجامعات الغربية والإسرائيلية في المجالات الأمنية والاستخباراتية، ممن درسوا ونشروا أبحاثا مهمة حول العمليات السرية الإسرائيلية في منطقة البحر الأحمر، أمثال كليف جونز، وإبراهيم كاهانا، ويوسي ميلمان.
كما حصل معدو الفيلم على وثائق تاريخية ومصادر ثانوية تكشف طبيعة التدخلات الإسرائيلية وحرصها الدائب على إيجاد موطئ قدم لها في منطقة جنوب البحر الأحمر، حتى لا تصبح بحيرة عربية خالصة.
وقد وجدت إسرائيل فرصتها الثمينة متمثلة في دولة إثيوبيا، المستعمِرة في ذلك الوقت دولة إريتريا وموانئها البحرية مثل ميناء مصوع، لتعزيز إمداد القوات الأمامية اليمنية بالسلاح والعتاد الحربي.
ونجح الفيلم في كشف العلاقات الخاصة التي تربط إسرائيل سابقا وحاليا بدولة إثيوبيا، وكذلك بالنظام الإريتري في أسمرا، حيث ظلت علاقاتها بهذين النظامين حسنة، رغم تقلبات الأوضاع الأمنية في منطقتي البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ورغم احتدام الصراع أحيانا بين الجارتين إثيوبيا وإريتريا.
أدرك القادة الإسرائيليون، بعد حرب قناة السويس عام 1956، وبعد ضغط الإدارة الأميركية والاتحاد السوفياتي القوي حينئذ لوقف العدوان الثلاثي على مصر والانسحاب من شبه جزيرة سيناء، أهمية الاعتماد كليا على أنفسهم في إدارة حربهم مع العرب، واستقلال قرارهم السياسي، لتوسيع دوائر نفوذهم في منطقة الشرق الأوسط، ومواجهة المخاطر كافة المهددة لوجودهم في المنطقة.
ولعل أهم عقيدة عسكرية اعتنقها القادة الإسرائيليون في هذه الفترة هي عقيدة الهجوم الاستباقي، كما حدث في حرب 1967، عندما توسعت إسرائيل توسعا كبيرا، ما جعل هذه الحرب أنجح الحروب الإسرائيلية على الإطلاق في المنطقة.
إذ لم تستغرق الحرب أكثر من ستة أيام، احتلت خلالها إسرائيل القدس الشريف والضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية.
سبق الإعداد لهذه الحرب وضع إستراتيجية شاملة، أراد القادة العسكريون الإسرائيليون من خلالها استغلال كل الفرص المتاحة لإنهاك الدولة المصرية في عهد عبدالناصر، باعتبارها أقوى الدول العربية حينئذ عسكريا واقتصاديا.
وقد وجدت إسرائيل هذه الفرصة سانحة عندما قرر الرئيس المصري جمال عبدالناصر إرسال ثلثي جيشه لمساندة الثورة اليمنية في شمال اليمن، ومحاربة القوة الأمامية للإمام المخلوع البدر بن أحمد حميد الدين.
لعب المرتزقة البريطانيون دورا كبيرا في التنسيق بين النقل الإسرائيلي للأسلحة وإسقاطها في الأراضي اليمنية، من خلال إشارات تفاهم ضوئية، بعيدا عن القوات المصرية
تعود بداية التدخل الإسرائيلي في الشأن اليمني إلى عام 1963، حين تواصلت قيادات إسرائيلية مع إدارة الاستخبارات البريطانية لإقناعها بضرورة دعم القوات الأمامية ضد الجمهورية، بناء على مصلحة بريطانيا في ذلك.
وقادت هذه الحملة مجموعة عدن، التي تأسست بموافقة الخارجية البريطانية، لكنها أيضا أعطيت مساحة أكبر في التحرك والتصرف في الشأن اليمني.
وهي في الأصل امتداد لمجموعة السويس التي كانت في مصر قبل تأميم قناة السويس، حيث كانت ترى في الرئيس جمال عبدالناصر وسياسته المناصرة للثورات العربية تهديدا وزعزعة للمصالح الإستراتيجية البريطانية في المنطقة العربية.
أرادت مجموعة عدن وأد الثورة اليمنية في الشمال في مهدها، لما يترتب عليها من آثار سياسية كبيرة في اليمن ومنطقة البحر الأحمر. وقد شهدت مدينة لندن جلسات اجتماعات سرية في أكتوبر/تشرين الأول 1962، شارك فيها الملحق العسكري الإسرائيلي دان حيران، لمناقشة فكرة إقامة جسر جوي عسكري تقوم فيه إسرائيل بدعم القوات الأمامية في اليمن.
وكانت هذه أول عملية عسكرية سرية تقوم بها إسرائيل خارج إطارها الجغرافي لتوسيع نطاق هيمنتها العسكرية في المنطقة العربية.
لم يثق إسحاق رابين، قائد القوات الجوية الإسرائيلية في ذلك الوقت وأحد مؤسسي دولة إسرائيل، كثيرا في المرتزقة البريطانيين؛ لأنهم يعملون خارج إطار الحكومة البريطانية، ولذلك أرسل زئيف ليرون للتأكد من مقدرات هذه القوات الأمامية للإمام البدر، وكذلك لاستكشاف مدى تجنب وقوع هذه الأسلحة في أيدي القوات المصرية.
لعب المرتزقة البريطانيون دورا كبيرا في التنسيق بين النقل الإسرائيلي للأسلحة وإسقاطها في الأراضي اليمنية، من خلال إشارات تفاهم ضوئية، بعيدا عن القوات المصرية.
وشملت الأسلحة الإسرائيلية المقدمة لقوات الإمام البدر قذائف الهاون الثقيلة والرشاشات والمسدسات الآلية الألمانية، وكذلك البنادق البريطانية، وذلك بعد إزالة الأرقام التسلسلية الإسرائيلية من الأسلحة حتى لا يعرف مصدرها في اليمن.
القمة ساهمت مساهمة كبيرة في تعزيز أواصر الثقة بين زعيمي شطري اليمن، الحمدي وسالم ربيع علي، والإسراع في اتخاذ الترتيبات السياسية لتحقيق الوحدة اليمنية المنشودة، رغم اختلاف توجهاتهما الأيديولوجية
كان الرئيس اليمني الراحل المقدم إبراهيم الحمدي أول رئيس يمني يدرك الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر، وضرورة بذل الدول المطلة عليه قصارى جهدها للعمل على تأمينه وتأمين مصالحها الإستراتيجية فيه.
ولذلك عقد الرئيس الحمدي قمة رباعية احتضنتها مدينة تعز اليمنية عام 1977، حضرها كل من رئيس جمهورية السودان المشير جعفر محمد النميري، ورئيس الصومال سياد بري، ورئيس الشطر الجنوبي من اليمن سالم ربيع علي، لبحث تأمين البحر الأحمر من خلال الدول العربية المطلة عليه، والعمل على إبعاد النفوذ الإسرائيلي المعادي للعرب في هذا الممر المائي الإستراتيجي.
جاء حضور القادة العرب الأربعة هذه القمة الإستراتيجية استكمالا لتوجهات القمة العربية المنعقدة في الخرطوم عام 1967، وتوصياتها الشهيرة بتوحيد الجهود العربية المشتركة دفاعا عن المصالح العربية ومحاربة النفوذ الإسرائيلي في منطقة البحر الأحمر وباب المندب.
والجدير بالإشارة أن هذه القمة ساهمت مساهمة كبيرة في تعزيز أواصر الثقة بين زعيمي شطري اليمن، الحمدي وسالم ربيع علي، والإسراع في اتخاذ الترتيبات السياسية لتحقيق الوحدة اليمنية المنشودة، رغم اختلاف توجهاتهما الأيديولوجية وعلاقاتهما الخارجية مع قطبي النظام العالمي آنذاك.
لم تتغير الأمور كثيرا في المعادلة السياسية العامة في إسرائيل عما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي، فها هي تجد نفسها مهتمة أيضا بالشأن اليمني بعد التطورات الأخيرة في البحر الأحمر
كشف الفيلم نفاق النظام الإمامي البائد قبل قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول عام 1962، ودعوات الطهر وحماية الدين والبلاد الزائفة، حيث لم يرفض أبدا قبول التعاون والدعم العسكري الإسرائيلي رغبة في إفشال المشروع الجمهوري.
لم تتغير الأمور كثيرا في المعادلة السياسية العامة في إسرائيل عما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي، فها هي تجد نفسها مهتمة أيضا بالشأن اليمني بعد التطورات الأخيرة في البحر الأحمر، عندما وجه الحوثيون، بعد بدء حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، ضربات صاروخية ومسيرات ضد بعض الأهداف الإسرائيلية.
لكن هذا لا يعني أن إسرائيل أو الولايات المتحدة تريدان حقا إزالة النظام الحوثي في صنعاء، إذ تمارسان حالة ضبط نفس عالية جدا تجاه الحوثيين، لعدة أسباب، منها ما يتعلق بالدور الذي يلعبه الحوثيون والجماعات العسكرية الأخرى الموالية لإيران في تشتيت وتعميق هوة الخلاف العربي وإضعافه إضعافا كبيرا، بما يزيد من الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.
ألقى فيلم "المتحري- اليمن وإسرائيل.. جذور الصراع" الضوء على حقبة مهمة من التاريخ اليمني، لتتعلم الأجيال الناشئة، من خلال هذا التوثيق الإعلامي المتميز، حقائق الصراع اليمني-اليمني أثناء ميلاد الجمهورية في الشطر الشمالي من اليمن، وكيف رأى أعداء الأمة العربية والإسلامية النظام الجمهوري عدوا لهم ولمصالحهم في المنطقة. ويشاهد اليمنيون هذا الفيلم وهم يتوقون إلى عودة الجمهورية اليمنية مرة أخرى في حياتهم، قبل فوات الأوان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

